القدّيس زوتيكوس
ولد القدّيس زوتيكوس في رومية في كنف عائلة مؤمنة. تلقّى قسطًا وافرًا من العلم ونشأ محبًّا للفضيلة. وقع اختيار القدّيس قسطنطين الكبير عليه ليساعده في تأسيس عاصمته الجديدة. أصدر الأمبراطور أمرًا بإخراج المصابين من العاصمة أو إلقائهم في البحر، أنّى تكن حالهم، لوضع حد للوباء. انعصر قلب زوتيكوس لهذا التدبير فتوجّه إلى القصر الملكيّ وطلب من الأمبراطور كمية كبيرة من الذهب ليشتري بها لآلىء وحجارة كريمة، فحظي بموافقة الأمبراطور، وبعدما وضع يده على ذهب وفير أخذ يطوف المدينة ويجمع المرضى والأيتام وسار بهم إلى هضبة تقع على الضفة المقابلة للبوسفور فنصب لهم الخيام والأكواخ وأمّن لهم العناية والتعزية. فلمّا تولّى قسطنديوس العرش مكان أبيه، وكان مناصرًا للفريق الآريوسي، لاحق المستقيمي الرأي واضطهدهم، وما كان من الحساد إلا أن أوغروا صدر الأمبراطور لكي ينتقم من زوتيكوس لأنّه يهدر الأموال على الفقراء والمعوزين فاستدعاه ولما شاهد ما قام به مع المرضى والمعوزين والمشردين، ودعا الأمبراطور إلى العودة إلى الإيمان الحقيقي، أمسك الأمبراطور به وقيّده إلى بغال وحشيّة وجرّروه على الأرض إلى أن لفظ أنفاسه فأسلم الروح.
أكرم القدّيس زوتيكوس كشفيع لمؤسسات البرّ والإحسان في العاصمة البيزنطيّة.
القدّيس البار كيرياكوس تسلاوو الروماني
كان القدّيس كيرياكوس من دير تسلاوو، نسك خمسين سنة في الجبال المحيطة بالدير. اقتنى الصلاة المتواصلة. كان يقضي لياليه ساهرًا باكيًا. لا يأكل سوى الخبز الجاف وبعض الثمار البريّة. اقتنى بصيرة حسنة ونعمة طرد الشياطين. اتخذ كثرًا من الرهبان والعلمانيين كانوا يأتونه للاعتراف بخطاياهم وأخذ نصائحه. لعب دورًا بارزًا في نمو الحياة الهدوئيّة في تلك الفنرة في مولدافيا. خلّف وراءه عددًا كبيرًا من النساك والرهبان الذين سلكوا في أثره.
القدّيسة البارة ميلاني الصغرى
ولدت فاليريا ميلانيا سنة 383 م. تزوجت قصرا، وهي في الثالثة عشرة من عمرها. زوجها “بنيان” كان ابن ساويروس حاكم رومية. حالما تمّ زفافها اقترحت على زوجها ان تسلك وإياه في العفّة. ويكونا بمثابة أخ وأخت و بعد أخذ ورد أتفق الزوجان على إنجاب ولدين وحسب تأمينا لذريّتهما. وكان أن منّ الرب الإله عليهما بأبنة . ثم بعد سنوات قليلة أنجبت ميلاني صبيا. لكن توفي الصبي والبنت معا بعد حين. فكان ذلك إيذانا لميلاني و”بنيان” بأن خروجهما من العالم قد آن. ميلاني كانت، إلى ذلك الحين، تسلك في التقشّف المموّه بمظهر الغنى والأرستقراطية. أما الآن وقد انفك رباط الزوجين بالعالم فقد غادرا منزلهما الفخم في رومية ليستقرا في ضاحية للمدينة متكرّسين للعناية بالمسافرين والمرضى والمساجين. من ذلك الوقت أخذت ميلاني وزوجها في تصفية ثروتهما الهائلة. ومن ناحية ثانية أعتقا ثمانية الآف من العبيد وزودا كلا منهم بثلاث قطع ذهبية.كذلك حوّلا، عبر بعض الرجال الثقاة، أموالا جزيلة من الغرب إلى الشرق لتشييد الكنائس والأديرة.ثم،سنة410 م، انتقل الزوجان من رومية، بعدما غزاها ألاريك الغوطي، إلى صقلية برفقة ستين عذراء وثلاثين راهب، ومن هناك انتقلا إلى إفريقيا الشمالية .
مذ ذاك أخضعت ميلاني نفسها لنسك خليق بأشاوس الآباء المحاربين في عمق الصحارى. واقتنت العادات النسكية بالتدريج وبثبات لا أثر فيه للتراجع أو التردّد. وأخذت في الصيام الكامل خمسة أيام في الأسبوع لا تأخذ ما يقيتها إلا السبت والأحد.راحتها الليلية كانت لساعتين و حسب، والباقي كان للصلاة. قلاّيتها كانت من الضيق بحيث تعذّر عليها ان تمدد قامتها وترفع رأسها. تجربة المجد الباطل، وهذه حرّكها الشّرير بقوة عليها، كانت تدفعها عنها بطريقتين :أولاها السخرية من الشيطان واحتقار ما يأتيه عليها لأن إحساسها بتراتبيتها وبطلان العالم كان عميقا، وثانيهما وداعتها وحرصها على ألاّ تدّخر فكرا واحدا، كائنا ما كان، فيه عداوة لإنسان.
زارت النسّاك في برّية نيتريا في مصر . وأقامت ميلاني أربعة عشر عاما (417 -431 م) في قلاية عملت والدتها على إعدادها. وقد اعتادت ملازمة مكانها وعدم الخروج منه البتة بين الظهور الإلهي والفصح المقدّس.على ان هذا لم يمنعها من الأهتمام بأمور الكنيسة. تمسّكها بالإيمان المستقيم لا غبار عليه وحساسيتها للتعاليم الفاسدة والهرطقات كانت كبيرة. على أثر وفاة والدتها خرجت ميلاني من عزلتها وأسست على جبل الزيتون ديرا للعذارى ضمّ تسعين عذراء. جعلت نفسها خادمة للجميع. مثالها كان الآباء وتعليمها أقوالهم. تركيزها في توجيه العذارى كان على الثبات في الجهاد، وعلى الصحو والإنتباه إلى فخاخ العدو، وعلى حمية الذهن في الصلاة الليلية، وخصوصا على المحبة.
رقد “بنيان”زوجها ورفيق جهادها في الروح 431 م.دفنته بقرب المغارة التي أشيع ان الرب يسوع تنبأ فيها بخراب أورشليم بقيت ثم أوعزت إلى جيرونتيوس الكاهن،أن يقيم ديرا للرجال في المكان، وكانت هي الأم الروحية للشركة الجديدة، تغذّي الرهبان بالإرشاد واوقد منّ الرب الإله على أمته المختارة بموهبة شفاء المرضى. كانت تزوّد من يأتون إليها ليستشفوا إما بالزيت المقدّس المأخوذ من أضرحة بعض الشهداء وإما ببعض الحاجيات الخاصة بإحد القدّيسين المعروفين.
مرضت ميلاني بعدما اختفلت بعيد الميلاد المجيد سنة 439 م فجمعت راهباتها وأعطتهم وصيتها ونصائحها قالت لهن أنها باقية معهن طالما هنّ باقيات أمينات للعريس السماوي. ثم زودّت الرهبان بنصيب من النصح والكلمة وعيّنت جيرونتيوس الكاهن رئيسا عليهم بعد ذلك رقدت بسلام. وقد ثبت ديرها إلى زمن الغزو الفارسي، سنة 614 م، حين دمر. غير أن المغارة التي نسكت فيها، عند جبل الزيتون، وما زالت ماثلة إلى اليوم، شاهدة لعجب الله في قدّيسيه.
هذا وبعض رفات القدّيسة ميلاني الصغرى موجود إلى اليوم في كنيسة القيامة في القدس وفي قوزانا المقدونية وفي دير الثالوث القدّوس في أكروتيري الكريتية.
الطروبارية
+ ميلادك أيّها المسيح إلهنا قد أطلع نور المعرفة في العالم، لأنّ الساجدين للكواكب، به تعلّموا من الكوكب السجود لك يا شمس العدل، وأنّ يعرفوا أنّك من مشارق العلو أتيت، يا ربّ المجد لك
+ أتممتِ سعيك في هذي الحياة، بالتجَّرد والنسكِ الشديد، فبلغتِ حدَّ التخلّي عن كلّ شيء، مُغتنيةً بالنعمة الإلهية، ومرشدةً إلى الجهاد القويم. فيا أيتها الأم البارةُ ميلاني، توسّلي إلى المسيح الإله، أن يمنحنا الرحمة العظمى.
القدّيس فيلاتير
عاش القدّيس فيلاتير في نيقوميذية أيام إضطهاد الأمبراطور ذيوكليسيانوس للمسيحيين. ومع أنّه كان ابن تاتيانوس الوالي فقد أُوقف كما أوقف غيره من المسيحيين ومثلوا أمام القضاء الأمبراطوريّ. أُخِذ القيصر بمنظره، بان له كأحد آلهة الأولمبيوس أو كأحد أبطال الميتولوجيا القديمة. اعترف بكونه تلميذًا للمسيح، هدّده ذيوكليسيانوس وعرّضه للضرب ونفاه إلى جزيرة مرمرة ثم إلى نيقية حيث اجتذب حاكم المدينة وعددًا من الوثنيين إلى الإيمان المسيحي. رقد في الربّ بسلام.
القدّيس البار جدعون الجديد في الشهداء
كان القدّيس جدعون أبن عائلة فقيرة من قرية كابورنا القريبة من مدينة فولوس في اليونان، في الثانية عشرة من عمره أرسله والده إلى أحد أعمامه وكان تاجرًا في ناحية فلسطينون. لاحظه أحد المسلمين فأُعجب به لذكائه وحميّته في العمل فاتخذه عنوةوجعله في خدمة حريمه، وبعد سنة قبل الولد ختانًا بشريًّا وصار مسلمًا واتخذ ابراهيم اسمًا،وبعد شهرين من حدوث ذلك أخذ ضميره يعذّبه لأنّه تنكّر للمسيح، فهرب وعاد إلى منزله الوالدي وأطلع أهله على ما جرى له فخافوا من ملاحقة المسلمين له فارسلوه إلى جزيرة كريت، عمل هناك في مهنة البناء، لكن معلّمو البناء عاملوه بقسوة وعنف فهرب من جديد ولجأ إلى كاهن تقي، واعترف له بخيانته فعلّمه الكاهن طريق التوبة واستضافه واتخذه ابنًا له بالتبني.
وبعد ثلاث سنوات توفيّ الكاهن فارتحل جدعون إلى الجبل المقدّس لاستكمال توبته وانضم إلى دير كاراكالو واتخذ اسم جدعون وأبدى خضوعًا وتواضعًا كاملين كراهب، وتقدّم سريعًا في الصوم والسهر والسجود والبكاء وسائر أعمال النسك، وعلى مدى 35 عامًا كان جدعون راهبًا نموذجيًّا. قرأ عن القدّيسين الذين كفروا بالربّ ثم تابوا إليه فتحرّكت أحشاؤه واشتهى أن يحاكي هؤلاء القدّيسين فعرض أمره على رؤسائه وبعد موافقتهم ادعى الجنون على غرار المتبالهين من أجل المسيح وتوجّه إلى فلسطينون وجاء إلى مخدومه الذي لم يعرفه فأعلن له عن نفسه فجرى القيض عليه للحال واستيق إلى القاضي فلمّا وصل إليه قال له المسيح قام وحاول على قدر ما استطاع تقبيح دين القاضي الذي اغتاظ منه وجلدوه وتركوه بين حيًّا وميتًا، عاد إلى آثوس وبقي هناك سنة كاملة، ثم عاد إلى فلسطينون وأعلن أنّه كان مسلمًا ومن ثم ترك الإسلام واستعاد إيمانه بالمسيح فسُلّم للباشا في تيرفانوس القريبة من لاريسا في تساليا، فجرّدوه من ثيابه ووعرضوه للسخرية وأخيرًا قطعوا له أطرافه ومن ثم رموه فاستشهد للمسيح.
القدّيسة الشهيدة أنيسيّة
ولدت أنيسيّة لأبوين غنييّن شريفين في تسالونيكية أهتديا إلى المسيح وربّياها على محبة الحكمة والفضيلة. فلما بلغت عتبة المراهقة رقدا في الرب. تركا لها أموالا طائلة، لكن وقع الصدمة عليها كان شديدا . ولما كانت قد تربّت على محبة المسيح وحفظ وصاياه،أضحت الحياة لها المسيح والموت ربحا (فيليبي 1 :21). فأعتقت عبيدها وزوّدتهم بما يحتاجون إليه من المال لتدبير شؤون حياتهم. كما وزّعت ما بقي لها من ممتلكات وحقول وقطعان وميراث على الفقراء والمحتاجين.لم تحتفظ لنفسها بشيء. حتى ثيابها وحلاها نبذتها ووزّعتها يمينا ويسارا. أحبت ان تكون حرّة من كل ما يمكن ان يقيّدها إلى هذا الدهر.فلبست ثيابا عادية خشنة وأخذت تجوب المدينة تزو المرضى وتعين الأرامل والأيتام وتجمع الطعام واللباس للفقراء. أما معيشتها هي فبدأت تحصّلها من شغل يديها. عمر الشباب في عينيها كان عبئا، لسان حالها كان :” باطلة هي الفتوّة لأنك فيها تعثر الآخرين أو يعثرك الآخرون. الشيخوخة خير من الفتوّة! كم أنا حزينة لطول الوقت الذي يفصلني عن السماء !”.
أخذت أنيسية على عاتقها زيارة المساجين المعترفين من الذين طالتهم يد الأضطهاد. ومن عشرة المعترفين والشهداء اشتهت ان تكون لها شركة في شهادة الدم للمسيح. هذا ما يشتهيه الزاهدون المفتقرون من أجل المسيح؛ يتأجّج فيهم الشوق إليه ويتوقون إلى بذل ما بقي لهم ذبيحة وقربانا : أجسادهم ! ولكن، هذه نعمة من عنده تعالى، يهبها لمن يشاء ويمسكها عمن يشاء، واللع علاّم القلوب !.
أقامت أنيسية على هذا الرجاء تزرع الرحمة من حولها، مجدّة في الأصوام والدموع والأسهار والصلوات. لا شيء عطّل عزمها. وحلّت الساعة التي أتاحت لأنيسيّة أن تمجّد الله وتبذل نفسها لعريسها السماوي. عنفت موجة الأضطهاد على المسيحيين من جديد في ايام الأمبراطور الروماني مكسيميانوس، سنة 305 ميلادية. في تلك الأثناء، حدث أن أنيسيّة خرجت تروم الصلاة في الجماعة. وإذ عبرت بما يعرف بباب كاسندرا، دنا منها أحد الحرّاس الأمبراطوريين بعدما اشتهاها لنفسه، وتحرّش بها فصدّته ورسمت على نفسها غشارة الصليبز فشعر الجندي الوقح بالمهانة وسألها: ” من أنت و‘لى أين أنت ذاهبة؟!” فأجابته بلا ترددّ ومن دون خوف :” أنا خادمة ليسوع المسيح وذاهبة لأصلّي مع الجماعة !” فكان كلامها في اذنيه سلاحا استعمله ضدّها عسى ان ينال بواسطته ما رغبت به نفسه منها. فقال لها :” لن أسمح لك بذلك وسآخذك إلى الهيكل لتضحّي للآلهة. اليوم يوم عبادة الشمس !” وإذ تفوّه الجندي بهذا الكلام مدّ يده وانتزع منها المنديل بحركة خاطفة، فعنّفته وبصقت في وجهه فاغتاظ واستل سيفه وطعنها، زقيل جرّرها إلى الهيكل جرا وحاول إجبارها على التضحية للوثن، فتطلعت إليه وبصقّت في وجهه، فضربها بالسيف فسقطت صريعة لتنضم إلى ركب الأبكار السماويين وتحظى بإكليل الغلبة.
هذا وقد ذكر أن رفات القدّيسة أنيسيّة كانت تفيض طيبا زكي العرف يشفي الآم البشر المتنوعة. والكنيسة تنشد لها الأنشودة المعبّرة التالية :” أيتها الدائمة الذكر أنيسيّة. انك لمل بدّدت الغنى. وكفيت الفقراء. حصلت عروسا عادمة الفساد للخالق. وقدمت له مجاري دمائك كجهاز. وماثلته في الآمه التي كابدها. فأسكنك في الخدر الإلهي . كشهيدة لابسة الجهاد .
تعيّد لها الكنيسة شرقا وغربا في هذا اليوم واسمها وارد في مينولوجيون الأمبراطور باسيليوس، في القرن التاسع الميلادي، أيضا في الثلاثين من شهر كانون الأول.
الطروبارية
+ ميلادك أيّها المسيح إلهنا قد أطلع نور المعرفة في العالم، لأنّ الساجدين للكواكب، به تعلّموا من الكوكب السجود لك يا شمس العدل، وأنّ يعرفوا أنّك من مشارق العلو أتيت، يا ربّ المجد لك
+ نعجتك يا يسوع تصرخ نحوك بصوت عظيم قائلة: يا ختني إني أشتاق إليك وأجاهد طالبةً اياك، وأُصلَبُ وأُدفن معك بمعموديّتك، وأتألّم لأجلك حتّىأملك معك، وأموت عنك لكي أحيا بك. لكن كذبيحةٍ بلا عيبٍ تقبّل أنيسية الّتي بشوقٍ قد ذُبحتلك. فبشفاعاتها أيّها المسيحُ الإلهُ خلّص نفوسنا.
القدّيس تدّاوس
أصل القدّيس تدّاوس من سكيثيا. كان عبدًا لعائلة القدّيس ثيودوروس الستوديتي فأعتقه القدّيس لما صار راهبًا، فلم يشأ أن ينصرف عن ثيودوروس بل تبعه واتخذه أبًا روحيًّا له. سلك بشكل صارم في الأصوام والأسهار، ولم تكن له أية قنية وسلك في الطاعة الكاملة. تقدّم بسرعة في طرق الحياة الرهبانيّة. فلما جرى نفي القدّيس ثيودوروس أيام الأمبراطور لاون الخامس المحارب للإيقونات، توزّع الرهبان مجموعات صغيرة لأن لاون كان جادًا في إثرهم. قبض على تدّاوس يومًا وحاول عمّال الأمبراطور إجباره على الكفر بالإيقونات، إذ ألقوا أمامه إيقونة السيد وجرّروه جرًّا ليدوسها. كلّم تدّاوس الملك بكلام قاس وأبى التعاون معه تحت أي ظرف، فجلدوه ثم ألقوه خارجًا نصف ميت، رقد في الربّ بعد ذلك بيومين.
أطفال بيت لحم الشهداء
في ذلك الزمان، أتى إلى مدينة أورشليم مجوس من المشرق قائلين : أين هو المولود ملك اليهود. فإننا رأينا نجمه في الشرق وأتينا لنسجد له “(متى 2 :2). فاضطرب هيرودوس الملك، المعروف بالكبير، واضطربت أورشليم معه. كان الملك مريض النفس، شديد الخوف على ملكه، حاسبا الجميع متآمرا عليه. فقد حسبه اليهود مغتصبا لأنه آدومي من غير جنسهم، رغم ان الآدوميين كانوا قد اقتبلوا اليهودية عنوة كمذهب . ولما كان هيرودوس قد تزوّج عشر نساء فقد أنجبن له ذكورا كثرا كلهّم أشتهى الخلافة حتى بات القصر مسرحا لعشرات المؤامرات والفتن. في هذا الجو الموبوء، لجأ هيرودوس إلى التصفية الجسدية، ففتك بأبرز أعضاء مشيخته وبزوجته مريمني وأمهّا ألكسندرا وابنيها وورثته وخيرة أصدقائه. وكان مستعدا للتخلّص من أي كان إذا ظنّ أنه طامع بملكه. لهذا السبب كان لخبر المجوس عليه وقع الصاعقة، فاستدعى، للحال، رؤساء الكهنة والكتبة وسألهم أين يولد المسيح. قبل ذلك كان الجو عابقا بالحديث عن المسيح الآتي.لا سيما وقد ارتبطت صورة المسيح في الأذهان باسترداد الملك المغتصب وعودة اليهود إلى الواجهة.وإذ فهم هيرودوس ان بيت لحم اليهودية هي المكان، اصطنع حيلة للقضاء على الصبي، فاستدعى المجوس، سرا، واستعلم منهم منذ كم من الوقت ظهر لهم النجم. هذا كان من المفترض ان يعطيه فكرة عن عمر الصبي. وإذ تظاهر بأنه مهتم بالسجود لمن يرومون هم السجود له أطلقهم إلى بيت لحم ليبحثوا عن الصبي، ومتى وجدوه ان يرجعوا إليه ويخبروه.
خرج المجوس إلى بيت لحم لا يلوون على شيء.فإن ملاك الرب هداهم، بهيئة نجم، إلى موضع الصبي فسجدوا وقّد موا له هدايا. وإذ همّوا بالعودة إلى بلادهم عن طريق أورشليم، أوحي إليهم في حلم الليل فانصرفوا في طريق أخرى. أما الصبي وأمه فاخذهما يوسف، بأمر الملاك، وانحدر بهما إلى مصر.
طال انتظار هيرودوس للمجوس، وتيقّن أنهم سخروا به وخدعوه، فاستبد به غضب شديد وقام فأرسل إلى بيت لحم والتخوم وقتل جميع الصبيان فيها من عمر سنتين فما دون على حسب الزمان الذي تحققّه من المجوس.
هؤلاء هم الشهداء الأوائل الذين سقطوا باسم يسوع بعد ولادته بالجسد.قيل أن عددهم أربعة عشر ألفا وقيل مائة وأربعا وأربعين ألفا (الأقباط) وهذا عدد رمزي،إشارة إلى المائة والأربع والأربعين ألفا الواردة في سفر الرؤيا.
نصوصنا الليتورجية تقول عنهم أنهم مقدّمة للحمل الجديد الذي سيتألم ويذبح لأجل خلاصنا. وقد حصلوا ذبيحة أولى لميلاد المسيح الإله الطاهر وقدمّوا له كعناقيد، وصار لهم أن يتهلّلوا لأنهم ذبحوا من أجل المسيح. يبدو مقتل أطفال بيت لحم رسما لمعاناة اسرائيل في كل تاريخها وإيذانا بتمام وعود الله بأنبيائه في شخص الصبي يسوع.
يذكر ان الإخوة الموارنة يحتفلون بذكرى أطفال بيت لحم مثلنا اليوم، فيما يعيّد لهم اللاتين يوم الثامن والعشرين من الأول ويسموّنهم “القدّيسون الأبرياء” والأقباط في الثالث من شهر طوبة (حوالي 10 كانون الثاني ).
أبينا البار مركلُّس الآفامي رئيس دير الذين لا ينامون
كان القدّيس مركلّس من عائلة غنية عاشت في آفاميا السوريّة. تيتّم شابًا صغيرًا فانتقل إلى إنطاكية ليدرس العلوم فيها لكنّه تركها بعد فترة إذ استهوته الحياة مع الله فوزّع أمواله على الفقراء ثم ترك موطنه وسافر إلى أفسس هناك أخذ يحصّل لقمة عيشه خطّاطًا وفي الليل يصرف وقته في الصلاة. وتناهى إلى مسامعه ما قام به ألكسندروس الذي كان قائدًا عسكريًّا لكنه ترك الجندية وأسّس سنة 402 ديرًا على ضفاف نهر الفرات ، هناك اجتمع إليه 300 راهبًا من كنيسة القدّيس ميناس ثم أسس ديرًا آخر في القسطنطنية ووزّع رهبانه على ستة أجواق كانت تتناوب الصلاة في الكنيسة على امتداد أربع وعشرين ساعة في اليوم، لهذا لقّب ألكسندروس بالذي لا ينام وكذلك ديره، وصارت طريقته نمطًا رهبانيًّا اجتذب الكثيرين، فلما سمع مركلّس عن هؤلاء انضم إليهم، ولكن اضطر ألكسندروس ورهبانه إلى مغادرة القسطنطنية وانتقلوا إلى بريّة في بيثينيا وكان مركلّس ضمن المجموعة التي غادرت الدير وكان قد اقتنى فضائل جمّة وأصبح مثالاً للرهبان. وبعد وفاة ألكسندروس واستلام رئاسة الدير من قبل الراهب يوحنا تمّ تعينه مسؤولاً عن حياة الرهبان الروحيّة، وبعد وفاة يوحنا أختاره الأخوة في الدير ليستلم هو رئاسة الدير، في عهده ذاع صيت دير الذين لا ينامون في كلّ مكان وصار طلاّب الحياة الرهبانيّة يأتون إليه حتّى من الغرب وفارس وأرمينيا. صار القدّيس مرجعًا لكل شأن رهبانيّ وأخذ يرسل تلامذته في كلّ اتجاه ليشرف على إنشاء الأديرة والمؤسسسات.
برز القدّيس مركلّس كأحد المدافعين عن الإيمان الأرثوذكسيّ في وجه أوتيخيوس وسواه من الهراطقة. كذلك كان ملاذًا للمظلومين. لايتردّد عن احتضان الضعفاء والدفاع عنهم، حتّى الأباطرة كانوا يعتبرونه معلّمًا لهم يطلبون منه النصح. وقد بقي كذلك حتّى رقد في الربّ بعد ستين سنة من الحياة النسكيّة قرابة العام 484م.
الطروبارية
+ ميلادك أيّها المسيح إلهنا قد أطلع نور المعرفة في العالم، لأنّ الساجدين للكواكب، به تعلّموا من الكوكب السجود لك يا شمس العدل، وأنّ يعرفوا أنّك من مشارق العلو أتيت، يا ربّ المجد لك
+ يا رب بأوجاع القديسين التي تكبَّدوها من أجلك، تعطَّف واشفِ أوجاعنا كلَّها، نحن المتضرِّعين إليك يا محبَّ البشر.
+ بكَ حُفظت الصورةُ باحتراسٍ وثيق، أيها الأب مركلُّس، لأنّكَ قد حملتَ الصليب فتبعتَ المسيح، وعمِلتَ وعَلَّمتَ أن يُتغاضى عن الجسد لأنّه يزول، ويُهتمَّ بأمور النفس غير المائتة. فلذلك أيها البار تبتهج روحُك مع الملائكة.
القدّيسة دمنة
إحدى الذين قضوا في الهجمة عينها على مسيحيي نيقوميذية. كانت كاهنة هيكل الآلهة الإثني عشر في القصر الأميري في المدينة. وقع في يدها كتاب أعمال الرسل ورسائل بولس فأحدثت قراءتها في نفسها إنقلابًا، فقصدت الأسقف كيرللس وسألته العماد، فتمّ لها ذلك، على أثر ذلك وزّعت مقتنياتها حسنات على المحتاجين، ولازمت الصلاة والنظر في الكتب المقدّسة ليل ونهار غير مبالين بطعام أو شراب أو ملبس. لمّا انتهى خبرها إلى أمير نيقوميذية، أرسل جنوده فاقتحموا المنزل الذي كانا فيه فلم يجدا غير حصيرتين وصليب وكتاب أعمال الرسل ومبخرة وسراج وصندوق صغير للذخيرة، فقبضوا عليها وألقوها في سجن مظلم.
لم يمض وقت طويل حتّى تمكّنت القدّيسة دُمنة الخروج من السجن بعدما أدّعت الجنون. خشي عليها الأمير أن تموت وهي كاهنة مشهورة للأوثان. فلما جاء المبرطور مكسيميانوس وسأل عنها على اعتبارها كاهنة الهيكل ولم يجدها أرسل في طلبها لكنّها هربت إلى الجبل وبعد ذلك أسلمت نفسها للجنود فحُكِمَ عليها بقطع رأسها وإحراق بقاياها.
شهداء نيقوميذية الذين أحرقوا أحياء
لما عاد الأمبراطور الروماني مكسيميانوس غاليريوس مظفرا من حربه ضد الأحباش، رغب، على حسب العادة المألوفة، في أن يقدّم الناس، في كل مكان من الأمبراطورية، ذبائح للآلهة التي نصرته على أعدائه. وإذ وصل إلى مدينة نيقوميذية، العاصمة الشرقية للأمبراطورية، أصدر أمرا بأن يبادر جميع من فيها إلى تقديم فروض العبادة للأوثان، وكل من يتخلّف يعرّض نفسه للملاحقة والموت.
كان الأمبراطور يعلم جيدا أن في المدينة عددا غير قليل من المسيحيين. وقد ظنّ أن ولاءه للآلهة وشكره لها يحتّمان عليه ضربهم. لذلك عمد إلى تشديد قبضته عليهم. ومن الإجراءات التي اتخذها، في هذا الشأن، أنه بادر إلى تصفية القصر والإرادات العامة من كل من أنتهى إليه أنه مسيحي وبطش بذوي الرفعة منهم ونشر جنوده في الأحياء العامة والأزقة ليخرجوا المسيحيين من مخابئهم ويفتكوا بهم. وقد سال دم شهداء المسيح، من جديد، نتيجة ذلك، وأخذت الحال تسوء يوما بعد يوم.
استمر الوضع مترديا، على هذا النحو، إلى أن قرب عيد ميلاد ربّنا يسوع المسيح بالجسد. يومها جاء إلى الأمبراطور وشاة أسروّا إليه أن أنثيموس الأسقف، زعيم المسيحيين، قد جمع الناس في الكنيسة وهم بأعداد وافرة.فأسرع جنوده وأحاطوا بالمكان، ثم جمعوا كميّات من الحطب والأغصان اليابسة وزنّروا بها الموضع، وجعلوا عند المدخل مذبحا متنقلا للأوثان. وإذ اكتملت استعدادات العسكر نادوا من في الداخل ان من أراد منهم النجاة فليخرج خارجا ويضحّ للأوثان. فهبّ أغابيوس الشماس في المسيحيين المجتمعين في الداخل، وهم يصلّون، وذكّرهم بالفتية الثلاثة القدّيسين. هؤلاء لما ألقوا في أتون النار، في بابل، لتمسكّهم بإلههم، دعوا الخليقة كلها إلى تمجيد الله، فنزل الكلمة الخالق إليهم، في هيئة جسمانية، معينا مشدّدا وشملهم بالندى والنسيم العليل. ثم قال لهم أن ساعة الإقتداء بهؤلاء الفتية قد حانت لنا، فلا نخشين الميتة العابرة حبا بالله لأننا إن بذلنا له أنفسنا سدنا معه إلى الأبد. ويبدو ان كلام الشماس ثبّت المؤمنين، لا سيما وقد كانوا مهيّئين بالنفس والروح لمثل هذه المواجهة وقوى الشر الكونية. لذلك أجاب المجتمعون عمال مكسيميانوس بصوت متّفق :”نحن نؤمن بالمسيح يسوع وله نسلم أمرنا!”.
وتحرّك الجنود بسرعة. أخذوا يضرمون النار في أكوام الحطب والأغصان فيما جرى استكمال معمودية الموعوظين في الداخل، وأقيمت الذبيحة الإلهية. إزاء هذا المشهد المريع بقي المؤمنون متشدّدين بنعمة الله متماسكين. وإذ بدأ الدخان يتسرّب إليهم والنار تشقّ طريقها إلى داخل المبنى، أخذت أصوات المؤمنين ترتفع مردّدة أنشودة الفتية الثلاثة القدّيسين :” باركوا الرب يا جميع أعمال الرب ! سبّحوه وارفعوه إلى الأبد !” ثم أخذ أحبة الله يتساقطون الواحد تلو الأخر أختناقا إلى أن قضوا جميعهم. وقد بقيت النار مشتعلة في المكان خمسة ايام ولما أنطفات، أخيرا، انبعثت من الموضع رائحة طيب كانت أقوى من رائحة الحريق. وقد قيل ان عدد الذين قضوا في المحرقة كان كبيرا.
أما القدّيس أنثيموس فذكر أنه نجا بأعجوبة، وظنّ أخرون أنه لم يكن موجودا في الكنيسة وقت حدوث المحرقة. مهما يكن من أمر فإنه لجأ إلى قرية في الجبال اسمها أومانا أخذ منها يرعى شعبه إلى ان ألقي القبض عليه وأعدم بقطع الرأس.
الشهداء الذين قضوا في نيقوميذية خارج المحرقة. قضى هؤلاء من أجل المسيح بميتات مختلفة. القدّيسون إنديس الخصي وبطرس وغرغونيوس شدّت أعناقهم إلى حجارة ثقيلة وألقوا في البحر. القدّيس زينون دنا من الوثنيين، وهم في نشوة الأنتصار على المسيحيين في الكنيسة، مقبحا فعلهم وعماهم، فأشار الأمبراطور إلى جنوده بالقبض عليه، فأمسكوه وحطّموا أسنانه وفكّيه بالضرب بالحجارة، ثم أخرجوه خارج المدينة وقطعوا هامته. أما دوروثيوس ومردونيوس وميجدونيوس فكانوا من الأعيان ولهم وظائف هامة في القصر. هؤلاء رموا أسيرتهم وشاراتهم بازدراء أمام الملك معترفين بكونهم خدّاما للمعلم الأحد سيّد المسكونة. وقد ضربوا بلا شفقة حتى المساء، فلم يتذمّروا ولا اشتكوا، فجرى إعدامهم بعد أيام من الحريق :دوروثيوس بقطع الرأس، ومردونيوس بالحرق حيا وميجدونيوس طمرا. الشهيد في الكهنة غليكاريوس قال للظالمين : ما توقعونه بنا من عذابات، مهما اشتدت، يحمل إلينا الفرح السرمدي، فأنهال عليه الجلاّدون ضربا حتى أعيوا. ثم أحرقوه حيا خارج المدينة. أما القدّيس ثيوفيلوس الشمّاس فرجم بعدما قطع لسانه.
القدّيس البار سمعان المفيض الطيب مؤسس دير سيمونوس بتراس في جبل آثوس
عاش القدّيس في القرن الثالث عشر. ترك حياته في العالم وانتقل إلى الجبل المقدّس آثوس، طلبًا لخلاص نفسه. انضم إلى أب شيخ كان متمرّسًا بالنسك صارمًا متطلّبًا فخضع له بالتمام والكمال كما لله نفسه. أبدى من الطاعة والتواضع والمحبّة والصبر ما رفعه إلى درجة عالية من الفضيلة. بات محطّ إعجاب رهبان آثوس واخترام الشيخ أبيه حتّى كفّ الشيخ عن اعتباره تلميذًا له وصار يعامله كرفيق في الجهاد. لم تحلّ هذا الكرامات له فاستأذن الشيخ وخرج ليعيش وحيدًا. بعدما بخث طويلاً عن مكان يناسبه اهتدى إلى مغارة ضيقة رطبة على المنحدر الغربيّ من آثوس، على علو 300 متر عن البحرن فأقام هناك، ليل نهار، عرضة لهجمات الشيطان المتواصلة لس له ما يدافع به عن نفسه غير الإيمان والرجاء بالله ودعاء الإسم الحسن لربذنا يسوع المسيح.
وحدث له ذات ليلة، قبل أيام من عيد ميلاد ربذنا يسوع المسيح، أن رأى نجمصا يهبط من السماء ليستقر فوق صخرة مقابل المغارة التي كان مقيمًا فيها، وإذ خشي أن يكون ذلك فخًامن فخاخ أبليس الخبيث الذي كثيرًا ما يظهر بمظهر ملاك من نور، لم يولِ المنظر اهتمامًا بل انصرف عنه إلى صلاته وسجداته. لكن المنظر تكرّر على سمعان بضع ليال متتالية، وما أن حلّت ليلة الميلاد حتذى انحدر النجم فوق الصخرة كما لو كان نجم بيت لحم وصرخ صوت من السماء، كان صوت والدة الإله، يقول: “لا تخف يا سمعان، الخادم الأمين لإبني! انظر هذه العلامة ولا تغادر المكان فتجد لنفسك خلوة أكبر كما تشتهي لأنّي أريدك هنا أن تنشىء ديرًا لخلاص كثيرين”. فلما سمع سمعان صوت والدة الإله اطمأن قلبه وغمرته النشوة فألفى نفسه محمولاً إلى بيت لحم، أفي الجسد أم خارج الجسد؟ الله يعلم. وقف مذهولاً أمام الطفل يسوع مع الملائكة والرعاة! وإذ عاد إلى نفسه باشر للحال ما دعته والدة الإله إليه.
وما هي إلا فترة قصيرة حتّى جاء إلى سمعان ثلاة أخوة من عائلة تسالونيكيّة غنية، سمعوا عنه وعن فضيلته، فألقوا بغناهم عند رجليه، على نحو ما فعل المجوس قديمًا أمام طفل المغارة، وسألوه أن يقبلهم تلاميذ له وجيء ببنّائين، فلما عاينوا الموضع ولاحظوا وعورته وخطورة العمل به امتنعوا واتهمّوا القدّيس بالجنون، في تلك الساعة جاء أحد الأخوة الثلاثة ليقدّم للبنّائين النبيذ ضيافة، وكان الموضع الذي جلسوا فيه مشرفًا على هوّة، فزلقت رجل الأخ وسقط من علو، فظنّوه قد مات وتيّقنوا من أن ما قالوه عن استحالة العمل في المكان صحيحًا. فجأة وبفعل صلاة قدّيس الله رأوا الراهب يصعد من الهوّة سالمًا معافى وإبريق الخمر في يده والكأس في اليد الأخرى ممتلئة وكأنّه على وشك تقديمها لهم. إذ ذاك تعجّبواومجّدوا الله وترهّبوا. ولمّا بدأوا بالعمل تعرّضوا لحوادث عدّة، لكن بنعمة الله، لم يصبهم أي أذى.
واكتمل البناء وأخذت أعداد من طلاب الرهبنة تنضمّ إليه. عاش القدّيس سنين طويلة أنعم الله خلالها عليه مواهب جمّة كصنع العجائب والنبؤة والتعليم، ولمّا خضرته ساعة مفارقته، جمع تلاميذه وزوّدهم بإرشادته ثم رقد بسلام.
الطروبارية
+ ميلادك أيّها المسيح إلهنا قد أطلع نور المعرفة في العالم، لأنّ الساجدين للكواكب، به تعلّموا من الكوكب السجود لك يا شمس العدل، وأنّ يعرفوا أنّك من مشارق العلو أتيت، يا ربّ المجد لك
+ مغبوطةٌ الأرض المخصبة بدمائكم يا مجاهدي الرَّب، ومقدَّسةٌ المظال المتقبِّلة أرواحكم، لأنكم في الميدان قهرتم العدوّ، وكرزتم بالمسيح بدالة، فنتضرَّع إليكم أن تبتهلوا إليه بما أنه صالح ليخلِّص نفوسنا.
القدّيسين موريق ورفاقه
لمّا كان الأمبراطور الروماني مكسيميانوس يطوف أرجاء أمبراطوريته يفتك بالمسيحيين بنفسه فقد اقبل على أفاميا السوريّة. هناك وشى لديه الكهنة الوثنيون بموريق وجنوده السبعين. قالوا أنّهم مسيحيون متمرّدون ولا يعبأون بالطقوس العبادية الملكيّة الإلزاميّة. فلمّا وقف المشتكى عليهم أمام الأمبراطور اتّهموا بالجحود حيال آلهة المملكة والملك الذي طالما أنعم عليهم بالكرامات العسكريّة فأجاب موريق ورفاقه أنهم لا يخشون العذاب ولا الملك لأن الله يعطي الذين يحبّونه قوّة تقوى على الموت. أهينوا وأُدعوا السجن وتعرّضوا لعذاب فكان كلّ واحد يشدّد الآخر ويسألون الربّ أن ينعم عليهم بالإعتراف الحسن وصبر المسيح في آلامه، خلال كلّ العذاب الذي تلقّوه كانوا مستغرقين في الصلاة إلى الله. ولمّا عجزوا عن ثنيهم عن الإيمان بالربّ عرّوهم ودهنوا أجسادهم بالعسل، ثم تركوهم عرضة للحشرات الهائمة بوفرة عشرة أيّام بلياليها إلى أن لفظوا أنفاسهم ونالوا أكاليل الغلبة من السماء.
القدّيس استفانوس أول الشهداء ورئيس الشمامسة
هو باب الشهداء وطريق القدّيسين وزعيم الأستشهاد الذي قدّس بجهاداته أقطار العالم، كما تقول عنه خدمتنا الليتورجية اليوم. أسمه معناه “تاج” أو “إكليل من الزهور”. لذلك تقول عنه أنشودة أنه قدّم لسيّد الكل، المولود على الأرض، إكليلا فائق البهاء، ليس مصنوعا من حجارة كريمة بل مزهرا من دمائه نفسها. وتقول عنه أنشودة أخرى أن الحجارة التي رجم بها حصلت له درجات ومراق إلى الصعود السماوي.
في تلك الأيام التي تلت نزول الروح القدس على التلاميذ، ازداد عدد المؤمنين وازدادت أعباء الرسل الإثني عشر لجهة توزيع حاجات الجسد على الجماعة. فلقد أخذ المؤمنون الأوائل يبيعون أملاكهم ويتقاسمون الثمن على قدر احتياج كل منهم بعدما أخذوا على عاتقهم أن يكون كل شيء بينهم مشتركا (أعمال 2). وكان الرسل يشرفون على هذا العمل. كل هذا دعاهم إلى تنظيم الخدمة على نحو أوفق، فاختارت الجماعة سبعة رجال مشهودا لهم بالإيمان والتقوى، ممتلئين من الروح القدس، ولهم من الحكمة والدراية ما يسمح لهم بالقيام بعمل التوزيع اليومي على أفضل وجه ممكن. وهؤلاء هم استفانوس وفيليبس وبروخوس ونيكلنور وتيمون وبرميناس ونيقولاوس الدخيل الأنطاكي .وقد صلّى الرسل ووضعوا على المنتخبين الأيادي.
أما أستفانوس فكان المتقدّم في الشمامسة، كما لاحظ الذهبي الفم، وكان رجلا مملوءا من الإيمان والروح القدس والقوة، يصنع عجائب وأيات عظيمة في الشعب. وقد أثارت مواهبه حفيظة اليهود فاجتمع عليه عدد منهم، من الليبرتينيين، أي من اليهود المعتقين، ومن القيروانيين الليبيين ومن الإسكندريين ومن الذين من كيليكيا وآسيا الصغرى يحاورنوه ويجادلونه فلم يتمكّنوا منه فاشتدّوا غيظا ولجاؤا إلى الدس والإفتراء لينالوا منه. وإذ اتهموه بأنه تفوه بكلام تجديف على موسى وعلى الله هيّجوا الشعب حرّكوا الشيوخ والكتبة فقبضوا عليه وأوقفوه أمام مجمع السبعين وهو المجمع عينه الذي حكم على الرب يسوع بالموت. وكما أقام اليهود شهود زور على المعلم أقاموا على التلميذ، فأنبرى منهم من اتهمه بأنه يتكلم ضد الموضع المقدّش والناموس ويدعو إلى تغيير عوائد موسى.
وفي ردّ استفانوس على اتهامات الحاقدين المفترين كان ممتلئا من نور الرب حتى إن وجهه بدا كوجه ملاك. وقد بيّن لهم كيف أن إبراهيم، أب المؤمنين، تبرّر لدى الله وحظي بنعم عظيمة من دون الهيكل ومن دون أن يكون له ميراث أرض ولا وطأة قدم. كذلك كان الرب الإله مع يوسف وأنقذه من جميع ضيقاته فيما حسده رؤساء الآباء وباعوه إلى مصر. ثم كان موسى الذي قال لبني إسرائيل نبيا مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم، له تسمعون. هذا أنكره الآباء قائلين له من أقامك رئيسا وقاضيا علينا، فيما جعله الله رئيسا وفاديا فأخرج إسرائيل من مصر بآيات وعجائب. وعاند الآباء. فلم يشاؤوا ان يكونوا طائعين له بل دفعوه ورجعوا بقلوبهم إلى مصر. فجعلوا لهم بهرون آلهة يعبدونها من دون الله وظنّوا بموسى الظنون، فعاد الله وأسلمهم إلى نجاسة قلوبهم. ومع ان الله لا يسكن في هياكل مصنوعات الأيدي لأن السماء كرسيّ له والأرض موطىء لقدميه فإن سليمان بنى له بيتا. لكن إقامة الله وسط شعبه تتخطى البيت. هذا وغيره دلّ دائما على مقاومة اليهود، آباء وبنين، للروح القدس. لذلك لا يتردّد استفانوس في المجاهرة بإيمانه بالمسيح البار والحكم على اليهود بقساوة الرقبة ونجاسة القلب والأذن مثلهم مثل آبائهم.
هذا القدر من الكلام الناري كان كافيا ليشعل في اليهود غيظا شديدا فصرّوا بأسنانهم عليه وسدّوا آذانهم. وإذ شخص إلى السماء رأى مجد الله ويسوع قائما عن يمين الله فشهد قائلا :” ها أنذا أنظر السموات مفتوحة وابن الإنسان قائما عن يمين الله”. هذا كان عندهم قمة التجديف وعنده قمة الحق وملء الروح القدس. وقبل أن يلفظ المجمع حكما عليه أدانه الحاضرون وهجموا عليه وأخرجوه خارجا ورجموه مع انه لا حق لهم ولا لمجمعهم أن يقتلوا أحد (يوحنا 18 :31). والذين شهدوا أنه جدّف خلعوا ثيابهم عند رجلي شاول. الذي تسمى بولس فيما بعد، ليحفظها، ثم كانت أيديهم عليه أولا ليقتلوه. وإذ أنهالت عليه الحجارة كالسيل سأل من أجل نفسه ” أيها الرب يسوع أقبل روحي”. وسأل من أجل قاتليه “يا رب لا تقم له هذه الخطيئة”. ولما قال استفانوس هذا أسلم الروح.
كان رقاد استفانوس، على ما ورد في مصادر قديمة، في أواخر السنة نفسها التي صلب فيها الرب يسوع. وثمة من يذكر ان ذلك حدث في السادس والعشرين من كانون الأول من تلك السنة. ويظهر أنه دفن في مكان يبعد عشرين ميلا عن أورشليم يدعى كفراغمالا. وقد حفر على قبره اسم خليال الذي يعني إكليل أي استفانوس. المعلومات في هذا الشأن أوردها باسيليوس سلفيكا (+ 459م (في عظة عن القدّيس استفانوس. وكذلك كاهن اسمه لوقيانوس كتب وقائع اكتشاف رفات القدّيس في القرن الخامس الميلادي. المعلومات التاريخية تفيد أن ذراعه اليمنى كانت في القسطنطينية في القرن الثاني عشر. وإن خمسة أديرة اليوم تدّعي أن عندها أقساما من جمجمته بينها أديرة الضابط الكل وسترونيكيتا واللافرا الكبيرة وكزينوفونتوس في جبل آثوس . وهناك قسم من رفاته في جنوى الإيطالية.
من جهة أخرى ورد عند بعض آباء الكنيسة أن شاول الذي كان راضيا بقتل استفانوس وحارسا لألبسة الشهود عليه قد اهتدى وآمن بالرب يسوع بقوة الصلاة التي رفعها الشهيد من أجل قاتليه. أحدهم قال:” لو لم يرفع استفانوس الصلاة، ما كانت الكنيسة حظيت ببولس”
القدّيس ثيودوروس الموسوم المعترف
هو شقيق القدّيس ثيوفانيس المرنّم المعيّد له في 11 تشرين الأول.
ولد في أورشليم سنة 775م ونال نصيبًا من العلوم الدنيويّة لا يستهان به. كان حاد الذكاء، انضم وأخيه ثيوفانيس إلى دير القدّيس سابا حيث فاق العديد من الرهبان في جهاد الفضيلة. سيم كاهنًا وهو في السادسة والثلاثين، فحمل لواء الدفاع عن الإيمان القويم ومؤازرة الكنيسة في أورشليم لدى رومية والقسطنطينيّة.
دافع عن إكرام الإيقونات المقدّسة أيام الأمبراطور لاون الخامس الأرمني فسُجِن في أحد حصون البوسفور ثم أطلق سراحه إثر موت لاون. عاد الأمبراطور ثيوفيلوس فقبض عليه بعدما تابع الحملة على الإيقونات.
تعرّض ثيودوروس للضرب والإهانة والسجن سنتين وقف بعدهما، أمام ثيوفياوس، ودافع عن الإيقونات المقدّسة بالبراهين الكتابيّة. إذ لم يتمكّن ثيوفيلوس من محاججته، أسلمه إلى الجلاّدين فجلدوه بلا هوادة وخطّوا على جبينه بالحديد المحمّى السبب الذي أُدِين من أجله. نفي وأخيه إلى ضواحي القسطنطينيّة ثم رُحِّل إلى بيثينيا إلى أن رقد في الربّ.
نُقِلت رفاته بعد عودة السلام إلى الكنيسة فأُودعت خلقيدونيا حيث نشأ دير على اسمه. بعض رفاته موجود في كنية القدّيسة كاترينا في تسالونيكي.
الطروبارية
+ ميلادك أيّها المسيح إلهنا قد أطلع نور المعرفة في العالم، لأنّ الساجدين للكواكب، به تعلّموا من الكوكب السجود لك يا شمس العدل، وأنّ يعرفوا أنّك من مشارق العلو أتيت، يا ربّ المجد لك
+ إن هامتك تكلّلت بإكليل ملوكيّ بواسطة الجهادات التي احتملتها من أجل المسيح الإله يا أول المجاهدين في الشهداء لأنك وبخّت حماقة اليهود فأبصرت مخلصك عن يمين الآب فإليه ابتهل على الدوام من أجل نفوسنا.
القدّيس البار نيقوديموس تيسمانا
كان القدّيس نيقوديموس أول من أدخل الرهبانيّة الهدوئيّة إلى الأرض الرومانيّة. ولد في صربيا في العام 1320م. ترهّب في دير خيلاندار الصربيّ في جبل آثوس، بعدما أنهى دروسه الثانوية. انصرف إلى النسك، إلتماسًا للهدوء وصلاة القلب. هاجمته الشياطين بعنف فقاومها ببسالة، حظي بنعمة اللاهوى والبصيرة الحسنة. أتاه الرهبان من مواضع مختلفة يطلبون نصائحه، صار رئيس دير الخيلاندار. اجتمع إليه عدد كبير من الرهبان، في عمر الرابعة والأربعين انتقل إلى جنوبي نهر الدانوب حيث اجتمع إليه نسّاك وأسّس بمساعدة أحد الأمراء ديرًا وكنيسة على اسم القدّيس انطونيوس الكبير. وأصبح هذا الدير مركزًا روحيًّا اهتمّ بنشر أعداد وافرة من المخطوطات الليتورجيّة واللاهوتيّة في بلاد البلقان، كما نشر ممارسة صلاة القلب. ولما شاخ سلّم إدارة الدير إلى أحد تلاميذه ونسك في مغارة، كان يعود إلى الدير كلّ أحد ليشترك في القداس الإلهيّ ويشفي المرضى. رقد بسلام في العام 1406م، ويعتبر دير تيسمانا الذي أنشأه مهد الرهبنة في رومانيا.
القدّيس الشهيد الجديد قسطنطين الروسيّ
كان القدّيس قسطنطين ملحقًا بالسفارة الروسيّة في القسطنطينيّة لمّا اندلعت الحرب بين روسيا وتركيا.
لم يشأ العودة إلى بلاده كسائر مواطنيه بل وجّه طرفه نحو الجبل المقدّس في آثوس حيث نزل دير اللافرا الكبير.
عاد إلى القسطنطينيّة بعد عودة السلام. حصل خلاف بينه وبين السفير الروسيّ الجديد، دُعِي إلى حضرة السلطان زكمر بإيمانه واقتبل الإسلام، وعاد إلى نفسه بعد أيام. استفاق كما من سُكْرٍ، خلع لباسه التركي ولبس ثوبه الكهنوتيّ من جديد. وقف ثانية أمام السلطان واعترف بالمسيح إلهًا. جرى على الفور توقيفه وإعدامه أمام القصر السلطانيّ.
تذكار جامع لوالدة الإله
هو أقدم الأعياد المعروفة لوالدة الإله، وهو من القرن الخامس الميلادي. تقيمه الكنيسة المقدّسة في اليوم التالي لعيد ميلاد الرب يسوع لأن مريم البتول كانت الأداة التي بها تمّم الله قصده. فمنها اتخذ كلمة الله جسدا ومنها ولد. وقد احتدم الجدل في الكنيسة، قديما، حول دور مريم الحقيقي في إنجاب الطفل الإلهي، فقال نسطوريوس، بطريرك القسطنطينية، وأتباعه بأن مريم أنجبت إنسانا ولم تلد إلها لذلك أبوا أن يسمّوها والدة الإله واكتفوا بتسميتها “والدة يسوع” او ما يعادل ذلك من تسميات. أما الكنيسة المقدّسة فلم تقبل لمريم البتول تسمية أقل من “والدة الإله”. والسبب كان أن الطفل المولود منها هو إياه ابن الله الأزلي. لم تلد مريم جسدا بل شخصا.ولم تلد شخصا آخر غير شخص ابن الله وكلمته الأزلية. فلو فصلنا بين ما هو ليسوع أو للمسيح وما هو لله لفرّطنا بالتجسد الإلهي وطعنا بوحدة ابن الله المتجسّد. كل ما هو من طبيعتنا البشرية صار له، صار لشخصه. لذلك بات بإمكاننا، بصورة تلقائية، ان نقول ان مريم هي والدة الإله. ابن الله هو إياه المولود من الآب منذ الأزل والمولود من مريم البتول بالجسد في زمان.
ذكرى الهروب إلى مصر ….وشاء هيرودوس الملك أن يفتك بالطفل يسوع فظهر ملاك الرب ليوسف في الحلم وأمره أن يأخذ الطفل وامه ويهرب إلى مصر ويبقى فيها حتى يقول له. فقام يوسف وانصرف إلى مصر كما أمره الرب وبقي فيها إلى وفاة هيرودوس. إذ ذاك عاد إلى بلاده فتّم ما قيل بهوشع النبي القائل “من مصر دعوت ابني ” (هوشع 11 :1).
بقي يسوع في مصر ما بين سنة وخمس سنوات على حسب تقدير الدارسين. لقد ماثل الرب الإله الناس تماما ، فقد تعرّض يوسف ومريم والطفل يسوع في هروبهم إلى مصر إلى ما يتعرّض له كل إنسان، لأنه صار إنسانا بكل معنى الكلمة. وبكلمات القدّيس يوحنا الذهبي الفم “لو أنه منذ طفولته المبكّرة اظهر عجائب لما حسب إنسانا”. لهذا السبب لم تقبل الكنيسة ما ورد في الكتب المنحولة، المسماة ابوكريفية، عن عجائب وغرائب أتاها الرب يسوع وهو طفل.ان قوة الله وعنايته تظهران، والحال هذه، في الضعف البشري. لقد أخلى الله نفسه وأخذ صورة عبد وصار على مثال الناس، على حد تعبير القدّيس بولس الرسول (فيليبي 2 :7).
لم يواجه الرب الإله الشرّ بالشرّ ولا ألغى ضيقات الناس بل اتخذها، اي جعلها سبيلا إليه.مثل ما هذا ما ذكره الرسول بولس عن الآلام والأخطار التي عبر بها لأجل البشارة :” … تثقلنا جدا فوق الطاقة حتى يئسنا من الحياة أيضا. لكن كان لنا في أنفسنا حكم الموت لكي لا نكون متّكلين على أنفسنا بل على الله الذي يقيم الأموات” (2 كورنثوس 1 :8 -9). هذه هي حال المؤمنين بالمسيح في كل جيل .
ثم أن خروج الرب يسوع المسيح طفلا إلى أرض مصر باركها وزرع الروح فيها وزعزع أصنامها. ها هي الأرض التي عانقها الرب الإله بجسده وروحه تتحوّل فردوسا، لا سيما براريها، لتصير موطنا للرهبان أشباه الملائكة. وها هو الذهبي الفم يدعو المؤمنين إلى مصر الرهبنة والشهداء قائلا :” هلمّوا إلى برّية مصر لتروها أفضل من كل فردوس ! ربوات من الطغمات الملائكية في كل شكل بشري، وشعوب من الشهداء، وجماعات من البتوليّين … لقد تهدّم طغيان الشيطان، وأشرف ملكوت المسيح ببهائه “.
الطروبارية
+ ميلادك أيّها المسيح إلهنا قد أطلع نور المعرفة في العالم، لأنّ الساجدين للكواكب، به تعلّموا من الكوكب السجود لك يا شمس العدل، وأنّ يعرفوا أنّك من مشارق العلو أتيت، يا ربّ المجد لك
+ يا يوسف بشِّر داوود جدَّ الإله بالعجائب الباهرة. لأنك قد رأيت بتولاً حاملاً فمع الرعاة مجَّدت، ومع المجوس سجدت، وبالملاك أوحي إليك. فابتهل إلى المسيح الإله أن يُخلِّص نفوسنا.
متى الإنجيلي جعل ولادة الرب يسوع في أيام هيرودوس الملك المعروف ب”الكبير”. ولكن تبيّن، فيما بعد، أن هيرودس رقد قبل ذلك بأربع سنوات، أي في السنة 749 لتأسيس روما، فتكون وفاة هيرودوس قد حدثت، وفق تقويم ديونيسيوس الميلادي، في 4 ق.م. أما ولادة الرب يسوع فليس تاريخها معروفا بصورة محدّدة دقيقة. ويوقعه الدارسون ما بين السنة التاسعة والسنة الرابعة قبل الميلاد.
أما لوقا الإنجيلي فجعل ولادة الرب يسوع بعد ولادة يوحنا بن زكريا بما يقرب من الأشهر الستة. فقد ربط ولادة الرب يسوع بحدث تاريخي من زمن أوغسطوس قيصر (29 ق.م – 14 ب.م) هو إحصاء السكان في “كل المسكونة”، على حد تعبير لوقا، أي في كل الأمبراطورية الرومانية، لأغراض ضريبة أولا.
كانت ولادة الرب يسوع في بيت لحم الواقعة في اليهودية تمييزا لها عن بيت لحم الواقعة في زبوّلون. تبعد عن أورشليم حوالي ثمانية كيلومترات لجهة الجنوب. لوقا يدعوها” مدينة داود” لأن داود كان منها (راعوث 1 :2 ،19؛ 4 :11 ) وفيها اقتبل المسحة الملوكية بيد صموئيل النبي(1 صموئيل 16).
كذلك بقرب بيت لحم راحيل قديما ودفنت ونصب عمود على قبرها (تكوين 35 :19-20 ). وعن بيت لحم كتب ميخا النبي يقول: “أما أنت يابيت لحم، أفراتة، وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا، فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطا على إسرائيل ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل” (ميخا 5 :2).
ليس الموضع الذي ولد فيه الطفل يسوع، في بيت لحم، محددا. متى الإنجيلي يكتفي بذكر بيت لحم بعامة، فيما يذكر الإنجيلي لوقا أنه لما ولدت مريم ابنها البكر قمّطته وأضجعته في المذود “إذ لم يكن لهما موضع في المنزل”(2 :7). المكان، إذا، مزرب للحيوانات. ولكن، هل كان مزربا تابعا لأحد الخانات أم لأحد المنازل في القرية، وأي منزل يكون؟ ليس واضحا. تجدر الإشارة إلى أن أول من ذكر أن الولادة كانت في مغارة في بيت لحم كان القديس يوسينوس الشهيد (القرن 2 م).
ثم أنتقلا إلى الناصرة، إثر حلم، بعد ولادة الرب يسوع، خوفا من أرخيلاوس ابن هيرودوس الذي كان على اليهودية وكان بطاشا (متى2 :22 -23).
ولد الرب يسوع من مريم البتول بعدما حبل به فيها من الروح القدس (متى 1 :20؛ لوقا 1: 35) من غير أن تعرف رجلا. مريم كانت عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف(لوقا 1 :27). هو دعي رجلها (متى 19:1) وهي دعيت امرأته (متى 1: 20) لأن الخطوبة، في الشريعة الموسوية، عقد زواج ملزم . ترددّ يوسف، أول أمره، لما عرف ان مريم حبلى. خطر بباله ان يطلقّها. وإذ كان بارا ولم يشأ ان يعرّضها للفضيحة وللموت رجما همّ ان يفعل ذلك سرا. هنا تدخّل ملاك الرب وكشف له حقيقة أمر مريم ودعاه لأن يأخذها إلى خاصته غير مرتاب، وأن يعطي الأبن الموعود اسم يسوع. تجدر الإشارة إلى أن الأبن الشرعي عند اليهود كان يحسب من نسب أبيه بغضّ النظر عما إذا كان من صلبه أم لا. لهذا السبب جاز القول عن يسوع أنه ابن يوسف (متى 13 :55؛ لوقا 4 :22)- مع أنه دعي أحيانا”ابن مريم” (مرقص 6 :2)- وتاليا أنه ابن داود ولو لم يكن هناك ما يؤكد، في النصوص الكتابية،ان مريم أمّه كانت هي أيضا من”بيت داود وعشيرته”.
هذا وأن الهمّ الأول لمتى الرسول في روايته كان التأكيد أن هذا هو المسيح المخلّص الموعود به لإبراهيم وداود . لذا افتتح إنجيله بهذا القول: “كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود إبن إبراهيم” ثم فصّل. كذلك حرص على تبيان ان من تحدثّت عنه الكتب المقدّسة هو إياه الرب يسوع.
أما لوقا الرسول فكان له في إنجيله أفق مختلف. همّه كان بالأحرى التأكيد أن ولادة الرب يسوع كانت حدثا تاريخيا وانها تمتّ إلى آدم وبالتالي إلى كل شعوب الأرض، إذا، لكل المسكونة، يهودا وأمميّين.
الإحتفال بالميلاد
اولى علائم الإحتفال بعيد ميلاد الرب يسوع له المجد بدت في مصر قرابة العام 200 م. ثم تحدّد أن يكون السادس من كانون الثاني، في مصر، عيدا لميلاد الرب يسوع وظهوره. ولكن بدا من خلال مواعظ للقدّيس غريغوريوس النيصصي ان المؤمنين في بلاد الكبّادوك كانوا يحتفلون بالعيد نفسه ولكن في 25 كانون الأول. أما في أورشليم فتجاهلت الكنيسة عيد الميلاد حتى القرن السادس م، فيما يبدو أن القدّيس يوحنا الذهبي الفم أدخله إلى أنطاكية في حدود العام 386 م، وإلى القسطنطينية ما بين العامين 398 و402 م. أما في روما(رومية) فقد أخذت الكنيسة تحتفل بميلاد السيد منذ العام 354 م. ويغلب الظن ان ذلك مرتبط بقصد الكنيسة في إفراغ الأعياد الوثنية من مضمونها الوثني وصرف أنظار المهتدين الجدد عن الأوثان، التي كانوا يعبدونها، إلى المسيح وكذلك تنقية الأعياد والممارسات، التي سبق لهم أن اتبّعوها، مما لا يتفّق والإيمان الجديد. تغيير وجهة هذه الأعياد و تحويلها أكثر واقعية. من ذلك مثلا عيد مولد الشمس التي لا تقهر. هذا كان يحتفل به عند الوثنييّن يوم 25 كانون الأول بالذات. القدّيس كبريانوس القرطاجي( القرن 3م) يذكر ان الأحتفال بميلاد الشمس التي لا تقهر إنما يجد كماله في الأحتفال بميلاد الرب يسوع الذي هو وحده شمس البر التي لا تقهر.
لاهوت الميلاد
في الميلاد نحتفل بالتجسّد الإلهي، أن أبن الله الوحيد صار إنسانا. عندما نقول ابن الله الوحيد نقصد من ورد الكلام عنه بشيء من التفصيل في دستور الإيمان حيث جاء: “أؤمن…وبرب واحد يسوع المسيح. ابن الله الوحيد. المولود من الآب قبل كل الدهور. نور من نور. إله حق من إله حق. مولود غير مخلوق…” كل ما هو بشري فينا اشترك هو فيه. ليست هناك وضعية أو إمكانية بشرية واحدة إلا ولها أصول طبيعية، اشترك الرب يسوع المسيح فيها. شيء واحد لم يشترك الرب يسوع معنا فيه: الخطيئة. ابن الله المتجسّد منزّه عن الخطيئة. اتخذ طبيعتنا ولم يعرف خطيئتنا أي لم يختبرها. ليست الخطيئة من طبيعة الإنسان بل من عمل إرادته. الله خلقنا أصحاب إرادة نريد أو لا نريد. نقبل أو نرفض. فكانت لنا من ذلك رفعة عظيمة لأن الله جعلنا نظيره، على صورته كما تقول كتبنا. أعطانا أن نختار بين ان نكون معه وان نكون من دونه. الأختيار هنا مرتبط بالمحبة. لا إكراه في المحبة. فإذا ما أحببناه اتحدنا به، نحن فيه وهو فينا. صرنا مثله. وإذا لم نحببه انقطعنا عنه. هذا الانقطاع عن الله نسميه خطيئة. من التصق بالله لم يعرف خطيئة لذا قيل :” كل من ولد من الله لا يخطىء”(1 يوحنا 5: 18). ثم الخطيئة تلوّث الطبيعة البشرية، تضعفها، تستعبدها، تذلهّا، تميل بها إلى اتجاهات ليست مطبوعة عليها في الأساس. الخطيئة الأولى كانت بآدم وحواء. كل إنسان، مذ ذاك، احتضن، رغما عنه، طبيعة بشرية معيوبة ومعطوبة. هذا العيب الذي انطوى، في الحقيقة، على آثار الخطيئة والميل التلقائي إليها، ورثناه عن الذين سبقونا. وحده الرب يسوع كان خاليا من هذا العيب .والسبب أنه الوحيد الذي لم يولد من زرع بشري . لذا قلنا إن الرب يسوع كان من دون خطيئة. وقد وضعته أمّه من دون ألم لأنها حبلت به من دون هوى (القدّيس غريغوريوس بالاماس).
لماذا فعل الله ما فعله؟ لأنه محبة. والمحبة تفترض أن يشترك الحبيب في ما لحبيبه . لهذا اتخذ ابن الله الوحيد جسدنا واشترك في شقائنا وعانى من خطايانا. لهذا لما دخل الرب يسوع مجمع الناصرة، في مستهل بشارته، قرأ من سفر إشعياء النبي هذه الكلمات: ” روح الرب عليّ لأنه مسحني لأبشر المساكين. أرسلني لأشفي المنكسري القلوب لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر وأرسل المنسحقين في الحريّة وأكرز بسنة الرب المقبولة”(لوقا 4 :18 -19). والرب يسوع مات لإجل الجميع “كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم بل للذي مات لأجلهم وقام” (2 كورنثوس 5 :15). وإذا كان الرب قد اتخذ ما لنا فقد أعطانا أيضا ما له، أعطانا روحه، أعطانا جسده، هو لنا بمثابة آدم الجديدز كل ما حقّقه الرب يسوع في جسده: الغلبة على الموت، الغلبة على اللخطيئة، الغلبة على الشريّر … كل هذا مدّه إلينا، بات لنا إذا ما نحن آمنا به واعتمدنا باسمه، إذا ما أضحى هو حياتنا ورجاءنا. إذا ما أسلمنا أنفسنا إليه بالمحبة، إذا ما عشنا من أجله. هذا هو مضمون الإيمان الحي الخلاصي بالمسيح. والخلاص هو في اقتناء روح الرب، أن تكون حياته فينا. ان تكون محبّته فينا، ان نعاينه كما هو. “أيها الأحباء الآن نحن أولاد الله ولم يظهر بعد ماذا سنكون. ولكن نعلم أنه إذا أظهر نكون مثله لأننا سنراه كما هو” (1 يوحنا 3 :2). الخليقة الجديدة، الخليقة بآدم الجديد، أعظم من الخليقة العتيقة بآدم الأول. وفي تدبير الله ان الخليقة الأولى كانت من أجل الثانية. هذا تسميه كتبنا وآباؤنا تأليها. “نحن ذرّية الله” (أعمال 17 : 29). “شركاء الطبيعة الإلهية” (2 بطرس 1 :4). القول المزموري: “أنا قلت إنكم آلهة وأبناء العليّ أجمعون(مزمور 81 :6) حسبه الأقدمون مجازيا. أما وقد تجسّد ابن الله الوحيد وأعطانا ان نصير، بالإيمان به، أبناء للعليّ (يوحنا 1 :12 -13).
الطروبارية
+ ميلادك أيّها المسيح إلهنا قد أطلع نور المعرفة في العالم، لأنّ الساجدين للكواكب، به تعلّموا من الكوكب السجود لك يا شمس العدل، وأنّ يعرفوا أنّك من مشارق العلو أتيت، يا ربّ المجد لك
البارة في الشهيدات أفجانيا الرومية ورفقتها
ولدت أفجانيا، التي يعني اسمها “الشريفة النسب”، لعائلة رومية عريقة. نشأت وثنية، اسم أمّها كلوديا وأسم أبيها فيليبس وهو صاحب فضائل طبيعية ولم تفسده الوثنية. سمي واليا لمدينة الإسكندرية، في أول شبابها، وهناك سلمه فيليبس ابنته إلى خيرة المعلّمين. وبطريقة ما لا نعرفها أطّلعت على رسائل القدّيس بولس فتأثرت بها واهتدت إلى المسيح من خلالها وذووها لا يعلمون. وكان أبوها قد جعل لها رجلين خصيّين، اسم الواحد بروتس واسم الآخر ياكنثوس، ليقوما بخدمتها. هذان تأثرا بالمسيحية نظيرها. فلما أحتدّت الروح في أفجانيا وخادميها غادروا بيت فيليبس سرا، وقيل تعرّفوا إلى أسقف قدّيس اسمه ألينوس، ثم اقتبلوا المعمودية عن يده. مذ ذاك قرّرت أفجانيا أن تكون عذراء للمسيح.
ويظهر أن أفجانيا ومن معها عاشوا في الخفية مدة من الزمن. كما ذكر أن البارة تزيّت بزي الرجال واتخذت أفجانيوس إسما لها. وثمة رواية تناقلتها الأجيال عنها أن امرأة اسكندرانية اسمها ميلانثيا، معروفة في قومها، أعجبها أفجانيوس للطافته ودماثته وطيبته فحاولت استمالته إليها فصدّها فشعرت بالمهانة وادّعت عليه بأنه رغب فيها وحاول إذلالها. وإذ كان فيليبس من قدّمت الدعوى لديه، فإنه أمر بجلب المدعّى عليه، فجاءت أفجانيا وجاء معها مرافقاها بروتس وياكنثوس. هنا يبدو أن الحقيقة انكشفت والتأم شمل عائلة فيليبس من جديد.
ثم أن فيليبس وبقية أفراد عائلته آمنوا بالمسيح واعتمدوا، وقيل صار فيليبس أسقفا واغتيل بسبب تخليّه عن الوثنية واقتباله الإيمان الجديد. إثر ذلك عادت العائلة إلى رومية.
في رومية عاشت العائلة في سلام لبعض الوقت، وقد اهتمت كلوديا، زوجة فيليبس، ببذل مالها للمرضى والغرباء. أما أفجانيا فاستقطبت عددا من الفتيات النبيلات وبشرّتهن بالمسيح وبثّت فيهن محبة الفضيلة، لا سيما سيرة العذرية.
هذا ويذكر التراث إسم واحدة من العذارى اللواتي التصقن بأفجانيا، المدعوّة فاسيلا أو فاسيليا. هذه كانت أسيرة ذويها لأن العادة بين بعض القدامى كانت ألا تغادر الفتاة بيت ذويها إلا إلى بيت زوجها. لكن فاسيلا التي وصلتها أخبار أفجانيا واشتاقت إلى الأتصال بها تمكّنت من توجيه رسالة إليها، فكانت رسالتها فاتحة علاقة ما لبثت أن توثّقت وأدّت إلى هداية فاسيلا واقتبالها المعمودية ومن ثمّ حياة العذرية. وقد ذكر أن فاسيلا تمكّنت، بدورها، من كسب عمّها والوصي عليها، إلينوس، إلى المسيح. ولكن وصل خبرها إلى بومبيوس الأمير الذي كان موعودا بها فاشتكى عليها أنها تتنكّر للآلهة وتحتضن أفكارا سامّة تدعو إلى الإمتناع عن الزواج. وقد حظيت فاسيلا، نتيجة ذلك، بإكليل الإستشهاد بعدما جرى قطع رأسها. ثم أنه جرى القبض على بروتس وياكنثوس الخصيّين واستيقا إلى معبد الإله زفس حيث حاول العسكر إجبارهما على تقديم الذبيحة للإله. ولما رفضا الإنصياع عمد الجلاّدون إلى قطع هامتيهما.
أخيرا أوقفت أفجانيا للمحاكمة فاعترفت بالمسيح ربا وإلها أوحد. ولما أخذت إلى هيكل أرتاميس لتقدمّ لها فروض العبادة قسرا، تحت طائلة الموت،تمسّكت بأمانتها ولم تتزحزح. إذ ذاك طرحت في نهر التيبر فنجت، بنعمة الله، فأمسكوها من جديد وألقوها في السجن حيث بقيت إلى أن جرى قطع رأسها. كان اليوم الخامس والعشرين من شهر كانون الأول.
البار أنطيوخوس الغلاطيّ
عاش في زمن الأمبراطور البيزنطيّ هرقل، كان من غلاطية، ترهّب في دير القدّيس سابا في فلسطين، ذاع صيته لفضيلته وقداسة سيرته. شهد سقوط أورشليم في أيدي الفرس سنة 614م وكتب عن الخراب الذي حلّ بالمدينة وانتقال الصليب المحيي إلى بلاد الفرس. بكى عليها وعلى قتلاها.
بناءً على طلب مواطنه أفسطاتيوس، رئيس دير أتالين في أنقرة الغلاطية، وضع مؤلفًا بعنوان “الجامع في الكتاب المقدّس” لفائدة الرهبان الغلاطيين الذين أخرجهم الفرس من أديرتهم وباتت الكتب تنقصهم. وهو عبارة عن مائة وثلاثين فصلاً تضمّنت تعليم الكتاب المقدّس وحكمة آباء الكنيسة مما إكتسبه أنطوخيوس من مطالعاته وخبرته. وقد لُقّب صاحبه ڊ “البنديكتي” نسبة إليه. وللقدّيس صلوات وأقوال نسكيّة نافعة. من الصلوات المنسوبة إليه الصلاة المعروفة: “وأعطنا أيّها السيد إذ نحن منطلقون إلى النوم راحة النفس والجسد……”. وله أقوال منثورة هنا وهناك في مختارات أفرجنتينوس التي اتخذت بالعربية اسم “كيف نحيا مع الله”.
البار نيقولاوس الجندي
كان القدّيس نيقولاوس جنديًّا في الجيش البيزنطي في أيّام الأمبراطور نقفر الأول، المرجّح أنّه كان من أصل سلافي من بلاد البلقان. ولعله كان قائدًا لأحد الفيالق التي خرجت لمحاربة البلغار. في طريقه إلى المعركة نزل فندقًا ليبيت ليلته، تحرّشت به أبنة صاحب الفندق فصدّها وحصل هذا مرّات عديدة وفي كلّ مرّة كان يصدّها لأنّه كان رجلاً يخاف الله وزادته رهبة الخروج إلى الحرب تمسّكًا بالأمانة وإصرارًا عليها. بعد معركة قويّة حصلت بين الجيشين البيزنطي والبلغاري وإنتصار البلغار في الحرب ترك الجندية والتحق بدير وبقي فيه حتّى آخر حياته.
الطروبارية
+ في ذلك الوقت كُتبتْ مريم مع يوسف الشيخ في بيت لحم، بما أنهما من زرع داوود، وكانت حاملةً الحمل الذي من غير زرعٍ. فلمّا حان وقت الولادة ولم يكن لهما مكان في القرية، ظهرت المغارة للملكة كبلاط مُطرِب، المسيح يولدُ منهضاً الصورة الّتي سقطت منذ القديم.
القدّيس بولس
كان القدّيس بولس أسقفًا على قيصرية الجديدة في زمن الأمبراطور ليسينيوس الذي اضطهد المسيحيّين، سمع ببولس بعدما ذاع صيت فضيلته وحكمته الرعائيّة. استدعاه إلى نيقوميذية حيث حاول إرهابه فلم يرهب، جلده فلم يتاثّر كلّ الحاضرين اندهشوا للمشهد، نفي إلى حصن على شاطىء نهر الفرات. في العام 313 عاد إلى دياره. لمع نجمه من جديد وشارك في المجمع المسكوني الأول المنعقد في العام 325م، في نيقية. بعد المجمع المسكوني الأول عاد بولس إلى مقرّه واستمرّ لامعًا مفضالاً بضع سنوات حتّى رقد بالربّ بسلام.
القدّيسين الشّهداء العشرة المستشهدين في اقريطش (كريت)
هؤلاء كانوا من مدن وقرى في كريت مختلفة وقد جاهدوا جميعاً على عهد داكيوس سنة 250 أما أسماؤهم فهي هذه ثاودولس (عبد الله) سترنينس افبورس جلاسيوس افيكيانوس زتيكوس أغثوبوس باسيليدس ايفاريستس وبومبيوس.
الطروبارية
+ استعدي يا بيت لحم، فقد فُتِحَتْ عدن للجميع، تهيّأي يا إفراثا، لأن عود الحياة قد أزهر في المغارة من البتول، لأن بطنها قد ظهر فردوساً عقلياً، فيه الغرس الإلهي، الذي إذ نأكل منهُ نحيا ولا نموت مثل آدم، المسيح يولدُ مُنهضاً الصورة التي سقطت منذ القديم.
+ لنكرِّمنَّ إقريطش ذات العجب العظيم، التي أزهرت الأزهار المكرَّمة، الجواهر التي للمسيح، وزعماء الشهداءِ، لأن المغبوطين وهم عشرة في العدد، قد أخْزَوا قوَّة ربوات الشيطان، فلذلك نالوا الأكاليل بما أنهم شهداءٌ ثابتو العزم للمسيح.
المعظمة في الشهيدات أنسطاسيا
اسمها يعني القيامة. لا نعرف تماما متى تمّت شهادتها. قيل في زمن الأمبراطورين داكيوس وفاليريانوس (بين العامين 250 و259 م) وقيل في زمن الأمبراطور ذيوكليسيانوس (284 -305 م). انتسبت إلى عائلة من الأثرياء. كان أبوها وثنيا وأمها مسيحية. زفّها أبوها عنوة إلى أحد الوثنيين. ومع أن زوجها كان رجلا متهتكا فقد نجحت في الحفاظ على عفتها إلى حين وفاته بادّعاء المرض. فضيلة العفّة أخذتها، خصوصا، عن معلم مسيحي اسمه خريسوغونوس تسنّى لها، بنعمة الله، أن تتعرّف إليه. انصب أهتمامها على رعاية المساكين وزيارة المساجين المسيحيين والعناية بهم وتشديدهم وتأمين حاجاتهم. افتضح أمرها بعد حين وجرى القبض عليها. وقد ذكر أنها تركت، في عرض البحر، في مركب مثقوب، هي وما يزيد على المائة من المساجين الوثنيين المحكومين بجرائم شائنة، لكنها نجت بقدرة الله واقتبل المساجين إيمانها بالرب يسوع. كما ذكر ان جنود الوالي عادوا فقبضوا عليها من جديد وأنهم فتكوا بها بإلقائها في النار.
هذا وقد استقرت رفات القدّيسة أنسطاسيا في كنيسة حملت اسمها في القسطنطينية حيث أجرى الرب الإله بواسطتها عجائب جمّة. ولعل لقبها “المنقذة من السم” أو “المنقذة من السحر”، والبعض يقول “المنقذة من القيود” مردّه بعض العجائب المنسوبة إليها. ويبدو أن رفاتها موزّعة اليوم على عدد من الأمكنة في اليونان وأسطنبول بينها دير القدّيسة أنسطاسيا المنقذة من السم في فاسيليدا في تسالونيكي حيث توجد جمجمتها ودير القدّيس يوحنا اللاهوتي في سيتيا في جزيرة كريت حيث توجد يدها وكنيسة القدّيس جاورجيوس في ساماتايا (اسطنبول) حيث توجد ركبتها.
من جهة اخرى، يبدو أنه رغم ما قيل عن القدّيسة أنسطاسيا أنها كانت رومية فإن أسمها ارتبط ببلدة في شمالي البلقان تدعى سيرميوم. هناك يبدو أنها استشهدت. وقد ورد ذكرها في التقويم الفلسطيني الجيورجي (القرن 10 م)في 22 تشرين الأول. في هذا التاريخ بالذات، يبدو أن كنيستنا الأنطاكية كانت تعيّد لها في الماضي. ويبدي بعض الدارسين أن القدّيسة أنسطاسيا استشهدت في المكان المعروف في يوغوسلافيا باسم Sremska Mitrovica . هذا وقد جرى نقل رفاتها إلى القسطنطينية (458 -471 م) والأمبراطور لاون الأول (457 -474 م) حيث جرى بناءكنيسة فخمة على اسمها بهمّة القدّيس مرقيانوس (10 كانون الأول) الذي كان كاهنا ومدبرا للكنيسة العظمى في المدينة
الشهيدة ثيودوتي وأولادها الثلاثة
كانت القدّيسة ثيودوتي أرملة تقيّة. اهتمّت نظير القدّيسة أنسطاسيا بالمساجين المعترفين بالربّ يسوع، وقد التقتها. قضت هي وأثنان من أولادها في النار فيما قضي أبنها الأكبر جلدًا.
القدّيس الشهيد خريسوغونوس
هو الذي علّم القدّيسة أنسطاسيا حقائق الإيمان وكان لها بمثابة أب روحيّ.
حاول الأمبراطور استمالته إليه ووعده بكرامات زائدة إن هو تخلّى عن الإيمان بالربّ يسوع المسيح. فلم يوافقه فقطع الجلاّدون رأسه.
الطروبارية
+ استعدي يا بيت لحم، فقد فُتِحَتْ عدن للجميع، تهيّأي يا إفراثا، لأن عود الحياة قد أزهر في المغارة من البتول، لأن بطنها قد ظهر فردوساً عقلياً، فيه الغرس الإلهي، الذي إذ نأكل منهُ نحيا ولا نموت مثل آدم، المسيح يولدُ مُنهضاً الصورة التي سقطت منذ القديم.
+ نعجتك يا يسوع تصرخ نحوك بصوت عظيم قائلة: يا ختني إني أشتاق إليك وأجاهد طالبةً إياك، وأُصلَبُ وأُدفن معك بمعموديّتك، وأتألّم لأجلك حتّى أملك معك، وأموت عنك لكي أحيا بك. لكن كذبيحةٍ بلا عيبٍ تقبّل الّتي بشوقٍ قد ذُبحت لك. فبشفاعاتها أيّها المسيحُ الإلهُ خلّص نفوسنا
الشهيدة يولياني أميرة فيازما
كانت القدّيسة يولياني، أميرة فيازما، زوجة أمير روسي يدعى سمعان. وقع في حبّها رجل اسمه جاورجيوس، أميرًا على سمولنسك، ورغب فيها لنفسه. قام هذا الأخير على زوجها فقتله. زهدت يولياني في الحياة وانصرفت إلى حياة الصلاة والفضيلة والعفّة. عرض عليها جاورجيوس الزواج فصدّته. حاول استمالتها بكلّ الطرق الممكنة فخيّبته. تحوّل هيامه بها عنفًا، فضربها بالفأس فقتلها ثم رماها في النهر. أحصتها الكنيسة الروسيّة في عداد قدّيسيها.
القدّيس بروكوبيوس المتباله الذي من فياتكا
القدّيس بركوبيوس فلاّح ابن فلاّح، رغب إليه ذووه أن يتزوج فلم يشأ، إدّعى الجنون، وقضى نصف أيامه عار يطوف الشوارع دون مأوى، ينام حيث تيسّر له. كان يحفظ الصمت الكامل ولا يكلّم أحدًا إلا بالإشارة، فقط عندما كان يذهب إلى أبيه الروحيّ كان يتكلم بتعقّل. كلما كان الناس يعطيه ثوبًا كان يلبسه قليلاً ثم يتصدّق به على الفقراء. اعتاد أن يزور المرضى، فمن عرف بروحه أنّه سيُشفى كان يشعل له سريره ومن عرف أن الموت نصيبه كان يلفّه بالأغطية كما ليكفنّه. صدرت عنه أكثر من نبوءة بين المزح والجدّ. فقط لمّا كانت نبوءاته تتحقذق كان الناس يتساءلون وينحيّرون وبعضهم يوقّرون . أمضى ثلاثين سنة في التباله لأجل المسيح، رقد بسلام في الربّ سنة 1627 بعدما تنبأ بساعة موته.
الشهيدة يولياني ورفقتها
ولدت القدّيسة يولياني في مدينة نيقوميذية، المقر الشرقي للأمبراطور الروماني من أبوين وثنيّين شريفين، وقد تسنى لها، بنعمة الله، ان تلتقي مسيحيّين بشرّوها بكلمة الخلاص فاهتدت وآمنت ونذرت للمسيح يسوع بتوليتها. فلما قاربت سن الزواج خطبها والداها إلى أحد أعضاء المشيخة، المدعو ألفسيوس. هذا تعلّق بها وبات ينتظر زفافه منها، فقالت له إنها لا تقبل به زوجا قبل أن يصير واليا للمدينة ! أجتهد ألفسيوس بكل أوتي من إمكانات ليبلغ مأربه، بعد حين، أضحى والي المدينة بالفعل، وعاد إليها مطالبا بما وعدته به، فصارحته بأنه ما لم يتخل عن عبادة الأوثان ويقتبل إيمان المسيحيين، وصولا إلى الحياة الأبدية، فإنها لن تقبل به زوجا لها البتة. فصدمه قرار يولياني، فأخبر أباها بالأمر،وصدم أيضا والداها وحاولا ردّها عما أعتبراه غيّا، وعيل صبر والدها ، وحسب انضمامها للمسيحيين عارا له بين الناس، فسلّمها إلى أفسيوس الذي أضحى لها قاضيا وجلادا. ولكي ينتقم لكرامته الجريحة، أخضع يولياني للتعذيب. فعمد عمّاله إلى تعريتها وجلدها وتعليقها بشعرها حتى انسلخ جلد رأسها. ثم ألقوها في السجن مضرجة بدمائها. وقد ظهر لها الشيطان بهيئة ملاك الرب ونصحهابالخضوع لمعّذبيها والتضحية للأوثان والله مسامحها. وإذ كانت صلاة يولياني سلاحها فقد أنقضت لعينيها حيلة عدو البشر وتشدّدت هي بالأكثر لتخوض المزيد من المعارك ضد قوى الظلمة في الجولة التالية.
عاد إليها جلاّدوها بعد حين فأخرجوها من سجنها واقتادوها إلى أتون النار حيث استقر وعاء كبير يغلي بالرصاص كانوا مزمعين أن يلقوها فيه. ثبات فتاة الله لم تزعزع إزاء هذا التهديد الرهيب لأن محبة المسيح في قلبها تلظّت أكثر من النار الماثلة أمام عينيها. فلما أنزلها الحرّاس في القدر انشق من ذاته واندلق الرصاص منه فأتى على الجنود وأحرقهم. وقد ذكر أن عددا كبيرا من الوثنيين آمن لمرأى المسيح ونعمة الرب الإله عليها وفي التراث أن خمسمائة رجل ومائة وخمسين امرأة تأثروا بها وآمنوا لقوة إيمانها فلاقوا حتفهم غمرا من الشهداء للمسيح.
أخيرا قضى الوالي بقطع رأس أمة الله يولياني ونفّذ الجنود حكمه، فتكمّلت شهادة عروس المسيح وهي بعد في الثامنة عشرة من عمرها. كان ذلك في زمن الأمبراطور مكسيميانوس (286 – 305 م)، والبعض يقول في حدود العام 299 م.
الطروبارية
+ استعدي يا بيت لحم، فقد فُتِحَتْ عدن للجميع، تهيّأي يا إفراثا، لأن عود الحياة قد أزهر في المغارة من البتول، لأن بطنها قد ظهر فردوساً عقلياً، فيه الغرس الإلهي، الذي إذ نأكل منهُ نحيا ولا نموت مثل آدم، المسيح يولدُ مُنهضاً الصورة التي سقطت منذ القديم.
+ نعجتك يا يسوع تصرخ نحوك بصوت عظيم قائلة: يا ختني إني أشتاق إليك وأجاهد طالبةً إياك، وأُصلَبُ وأُدفن معك بمعموديّتك، وأتألّم لأجلك حتّى أملك معك، وأموت عنك لكي أحيا بك. لكن كذبيحةٍ بلا عيبٍ تقبّل الّتي بشوقٍ قد ذُبحت لك. فبشفاعاتها أيّها المسيحُ الإلهُ خلّص نفوسنا
القدّيس الجديد في الشهداء يوحنّا الخياط
أصل القدّيس يوحنّا من أحدى قرى جزيرة تاسوس. أرسله ذووه إلى القسطنطينية ليعمل لدى خيّاط مسيحي. كان عمره أربعة عشر عامًا. أرسله الخيّاط ليشتري بعض الأقشمة من عند تاجر يهودي، كان الوقت ظهرًا والمؤذّن يدعو المسلمين إلى الصلاة. دخل يوحنّا في جدال حام مع التاجر اليهودي بشأن ثمن البضاعة، فجأة نادى التاجر المسلمين متّهمًا يوحنّا بأنّه يسخر من صلاة المسلمين، فاهتاج المسلمون وهجموا على الفتى وانهالوا عليه ضربًا ثم جرّروه أمام القاضي، فألفاه حدثًا فاقترح عليه ان ينسى التهمة ويهر غسلامه فأبى وتمسّك، بصلابة بالإيمان بيسوع المسيح، فحكم عليه القاضي بقطع رأسه. حاول الجلاّدون إرهابه علّه يستسلم لكنّه بقي ثابتًا في موقفه فقتلوه.
القديس أغناطيوس الأنطاكي المتوشّح بالله
لقد سام القديس بطرس خلفاً له على كرسي أنطاكية القديس افوذيوس ولكن للأسف ليس لدينا ما يجعلنا نخوض في البحث بتاريخ أول خليفة للرسول بطرس ولكن هناك تقليد يقول أنه قد نال إكليل الشهادة في عهد نيرون.
القديس اغناطيوس الأنطاكي: (اغناطيوس ثيوفوروس”حامل الإله”)، لقد عاصر اغناطيوس افوذيوس وقد يكونا اشتركا في رئاسة كنيسة أنطاكية (المسيحيين من أصل يهودي، المسيحيين من أصل أممي) في وقت واحد، ومن ثم بعد استشهاد افوذيوس تابع رئاسة الكنيستين لوحده.
وهناك تقليد يقول أن الطفل الذي جاء في بشارة متى 18 هو القديس اغناطيوس، إلا أن الذهبي الفم لا يؤيد هذا التقليد ويؤكد أن اغناطيوس لم يرَ الرب. وعلماء الكنيسة يجعلون مولده في سنة 35 وأنه آمن في أنطاكية على أيدي الرسل والتلاميذ، وهو الذي اتخذ لنفسه لقب ثيوفوروس-حامل الإله-.
كنيسة أنطاكية والقديس اغناطيوس: في عهد اغناطيوس بدأت الإمبراطورية الرومانية تلاحق المسيحيين و تضطهدهم، إذ أخذ الإيمان المسيحي ينتشر في رومة نفسها وهذا كان للرومان بمثابة خيانة الدولة، فدين الآباء بالنسبة لهم، ميثاق لا يجب فسخه. وهناك عامل أخر حرض الرومان على اضطهاد المسيحيين وهو الشكاوي اليهودية، إذ جعلتهم ينتبهوا إلى سرعة انتشار البشارة المسيحية في الإمبراطورية. وبالنسبة للظروف الداخلية في عهد اغناطيوس لم تكن أفضل حالاً إذ كان الاختلاف بين المؤمنين من اليهود والأممين ما يزال قائماً.
سياسته الرعائية: لم يهتم القديس بشرح العقائد المسيحية (الثالوث الأقداس واتحاد الطبيعتين في المسيح)، بل جلّ اهتمامه كان في تعليم الإيمان المسيحي والحفاظ عليه نقي، وتوحيد صفوف أبناء كنيسته -أنطاكية-، وهو أول من استخدم لفظ الجامعة (الكاثوليكية) على الكنيسة واعتبرها مجمعية وليست رئاسية.
وأيضاً قد نظّم الكنيسة، ففي رسالته إلى أفسس، يبين الدرجات الكهنوتية، ويجعل الأسقف رأس الكنيسة المحلية إذ يقول عنه أنه المسيح وحيث يكون المسيح تكون الكنيسة، ومن ثم الشيوخ ويجعلهم قدوة للمؤمنين، كما الرسل قدوة للمؤمنين، من ثم الشمامسة واحترامهم كاحترام وصايا الله، ويجعل أي عمل مقدم للكنيسة بدون موافقة الأسقف هو عمل غير محبب فلا يجب التصرف بانفراد، ويجعل الذبيحة الإلهية سرّ يمارسه الأسقف فقط و من خوّله الأسقف.
الحكم على القديس: كان نيرون قد وضع قانون يعتبر كل من يدين بالمسيحية خارجاً على القانون. وقد ماشاه في ذلك كل من فيزبازيانوس وتيطس ودوميتيانوس. وفي سنة 99 وافق الأمبراطور تريانوس على قانون نيرون وأمر بتنفيذه، وأوضح القانون لبلينيوس حاكم بيثينية بأن كل من يُعلن عنه أنه مسيحي يعدم إلا في حال تراجع عن إيمانه. وكان من الذين استشهدوا اثر هذا القانون القديس اقليمس أسقف رومية الثالث بعد الرسول بطرس في سنة 100. وسمعان أسقف أروشليم في سنة 107. وقد يكون هذا القانون هو الذي أدى إلى استشهاد اغناطيوس ثيوفوروس.
جاء في التقليد لقد وجه الحاكم الروماني تهمة لاغناطيوس بأنه يخالف أوامره كشيطان، ويغر الناس على إهلاك نفوسهم (التبشير بالمسيح). فأجابه القديس أن ألهة الرومان هم الأبالسة ويخافون من أبناء الله وأنه لا يوجد إلا إله واحد. فقال له الحاكم ألعلك تقصد المسيح الذي علقه بيلاطس على الصليب؟ فأجابه القديس: يجب أن يُقال أن يسوع الذي علق الخطيئة وصانعها على الصليب فأعطى الذين يحملونه بقلوبهم سلطاناً لسحق الجحيم وقوته. فقال له الحاكم: أنت إذاً حامل يسوع في أحشائك؟ فقال اغناطيوس: لا ريب في ذلك لأنه قيل أحل بينهم وأسير معهم.
فما كان من الحاكم إلا أن يصدر أمره في السادس من كانون الثاني سنة 107 بتكبيل اغناطيوس وإرساله إلى رومة ليطرح للوحوش أمام الشعب. وهنا هتف القديس قائلاً: أشكرك يارب لأنك منحتني حباً كاملاً لك وشرفتني بالقيود التي شرفت بولس بها. ثم صلى لأجل الكنيسة واستودعها وسلم نفسه للشرطة.
رسائله: فانطلق مقيداً بالأغلال ومعه الشهيديّن روفوس وزورسيموس اللذين شملهما الحكم. وفي أثناء سفره من أنطاكية إلى رومة كتب سبعة رسائل إلى الكنائس التي مرَّ بها. التي كانت تشجع على تحمل المحن ومصائب الدهر. ووصلت لنا في ثلاث مجموعات: القصيرة والطويلة والمختصرة. والقصيرة هي الأصلية، وقد حفظت لنا مخطوطة يونانية (القرن الثاني) هذه الرسائل ولا تشمتمل على الرسالة إلى الرومانيين، وأقدم نص يحفظ لنا هذه الرسالة يعود للقرن العاشر. وفي القرن الرابع قام من عُني بها وحرفها فأضاف إليها وجعلها مجموعات تشمل ثلاثة عشر رسالة بدلاً من سبع. فجاء بها علاوةً على الرسائل إلى كنائس: أفسس ومغنيسية وترّلة ورومية وفيلدلفية وأزمير وبوليكاربوس رسائل إلى أنطاكية وطرسوس وفيلبي وهيرون ومريم الكبسولة ورسالة هذه الأخيرة إلى أغناطيوس.
وظلت هذه الرسائل موضوع جدل بين علماء الكتاب المقدس والإنجيليين. فقال البعض أنها مزورة، والبعض الآخر صحيحة. ثم جاء Lightfool و Haranck وZahn وFunk ووفّقوا باثبات صحتها بالأدلة الداخلية والخارجية وسكت جميع القائلين بتزويرها. وأصبحت هذه الرسائل من أفضل ما تبقى من آثار الآباء الأولين.
استشهاده: وصل القديس إلى عاصمة الإمبراطورية. وكان موعد أعياد الختام الرومانية. ونزل الرومانيون إلى مدرج فلافيانوس ليحتفلوا بانتصارات تريانوس ليشاهدوا المصارعة الدموية بين الأسر والمجرمين والوحوش الضارية. واستشهد رفيقا القديس في هذا المدرج في الثامن عشر من كانون الأول. وفي العشرين عُرّيَ القديس الحامل الإله من ثيابه وطرح إلى الوحوش فمزقت جسده الطاهر، والتهمته. وما تبقى من جسمه إلا العظام فجمعها المؤمنون وأرسلوها إلى أنطاكية. فدفنت خارج السور. وثم نقلت في أيام ثيودوسيوس الصغير إلى رفات الكنيسة التي كانت هيكل فورتونة في قلب أنطاكية وأطلق على الكنيسة اسمه تخليداً لذكره.
عيده: نُقل عن مؤمني رومة بعد أن شاهدوا الميتة المجيدة، أقاموا الليل كله يصلون للرب أن يشدد ضعفهم، فظهر لهم الشهيد بهيئة مجاهد خرج من القتال ظافراً فامتلأت قلوبهم فرح، وقام الأخوة في أنطاكية بتعيين يوم استشهاده عيداً تعيد له الكنيسة. ولا تزال الكنيسة الأرثوذكسية تعيد له بهذا اليوم. أما الكنيسة الكاثوليكية فقد نقلت العيد إلى الأول من شهر شباط. ربما لجمع يوم استشهاده مع يوم نقل رفاته.
الطروبارية
+ إستعدي يا بيت لحم، فقد فُتِحَتْ عدن للجميع، تهيّأي يا إفراثا، لأن عود الحياة قد أزهر في المغارة من البتول، لأن بطنها قد ظهر فردوساً عقلياً، فيه الغرس الإلهي، الذي إذ نأكل منهُ نحيا ولا نموت مثل آدم، المسيح يولدُ مُنهضاً الصورة التي سقطت منذ القديم.
+ صرت مشابهاً للرسل في أحوالهم وخليفةً في كراسيهم، فوجدت بالعمل المرقاة إلى الثاوريا، أيها اللاهج بالله. لذلك تتبّعت كلمة الحق باستقامة وجاهدت عن الإيمان حتّى الدم أيها الشهيد في الكهنة إغناطيوس، فتشفّع إلى المسيح الإله أن يخلّص نفوسنا.
+ لقد ذاعَ صيتُكَ مَعَ الرُّسُلِ إلى أقاصي المسكونة، وَمَعَ المُعترفينَ احتملتَ الآلامَ مِنْ أجلِ المسيح، فشابَهْتَ القدِّيسينَ الأبرارَ الكارِزينَ بالكلمة، وَمَعَ المُوَقَّرينَ أُنِرْتَ بالنِّعمةِ الإلهيَّة. لهذا كَشَفَ السيِّدُ عَنْ لُجَّةِ خُشُوعِكَ، رافِعًا إيَّاكَ أعلى مِنَ السَّماوات، وَمَنَحَنا اسمَكَ يَنْبُوعًا باهِرًا
الشهداء أريس وبروبس وإيليا
هؤلاء القدّيسون هم من مسيحيي مصر أرسلوا إلى كيليكيا لزيارة شهدائها وخدمتهم. قبض عليهم حرّاس أبواب مدينة قيصرية في فلسطين. شوّهت عيونهم وأرجلهم. أوقفوا أمام فرميليانوس الحاكم في عسقلان فاعترفوا بالمسيح. سُجِنوا وعُذّبوا وحُكِمَ عليهم بالموت. آريس مات حرقًا وبروبس وإيليا بحدّ السيف.
أبينا الجليل غريغنتيوس، أسقف أكسوم
ولد القدّيس غريغنتيوس في ميلانو مطلع القرن السادس الميلاديّ. نشأ على الفضيلة في كنف والدين تقيّين. لمّا بلغ السن القانونيذة سيم شمّاسًا وأقبل على حياة النسك زمانًا حتّى منّ عليه الربّ الإله بموهبة صنع العجائب. تعهدّه ناسك عاش قريبًا من المدينة. عرف أن الربّ الإله يريده أن يكون أسقفًا في مكان بعيد. تكوّن لديه اليقين بعدما تنبّأ له الناسك بذلك. ارتحل إلى الإسكندرية، في تلك الأثناء فرغ كرسي أكسوم في أثيوبيا فبعث ملكها إلى البطريرك يسأله إيفاد أسقف جديد يكون تقيًّا حكيمًا ويتمتع بالغيرة الرسوليّة، وبفعل تدخّل إلهيٍّ تمّ سيامة القدّيس أسقفصا على أثيوبيا فانكبّ على خدمة شعبه الجديد ومع إحتلال ملكها لمناطق مجاورة ولأجل نشر الإيمان المسيحيّ سام العديد من الشمامسة والكهنة واستطاع هداية العديد من اليهود الذين اعتمدوا وانضموا إلى الكنيسة وتابع رسالته التبشيريّة في تلك البلاد حتّى رقد بالربّ.
القدّيس الشهيد بونيفاتيوس
عاش بونيفاتيوس في مدينة رومية. كان وكيلا لأعمال سيّدة رومانية ثرية اسمها اغلاييدا. هذه كانت فتيّة، جميلة، من اشراف المدينة، محبّة للشهرة، تسلي السكان، أحيانا، بحفلات عامة على نفقتها. وكانت تربطها بوكيلها علاقة شائنة. بونيفاتيوس، من ناحيته، كان شرابا للخمر ماجنا، لكنه تمتّع بخصال مميّزة ثلاث: كان مضيافا وسخيا ورؤوفا.يحكى عنه أنه كلما كان يلتقي غريبا أو مسافرا كان يعنيه بمودّة كبيرة. كما اعتاد التجوال في الشوارع وارتياد الأماكن العامة أثناء الليل ليفّرج عن الفقراء، كلاّ حسب حاجته. ومرّت الأيام وبونيفاتيوس وأغلاييدا على هذه الحال، إلى أن لامست النعمة الإلهية قلب أغلاييدا فأحسّت بوخز الضمير. فاستدعت بونيفاتيوس وكشفت له ما كان يدور في خلدها: ” أنت تعرف مقدار غرقنا، أنا وأنت، في الرذيلة، ولم يخطر ببالنا أنه لا بد لنا أن نظهر أمام إله لنؤدي الحساب عن أعمالنا. لقد بلغني أن الذين يكرمون المعذّبين من أجل يسوع المسيح يشاركونهم المجد. وفي الشرق، ثمة العديد من خدّام يسوع المسيح يكابدون العذاب كل يوم ويبذلون أنفسهم من أجله. فأخرج إلى هناك، إذا، وأتني برفات بعض أولئك الذين غلبوا الموت لنكرم ذكراهم ونخلص بشفاعتهم”. فشرع بونيفاتيوس بإعداد العدّة لتحقيق رغبة سيّدته. وبعدما جمع كمية كبيرة من المال ليشتري بها أجساد الشهداء من جلاّديهم ويوزّع ما تيسّر على الفقراء.قال لأغلاييدا: ” لن أعود خلوا من رفات الشهداء، إذا وقعت على بعض منها، ولكن ما رأيك لو أعيد إليك جسدي وقد أضحى جسد شهيد؟” فوبّخته على دعابته في شأن لا يقبل المزاح. شد ّبونيفاتيوس الرحال باتجاه الشرق. والحق أن مناخ الرحلة غيّره تماما فبات إنسانا جديدا. فامتنع عن أكل اللحم ومعاقرة الخمرة وازدوجت أصوامه بالصلوات والدموع والتكفير. وكانت الكنيسة في الشرق بخلاف كنيسة الغرب تتعرض بوحشية للإضطهاد الذي كان ذيوكليسيانوس قد باشره. وكانت موجة التنكيل قد استعرت على أعنف ما تكون في كيليكيا التي ناءت، يومذاك، تحت ثقل حاكم لا رحمة في قلبه ولا شفقة اسمه سمبليسيوس. فوجه بونيفاتيوس طرفه ناحية طرسوس، مدينة الرسول المصطفى بولس، وعاصمة كيليكيا. وما أن وطئت قدماه أرض المدينة، وكان راجلا، حتى أرسل خدّامه مع الخيل إلى فندق، وتوجّه هو، لتوّه، إلى مقر الحاكم فألقاه جالسا في المحاكمة وتحت عينيه منظر من الشهداء القدّيسين يعذّبون. كان أحدهم معلقا برجله ورأسه فوق النار، وكان آخر ممدّدا ويداه ورجلاه مثبتة إلى أوتاد وتكاد أطرافه أن تتمزّق من كثرة الشدّ والمدّ، وآخر مقطوع اليدين، وآخر مثبتا على الأرض وعود يضغط على عنقه، وآخر موثق اليدين والرجلين والجلاّدون يضربونه بالهراوات. ما لا يقل عن عشرين مسيحيا كانوا يعذّبون على هذا النحو. كان مشهدهم صدّاما وجرأتهم وثباتهم باعثين على الدهش. للحال تقدّم بونيفاتيوس، بجسارة، من هؤلاء الأبطال، فحيّاهم هاتفا: ” عظيم هو إله المسيحيين وعظيم هو إله هؤلاء الشهداء. ابتهل إليكم، يا خدّام يسوع المسيح، ان تصلّلوا من أجلي ليكون لي أن أنضمّ إليكم في محاربة الشيطان”. فلما سمع الحاكم ورأى ما كان، شعر بالمهانة لما اعتبره وقاحة في حضرته، فسأل بحنق كبير من يكون. فأجابه بونيفاتيوس أنه مسيحي وسيّده هو يسوع المسيح ولا يخشى ما يمكن ان يوقعه الحاكم به لحمله على الكفر بالإسم الحسن. فاهتاج سمبليسيوس وأمر بإحضار أعواد مسنّنة من القصب وغرزها تحت أظافر الرجل. وبعدما فعلوا، جيء برصاص مغلي وسكب في فمه. فدعا بونيفاتيوس باسم الرب يسوع مستجيرا وسأل صلوات بقية الشهداء معه، فرفعوا الصلاة من أجله أجمعين.وإذ شعر الحاضرون بالقرف من وحشية هذا مقدارها، أحدثوا جلبة وهتفوا قائلين: ” عظيم هو إله المسيحيّين !” فشعر سمبليسيوس بالحرج وترك القاعة. وحلّ اليوم التالي، فعاد الحاكم إلى سدّة المحاكمة وبعث في طلب بونيفاتيوس من جديد. بدأ الشهيد ثابت العزم غير هيّاب. فأمر الحاكم بإلقائه في خلقين من الزفت المغلي. فخرج منه دون أن يصيبه أذى. أخيرا حكموا على الشهيد بقطع الرأس، فرفع إلى ربّه الصلاة وسأل غفران خطاياه وهداية مضطهديه، ومدّ رقبته لجلاّديه، ببهجة قلب، فقطعوا هامته. في تلك الأثناء كان رفقته يبحثون عنه. فتّشوا في كل مكان ظنّوا أنهم يجدونه فيه، لا سيما الخمّارات، فلم يقعوا له على أثر. أخيرا، سألوا عنه رجلا كان أخا للسجّان. وبعدما وصفوه له أجابهم أن غريبا دخل المدينة البارحة وقد قطع الحاكم رأسه لأنه جاهر بإيمانه بالمسيح، وأوصافه تطابق أوصاف من يبحثون عنه. فلما توجهوا إلى المكان حيث كان الجسد والرأس مطروحين عرفوه أنه سيّدهم، فدفعوا ثمنه خمسمائة ذهبية ثم طيبّوا جسده وقفلوا عائدين به إلى رومية وهم يمجّدون الله. في رومية كانت أغلاييدا في الإنتظار. فلما بلغها الخبر شكرت الله وخرجت برفقة كهنة واستقبلت الجسد على بعد نصف ميل من المدينة، على الطريق اللاتيني. في ذلك المكان بالذات أقامت له ضريحا وجعلته فيه. كمابنت، في الموضع، كنيسة بعد عدة سنوات. مذ ذاك تابت إلى ربّها وعملت على التكفير عن خطاياها. ولما رقدت، بعد ذلك بخمسة عشر عاما. دفنت بقرب بقاياه. أما رفات القدّيس بونيفاتيوس فجرى الكشف عنها في رومية سنة 1603 م في كنيسة القدّيس ألكسيوس التي كانت تدعى قبل ذلك كنيسة القدّيس بونيفاتيوس.
الطروبارية
+ شهيدك يا ربُّ بجهاده، نال منك الإكليل غير البالي يا إلهنا، لأنه أحرز قوّتك فحطّم المغتصبين، وسحق بأس الشياطين الّتي لا قوَّة لها. فبتوسّلات شهيدك بونيفاتيوس أيّها المسيح الإله خلّص نفوسنا.
القدّيس ميخائيل
أصل القدّيس ميخائيل من أورشليم. نذر للربّ وهو في الثالثة من عمره. كان عارفًا بالكتب الإلهيّة والعلوم. بعد وفاة والده انضم إلى دير القدّيس سابا. فاق أقرانه الرهبان في ممارسة النسك وتنفيذ وصايا الربّ المقدّسة وفي الأتعاب. كان طعامه قليل من الخضار، يأكلّه مرّة كلّ يومين أو ثلاثة أيام. امتاز بتواضعه ولطفه. سيم كاهنًا بعد إثني عشر سنة من بدء رهبنته. زاد على نسكه أن اعتزل في مغارة ضيّقة لا أثر فيها للراحة أو التعزية البشريّة. في سنّ الخمسين رقّي إلى رتبة سينجلّوس.
في زمن إضطهاد الأمبراطور لاون الأرمني للإيقونات وقف بوجهه ولامه على فعلته، فما كان من الأمبراطور إلا أن أوقفه ونفاه مع تلميذيه. كما تعرّض للإعتقال في زمن الأمبراطور ثيوفيلوس حيث بقي مدّة سبع سنين في الإعتقال. بعد إطلاق سراحه عين رئيسًا لدير الكورة في المدينة المتملكة وهو دير مفرز لإستقبال الرهبان القادمين من فلسطين. قبل رقاده زوّد رهبانه بإرشادته الأخيرة، وانتقل إلى صديقه، ميثوديوس، بطريرك القسطنطينيةن وبقي معه حتّى رقاده.
القدّيس الشّهيد سبسطايانوس ورفقته
هذا كان من مدينة ميلان وكان أحد رجال ديوان الشورى غيوراً على الديانة المسيحية فقاد كثيرين إلى معرفة الله. ولما ثار الاضطهاد على المسيحيين على عهد ديوكليتيانوس ومكسميانوس الملكين قبض عليه وطعن بسهام حادة ثم تهشم جسده بالمقامع. وأخيراً قطع أرباً فاستودع روحه في يدي الله وكان ذلك سنة 288 وقد أميت معه آخرون أيضاً بعد أن كابدوا تعذيبات مختلفة وهم مركلينس ومرقس الاخوان وأبواهما ترانكلينس ومركية ونكوستراتس وامرأته زوئي وتفورتيوس وكلاوديوس وكستولس وكاستر.
الطروبارية
+ شهداؤك يا ربُّ بجهادهم، نالوا منك الأكاليل غير البالية يا إلهنا، لأنهم أحرزوا قوّتك فحطّموا المغتصبين، وسحقوا بأس الشياطين الّتي لا قوَّة لها. فبتوسّلاتهم أيّها المسيح الإله خلّص نفوسنا.
أما ديونيسيوس فولد وتربى في جزيرة زنطة. وكان أبواه مكيوس وبفليني حسني العبادة وغنيين. ولما كان حدث السن مضى إلى الدير الملوكي الذي كان في إحدى الجزيرتين المدعوتين استروفادس وتوشح باكيم الرهبنة. ثم رسم رئيس أساقفة على جزيرة أجينة فساس أبرشيته سياسة بهية زمناً طويلاً. ثم عاد فيما بعد إلى وطنه وقضى فيه باقي حياته بالبر. وفي سنة 1624 توفي بسلام تاركاً جسده الشريف لأهل وطنه نموذجاً للفضيلة والتقوى وحسن العبادة.
وأما دانيال النبي والفتية الثلاثة فكانوا جميعاً من سبط يهوذا الملوكي، ولما سبى بختنصر اليهود وجلاهم إلى بابل سنة 599 قبل المسيح على عهد يواكيم أو يواخين الملك الذي يدعى يخنيا أيضاً (سفر الأيام الأوّل ص3 ع26 وسفر الأيام الثّاني ص36 ع8) كانوا من جملة المسبيين وهم أولاد حديثو السن. وهناك نظموا في سلك الأسرى المنتخبين لخدمة بختنصر الملك المذكور وقد دعي دانيال منهم بلطشاصر وحنانيا سدراخ وميصائيل ميساخ وعازريا عبد ناعو. فتربوا في البلاط الملوكي وتعلموا حكمة الكلدانيين ففاقوا فيها بعد شروعهم بتعلمها بثلاث سنين على جميع حكماء الكلدانيين (دانيال ص1).
ثم أن دانيال وهو فتي السن فسّر موضحاً المقصود بذلك التمثال السرّي الذي رآه بختنصر في الحلم مركباً من معادن مختلفة أنه قطع حجر من جبل من دون يد بشرية وكسر ذلك التمثال وسحقه حتى غدا كالغبار. وأبان بتفسيره جلياً أن المراد بالجبل سمو قداسة البتول وقوّة الروح القدس التي ظللتها. والمراد بالحجر يسوع المسيح الولود منها بدون زرع الذي بما أن إله سيقيم في مجيئه الثّاني للمؤمنين به ملكه السماويّ الأبدي الذي لا يزول بعد أن يسحق ويفني جميع ممالك العالم المرموز عنها في التمثال (دانيال ص2 ع31 – 45)، ثم سبق وأشار عن زمان ظهور المسيح في الأردن وابتدائه بالكرازة الانجيلية وعن زمان آلامه الخلاصية وابطال العبادة الناموسية محرراً ذلك على الضبط والتدقيق بعد السبعين أسبوعاً من السنين كما هو معلوم (دانيال ص9 ع14 – 27) وصوّر صورة مجيئه الثّاني الجلية المريعة تصويراً جيداً مستعملاً سمو الأقوال كألوان نضرة موضحاً بها الكرسي اللهيبي الموضوع والقاضي الأبدي الجالس عليه ونهر النار الجاري أمامه وقضاء المحكمة التيلا تأخذ بالوجوه ومصاحف أعمال كل أحد المفتوحة واألوف ألوف خدامه وربوات الواقفين قدامه (دانيال ص7 ع9 و10). وقد لقب من الملائكة الذين كانوا يظهرون له “برجل الشهوات” لأنه إذا اشتهى جداً أن يعلم هل يحصل أبناء جنسه على العتق وما عساها تكون حالهم” ازدرى بكل شهوة جسدية غير مكترث بشيء من ضروريات الجسد حتى الخبز نفسه الأشد لزوماً لقوت الانسان فكان يتضرع إلى الله تعالى ثلاث مرات كل يوم بلا انقطاع صائماً راكماً. وبسبب ذلك طرح في جب الأسود إذ وشي به أعداؤه للملك أنه خالف أمره الذي أصدره بأن لا يسجد أحد لإله ولا يطلب شيئاً منه ولا من إنسان إى من الملك وحده إلى مدة ثلاثين يوماً. وكانوا هم قد دبروا له هذه الحيلة عمداً إلاأنه سد أفواه الأسد بقوّة الله وقام بينها كراع للخراف موضحاً بذلك للكفرة قوّة حسن العبادة واقتدارها (دانيال ص6 ع1 – 13).
وأما الفتية الثلاثة فإذ رفضوا السجود لتمثال بختنصر وعبادته (وكان دانيال إذ ذاك غائباً كما يلوح) طرحوا في أتون النار فلم ينلهم منها عطب بل بقيت كل أجسادهم حتى شعورهم سالمة. لأن ملاكاً انحدر وندى لهم الأتون فصاروا يتخطرون في وسط النار كأنهم على ندى مسبحين الله بالتسبيح المشهور الذي تتضمنه التسبحة السّابعة والثّامنة من الستيخولوجيا. ثم خرجوا من الأتون ولم يكن على ملابسهم أثر رائحة النار. وكان ذلك رمزاً عن ولادة البتول التي لم يخامرها فساد. فإن البتول تقبلت نار اللاهوت ولم تلتهب أحشاؤها ولم تزل بتولاً كما كانت قبل الولادة أيضاً (دانيال ص3).
ولما كان الثلاثة الفتية ودانيال قد سبقوا ورسموا صورة تجسد المسيح واخبروا به وهم أيضاً من سبط يهوذا الذي منه كان المسيح بحسب الجسد رأت الكنيسة أن تعيد لهم سنوياً في مثل هذا اليوم وفي أحد الأجداد الماضي وفي الأحد القادم الذي قبل ميلاد المسيح. ثم أن الثلاثة الفتية القدّيسين توفوا مملوئين أيامأً. وتخلف عنهم دانيال النبي الذي عاش على عهد كيري (قورش) ملك الفرس فاستماح منه عودة أبناء جنسه إلى أورشليم واعادة بناء الهيكل فحصل على بغيته. ثم توفي بسلام وله من العمر 88 سنة. وسفر نبؤته يقسم إلى 12 فصلاً وهو الرّابع والأخير في عداد أسفار الأنبياء الكبار الأربعة.
الطروبارية
+ عظيمة هي تقويمات الإيمان، لأن الثلاثة الفتية القدّيسين قد ابتهجوا في ينبوع اللهيب، كأنهم على ماء الراحة، والنبي دانيال ظهر راعياً للسباع كأنها غنم، فبتوسلاتهم أيّها المسيح الإله خلص نفوسنا.
+ لنكرم جميعنا باتفاق أيّها المؤمنون، ديونيسيوس نتاج جزيرة زاكنثس وزعيم أجينة، وحافظ دير استروفادس هاتفين إليه بإخلاص: خلص بتوسلاتك المقيمين تذكارك والهاتفين نحول: المجد للمسيح الذي مجدّك، المجد للذي جعلك عجيباً، المجد للذي منحنا إيام شفيعاً لا يغفل.
كان القدّيس مودستوس راهبًا، أختير رئيسًا لدير القدّيس ثيودوسيوس. في ذلك الزمان غزا خسرو الثاني الفارسيّ الرض المقدّسة فنهب أورشليم وقلب كنائسها وأحرقها وبطش بأهلها وسبى ذوي الحرف من بنيها واستاق أسقفها زخريا أسيرًا واستولى على ود الصليب، ولم يغادرها إلا خرابًا وبقية أهلها شُرّدا. وشاء التدبير الإلهيّ أن يحلّ مودستوس محل أسقف المدينة وكيلاً فكانت له بركة إعادة جمع الشمل وإصلاح الكنائس واحتضان المضنوكين فيها. رمّم كنيسة القيامة المهدودة وأعاد تكريس ما دنّسه الفرس، كما دفن الآباء القدّيسين الذين طالتهم سيوف الغزاة في دير القدّيس سابا. كابد الكثير لكنّه نجح بنعمة ربّه ومؤازرة القدّيس يوحنا الرحيم، بطريرك الإسكندريّة. وإليه يعود الفضل في تعميد الشهيد أناستاسيوس الفرسي المعيّد له في 22 كانون الثاني. بعد وفاة أسقف أورشليم زخريا، تسلّم رسميًّا كرسيها، وبقي فيها حتّى رقاده في العام 634م.
القدّيسة البارة ثيوفانيس
ولدت لأبويها قسطنطين وحنّة بعد عقر. جاءت ثمرة سنين من الصلاة الحارة. جمعت جمال الطلعة إلى التقي والسيرة الفاضلة. اختارها الأمبراطور البيزنطي باسيايوس المقدوني زوجة لأبنه وخلفه لاون المكنّى الحكيم الذي ارتقى العرش باسم لاون السادس بين العامين 886 و912م. كانت ثيوفانيس غير الملكات والأميرات، سلكت غير مسلك، إزدرت الكرامات والمتع. انصرفت إلى الصلاة والإنشاد واهتمّت بإعالة الفقراء والعناية بالمرضى والمنكوبين. اعتادت إرتداء لباس الأميرات فةق ألبسة قاسية خشنة. مارست الصوم والسهر وأعمال النسك أسوة بالرهابين. باعت حلُيَّها ووزّعت المال على الفقراء. كانت تجالس الرهبان طويلاً تسألهم وتتعلّم منهم كيفيّة تنقية القلب والتأمل في الله. ساكت في الاتضاع وكان لها راهب شيخ تطيعه وتسير في هديه. كانت على توقير وافر للناس لا فرق من كانوا أو كان مقامهم. كلنت تتّخذ من حصيرة مرقدًا لها وتحافط على تلاوة الساعات في أوانها. بعد وفاة ابنتها رغبت أن تعتزل العالم والانضمام إلى أحد ديورة النساء لكن أبوها الروحيّ لم يسمح لها بالأمر فأطاعته حتّى النهاية. رقدت بالربّ بسلام في السنة 893م ، لم تكن قد جاوزت الأربعين من عمرها. رفاتها اليوم محفوظة في مقر البطريركيّة المسكونيّة.
القدّيس حجّاي النبي
اسمه معناه “المولود في يوم عيد” وهو صاحب سفر حجّاي، العاشر من اسفار أنبياء العهد القديم الإثني عشر الصغار. يقع في إصحاحين وثمان وثلاثين آية. يسبق سفر زكريا وهو معاصر له. تنبأ حجّاي في زمن داريوس الملك الفارسي (522 -486 ق.م). وكان زربّابل بن شألتئيل حاكم يهوذا ويشوع بن يوصاداق رئيس كهنة.
تفوّه حجّاي بأربع نبوءات أثبت لكل منها تاريخا محددا، وهي تمتدّ من شهر آب إلى شهر كانون الأول من السنة 520 ق.م. الموضوع الأساسي للسفر: إعادة بناء هيكل الرب.
فقرابة العام 537 ق.م. عاد المسبيّون اليهود من بابل إلى أرض آبائهم بعدما أطلقهم قورش الفارسي الذي تمكن من أمبراطورية بابل في حدود العام 539 ق.م. ولما شرعوا في إعادة بناء الهيكل سنة 537 ق.م.(عزرا 3). وكانوا متحمّسين، واجهتهم صعوبتان أساسيتان ففتروا وصرفوا النظر عن العمل فيه إلى وقت لاحق. الصعوبة الأولى كانت مقاومة أهل السامرة لهم والصعوبة الثانية ضيق ذات اليد.
وكرّت الأيام، خمسة عشر يوما. انصرف العائدون خلالها كل إلى شؤونه الخاصة. بنوا بيوتهم وبيت الرب نسوه. ألفوا تأجيل عمل الرب ولم تعد ضمائرهم تبكّتهم. استهانوا به وتعلّلوا بعلل الخطايا فبقي خرابا. فقام حجّاي ونخسهم بمنخس كلمة الله. هذا ما يوله الرب الإله لكم :
“فكروا في مصيركم”نفكروا في ما آات إليه حالكم. لم تعد بركة رب القوات عليكم. السماء حبست الندى والتربة والغلّة. الأرض قحلت وكذلك الجبال. “زرعتم كثيرا واستغللتم قليلا. أكلتم ولم تشبعوا، شربتم ولم ترتووا. اكتسيتم ولم تدفأوا. والذي يأخذ أجرة يأخذها في صرّة مثقوبة”(1 :6). يركض الشعب وراء الرزق زالرزق يهرب منه. لماذا؟ لأنهم سكنوا في بيوت مسقوفة وبيت الرب خرب. اهتموا بما لأنفسكم وتركوا ما للرب. ليس بيوت مسقوفة وبيت الرب خرب. اهتموا بما لأنفسكم وتركوا ما للرب. ليس لله بيت في وسطهم. لم يعد ساكنا بينهم. غادرتهم البركة. فلا حلّ لهم ولا يرضى الله عنهم إلا إذا بنوا الهيكل من جديد.” أعيدوا بناء البيت فأرضى به وأظهر فيه مجدي. قال الرب “(1 :8).
ونبّه الرب الإله روح زربّابل ويشوع وبقية الشعب فانتبهوا. خافوا فباشروا العمل في ثلاثة وعشرين يوما.
وما إن أخذ الشعب في العمل حتى واجهته تجربة قاسية فارتخت أوصاله. ذكر ما كان للهيكل في ايام الآباء من عز وما كان عليه من غنى فانحطت عزائمه لأنه كيف يجاري القدامى وإمكاناته محدودة بهذا القدر. ظنّوا أنهم هم البناة من دون الله فاستعظموا وخافوا وخاروا. فكانت كلمة الله إليهم أن يتشدّدوا ويعملوا ولا يخافوا لأن رب الجنود معهم وروحه قائم في وسطهم حسب وعده لهم منذ خروجهم من مصر (2 :4 -5). عملهم، على تواضعه، يقبله ويباركه. وهوهو الذي سوف يملأ هذا البيت مجدا وغنى. “لي الفضّة ولي الذهب”.” مجد هذا البيت الأخير سوف يكون أعظم من مجد الأول قال رب الجنود”(2 :9). وفوق ذلك يعطيهم السلام.
كلام حجّاي، لا سيما في الإصحاح الثاني من سفره، يذيع المسيح المنتظر “مشتهى الأمم” (2 :7)، على حد تعبيره. أي هيكل ينطبق عليه القول الراهن غير هيكل جسد الرب يسوع (يوحنا 2 :19-21)؟ ومن الذي أظهر مجد الله إلى تمامه غير القائل “أنا مجدّتك على الأرض. العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته”(يوحنا 17:4)؟ ومن الذي به صار سلام الله إلى المسكونة غير القائل :” سلامي أعطيكم. لا كما يعطيكم العالم “(يوحنا 14: 27 )؟والسلام الذي يعطيناه هو نفسه. هو سلامنا كما قال الرسول المصطفى بولس (أفسس 2 :14). هذا الأعلان عن المسيح الآتي يقترن في آخر السفر بعهد طالما قطعه الرب الإله على نفسه وهو باق عليه، يكرّره اليوم لزربابل، سليل داود، محققا متى كمل الزمان :” في ذلك اليوم يقول ربّ الجنود آخذك يا زربابل عبدي ابن شألتئيل يقول الرب وأجعلك كخاتم لأني قد اخترتك يقول ربّ الجنود”(2 :23).
وفي السفر أقوال تطلّ على الأيام الأخيرة لمّا ينطوي الزمان وتباد قوى هذا الدهر. “هي مرة بعد قليل فأزلزل السموات والأرض والبحر واليابسة”(2 :6). “وأقلب كرسيّ الممالك وأبيد قوة مالك الأمم..” (2 :22). هذه نحسبها تتحقق في الزمن الذي ذكره كتبة العهد الجديد :” متى جاء أبن الإنسان في مجده وجميع الملائكة القدّيسين معه فحينئذ يجلس على كرسيّ مجده ويجتمع أمامه جميع الشعوب”(متى 25 :21 -32).
كل هذه الوعود كانت بحجّاي ليتشدّد الشعب ويعرف أن الله معه. “من هذا اليوم أبارك”(2 :19) قال ربّ الجنود ولكن ، ثمة شرط على الشعب أن يلتزمه قبل أن يضع حجرا على حجر في هيكل الرب :ان يمتنعوا عن كل نجاسة ويجتنبوا كل محرّمة. الأمانة لله وأحكام الشريعة أولا. إصلاح النفوس قبل إصلاح البيت. هذا ما تطالعنا به النبوءة الثالثة من سفر حجّاي (2 :10 -19).
يبقى ان السفر برمتّه يطال كل من استقر عليه اسم إلهه، وهو معاصر لنا بروحيته. أوليس أنكم أنتم هيكل الله وروح الله ساكن فيكم؟! هذا الهيكل بحاجة إلى من يصلحه بالتوبة وحفظ الوصية والأمانة. بهذا تستعاد بركة الله على شعبه ويتمجّد الله في أحبّته بعدما ألف الأكثرون النجاسة وأضحى اسم الله بسببهم مجدفا عليه بين الأمم(رومية 2 :24) “توبوا وارجعوا لتمحى خطاياكم لكي تأتي أوقات الفرج من وجه الرب”(أعمال 3 :19).
الطروبارية
+ إننا معيّدون لتذكار نبيّك حجي، وبه نبتهل إليك يا رب، فخلّص نفوسنا.
+ لما فضَّلتِ السماويات برغبة يا ثيوفانيس، قضَيتِ حياتك على الأرض بسيرة ملائكية، فلذلك استأهلتِ المواهب السماوية، مع مراتب الملائكة ومصاف القدِّيسين، ماثلةً لدى ملك الكل، فإليه ابتهلي لكي نجد رحمة.
القدّيس المعترف استفانوس أسقف سوروج
أصل القدّيس استفانوس من بلاد الكبّادوك. توحّد وسلك في جهاد الفضلية. ظهر ملاك لبطريرك القسطنطينية وأوعز إليه بأن يسيم استفانوس أسقفًا على سوروج التي هي سوداك في الكريمية (البحر الأسود)، ففعل. أبدى غيرة كبيرة على كنيسة المسيح وجذب الكثيرين إلى الإيمان. لاقى الأمرّين من الأمبراطور البيزنطي لاون الثالث الإيصافري بسبب دفاعه عن إكرام الإيقونات ومقاومة هذا الأخير لها. تنبّأ بموت الأمبراطور في وقت قصير. تمّ ما تنبّأ به. عاد إلى سوروج بعد أن كان لاون قد احتجزه في القسطنطينية. لكنّه ما لبث أن عانى المزيد من الاضطهاد لأجل الإيمان. درى بيوم رقاده سلفًا وسمّى خلفًا له. رقد في الربّ بسلام في العام 787م.
القدّيس البار بولس
نشأ القدّيس بولس في آسيا الصغرى في بلدة قريبة من برغامس، والدته أفدوكيا كانت قريبة يوانيكوس الكبير. له أخ اسمه باسيليوس زوّجه ذووه عنوة ففرّ إلى جبل الأوليمبوس وصار راهبًا. رقد أبواه وهو شاب صغير. كان بولس ممتلئًا غيرة إلهيّة وسعى إلى الإقتداء بمعلمه وأبيه الروحيّ الذي عامله بصرامة لأنّه أراد أن يدربّه على النسك، ولكي يعلّمه أن يكون خادمًا جعله يخدم في المطبخ. اعتاد أن يخرج إلى البرية ويصعد على شجرة ليصلّي، كانت محبّة المسيح تلتهمه إلتهامًا. بعد موت الشيخ أبوه، خرج ورفيق له في الجهاد اسمه ديمتري إلى البرية إلى جنوبي لاتروس، هناك انتشر عدد من النساك وفدوا من سيناء. أقام في مغارة بعد أن تركه رفيقه بسبب قسوة الحياة في المغارة حيث قضى ثماني سنوات في جهاد متواصل عاد بعدها إلى دير كاريا لفترة وجيزة طاعة لرئيس الدير ثم عاد إلى البرية واستقرّ على قمة صخريّة تشبه العمود الطبيعيّ. ذاع صيته بفضائله وعجائب الله التي أخذت تجري على يديه، وأخذ الطلاب يتقاطرون عليه فيقيمون عند اسفل الصخر ويتبعون مثاله. مع تنامي الشركة وتدفّق الزوار بدأ المكان يفقد هدؤه فنزل بولس عن عموده وطلب أمكنة عالية أكثر عزلة، ولمّا كشف المكان الجديد للزوّار خرج إلى جزيرة ساموص وأقام في مغارة معزولة. ذاع صيته هناك أيضًا حتى بلغ كريت وبلغاريا وإيطاليا وعندما اقتربت نهايته حرّر لتلاميذ قواعد الحياة الرهبانيّة. رقد بسلام في الربّ سنة 955 م بعدما وعد تلاميذه بأن يصلّي لهم على الدوام.
القدّيس الشهيد في الكهنة ألفثاريوس ورفقته
“لقد أستأهلت أيها الأب الحلّة الكهنوتية. بما أنك سميّ الحريّة الإلهية. وبتعليمك حسن العبادة بجرأة. ثقّفتنا بالأقوال والأفعال. وإذ تمّمت قصدك في الأستشهاد. تلألأت في الأمرين كليهما. ونلت الإكليل مضاعفا من لدن المسيح الإله. فإليه ابتهل أيها الشهيد في الكهنة أن يخلّص نفوسنا”.
)ذكصا الإينوس- صلاة السحر(
هكذا تخاطب الكنيسة الشهيد في الكهنة ألفثاريوس الذي أبصر النور في مدينة رومية لأب اسمه أفجانيوس كان موظفا كبيرا في خدمة قيصر، ويبدو أنه كان وثنيا، وقد رقد وألفثاريوس طفلا،وأم تقية اسمها أنثيّا، التي اهتدت إلى الإيمان بالرب يسوع عبر تلاميذ الرسول بولس مباشرة.
نشأ ألفثاريوس مسيحيا وترعرع على محبة الله وحفظ الوصايا. وكان لامعا وملك قدرة فائقة على التعلم، فقدمته أمه إلى أسقف رومية القدّيس أنيقيطس الحمصي(150 -161 م)، الذي امتحنه ولما بانت مواهبه غير العادية ونعمة الله عليه أخذه على عاتقه.
وضعت اليد على ألفثاريوس قارئا وهو في سن الثالثة عشرة وشماسا وهو في الخامسة عشرة وكاهنا وهو في السابعة عشرة وأسقفا على إليريا وهو في العشرين، ويبدو لروح الله فيه ولفهمه وغيرته، أنه حقّق، في مجال نشر الكلمة بين الوثنيّين، نجاحا كبيرا. كل الوثنيين الذين ألتقاهم، إما نجح في هدايتهم إلى المسيح أو كانوا يكنّون له احتراما وتقديرا فائقين.
بلغ خبر ألفثاريوس أذني قيصر،فساوره القلق من تزايد عدد المسيحيين فأوفد أحد القادة العسكريين، واسمه فيليكس،ليلقي القبض على القدّيس. تسلّل فيليكس إلى المخبأ الذي كان القدّيس يقيم فيه الصلاة. فلما بلغه كان ألفثاريوس يعظ المؤمنين، فانتحى ناحية ووقف يسمع. ولكن ما أن أنتهى رجل الله من الكلام حتى تقدّم إليه فيليكس، لا ليلقي القبض بل ليعبّر له عن رغبته في أن يصير مسيحيا. فكلّمه ألفثاريوس بكلام الحياة ثم عمّده.
بعد ذلك ، لم يشأ الله أن يعود فيليكس إلى قيصر فارغا فالتمس العودة معه. وبالجهد رضي فيليكس أن يصحبه إليه.
وقف ألفثاريوس أمام قيصر فسأله هذا الأخير عن إيمانه فاعترف بالرب يسوع إلها حقيقيا أوحدا فأحاله على التعذيب. وإذ عمد الجلادون إلى ضربه بالسياط وإلى إلقائه على سرير محمى بالنار، ثم إلى سكب الزيت المغلي عليه، لم يتزعزع ولا غيّب الألم كلمة الله في فمه فوبّخ الطاغية على اضطهاده حملان المسيح الودعاء.
وعرض أحد خدام قيصر واسمه خوريبوس أن يدخل ألفثاريوس إلى فرن للتعذيب كان قد ابتدعه. فصلّى رجل الله من أجل هداية أعداء الله لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون. فاخترقت النعمة قلب خوريبوس وأنارت بصيرته فاستنار وتحول من وحش إلى حمل وديع هادىء . وللوقت دافع عن القدّيس واعترف بالمسيح امام الجميع. فأصيب قيصر والحاضرون بالذهول. ودخل خوريبوس إلى الآتون الذي ابتدعه. وأبت النار أن تمسّه فجرى قطع رأسه.
اما ألفثاريوس فعانى المزيد من التعذيب وألقي للحيوانات فلم تؤذه. وان أثنين من الجنود آمنا بالمسيح بفضله وتمّت شهادتهما. أخيرا ضرب الجلادون رأسه بالسيف. وما كادوا يفعلون حتى أسرعت أنثيا، والدة القدّيس، لتضّم جسد ابنها المخضّب بالدم حبا فهاش إليها الجنود وفتكوا بها ، هي أيضا ، فاختلط دمها بدم ابنها.
يذكر أن ثمّة من يظن ان أسقف رومية الذي رعى ألفثاريوس كان أناكلتس لا أنيقيطس، وان استشهاده كان في زمن أدريانوس قيصر (117 -138 م) لا زمن أنطونينوس (138 -161 م)، حوالي العام 130 م. وهناك تقليد ثالث يقول إنه استشهد في أيام القيصر سبتيموس ساويروس (193 -211 م).
يذكر ايضا أن الشهيد هو شفيع النساء الحاملات اللواتي يسألنه الوضع بالسلامة، وكذلك المسافرين في البحر والمرضى. بهذا المعنى ترتل له الكنيسة في أبوستيخن صلاة غروب العيد، هذا اليوم، الأنشودة التالية:
“لقد تحنّنت أيها الأب على النسوة الدانية ولادتهن، الملازمات في هيكلك، وجّدت عليهن بالخلاص، وكذا منحت آخرين مستمدّين منك بحرارة السير حسنا في البحر، وأنك تخوّل الصحة للمرضى، متلألئا في العجائب”.
ورفات القدّيس ألفثاريوس ، او بعضها على الأقل، أودعت كنيسة حملت اسمه فوق ما يسمى بالهضبة القاحلة وهي الهضبة السابعة من هضاب المدينة والمدعوّة كسيرولوفوس.
أما رفاته اليوم فمع الأخذ بعين الإعتبار انه يمكن أن تكون قد اختلطت برفات قدّيس آخر يحمل الإسم نفسه يعيّد له اليوم وهو معروف باسم ألفثاريوس كوبيكولاريوس، فإنها تتوزع على اليونان وقبرص وفلسطين وربما مناطق أخرى. بين هذه الأمكنة كنيسة القيامة في القدس ودير كيكّو في قبرص وديري كسيروبوتاموس وسيمونوس بتراس في جبل آثوس ودير القديس يوحنا اللاهوتي في باتموس ودير الثالوث القدوس في تسانغارلون أكروتيري) اليونانية) حيث يوجد قسم من جمجمته ودير ديونيسيو في جبل أثوس حيث توجد ذراعه اليمنى.
الطروبارية
+ لقد سارعت مبادراً إلى المسيح سيِّدك، مزيَّناً بالحلَّة الكهنوتية، وقاطراً بمجاري دمائك، أيها المغبوط إلفثاريوس الحكيم، يا داحض الشيطان، فلا تزل متشفِّعاً من أجل المكرِّمين بإيمان، جهادك المغبوط.
القدّيسين الشهداء أبولونيوس وفيليمون وأريانوس وحراسه الأربعة
في العام 305 أوقف سبعة وثلاثون مسيحيًّا من مدينة الطيبة المصريّة أمام القاضي أريانوس لمحاكمتهم. بين الموقوفين كان شاب اسمه أبولونيوس الذي خاف ان يواجه الموت فدفع مالاً لأحد جلاديه واسمه فيليمون الذي لبس ثوبه وقدّم عنه ذبيحة للأوثان، غير أن فيليمون عندما وصل أعلن إيمانه بالربّ يسوع وأنّه لا يرضى عنه إلهًا بديلاً.
وتقدّم فيليمون من القاضي وأعلن تخليه عن عبادة الأوثان وإعتناقه الإيمان المسيحي فاقتاده للتعذيب والموت. وعندما رأى ما حدث أبولونيوس أعترف هو أيضًا بإيمانه بالربّ يسوع من دون خوف، وزال من قلبه كلّ أثر للتردّد، فصدر القرار بقطع رأسه مع رفيقه فيليمون. وأمّا الحاكم أريانوس فكان أصيب بالعمى فذهب بعد استشهاد القدّيسين إلى قبرهما وأخذ تراب عن القبر ومزجهم بالماء ووضعه على عينيه فكان ان استردّ بصره فآمن بالرب مع حراسه الأربعة واعتمدوا. ولم يطل الوقت حتّى جرى القبض عليهم وألقوا في أكياس في البحر وهكذا أكمل الجميع شهادتهم.
القدّيس البار دانيال
من مولدافيا في رومانيا، ولد في عائلة فقيرة من رادوتسي، ترهّب في سن السادسة عشرة في دير القدّيس نيقولاوس، كان كاملاً في فقره وطاعته. اعتاد أن يقضي خمسة أيام في الأسبوع لا يتناول شيئًا من الطعام. اعتاد أن يسهر الليل بطوله يتلو كتاب المزاميربأكمله عن ظهر قلب. كان مثالاً للإخوة في الدير في التقوى والصمت والوداعة. أضحى بسرعة إناءً مختارًا لروح الربّ. سيم كاهنًا ونال شهرة واسعة بسبب العجائب التي سرّ الربّ الإله أن يجريها به، وايضًا لموهبة التبصّر لديه. انتقل إلى دير القدّيس لفرانديوس ولبس الإسكيم الكبير واتخذ اسم دانيال بعد أن كان اسمه ديمتري ثم داود. في العام 1450 توغّل في الغابات وحفر لنفسه قلاية في الصخر واستقرّ فيها، كما اتخذ من حفرة ثانية أصغر من الأولى كنيسة. كان ذلك في واد يدعى “بوتنا” في الجزء الشمالي من مولدافيا الحالية. استغرق في صلاة القلب المستمرّة ليل نهار، لم يعتد الخروج من قلايته إلا أيام الآحاد طلبًا للقداس الإلهيّ. منَّ عليه الرب بنعمة الدموع. صار الأب دانيال نموذجًا للحياة الرهبانيّة الكاملة في مولدافيا. في ثمانين من عمره جُعل الأب دانيال رئيسًا لديراسمه فورونتيز. عاش القدّيس إلى سن التسعين، أكرمه الناس قدّيسًا في حياته رقد بسلام ودفن في كنيسة الدير حيث ما يزال إلى اليوم. أعلنت قداسته رسميًّا في 20 تموز سنة 1992م.
القدّيسين تيرسس ولوقيوس وكلينيكوس
استشهد هؤلاء الثلاثة في أيام القيصر الروماني، داكيوس، في حدود العام 250 للميلاد. فإثر قرار ملكي بملاحقة المسيحيين وتوقيفهم وإنزال أشدّ العقوبات بهم إذا ما رفضوا الإنصياع لأوامر قيصر، توجه المدعو كومبريكيوس الوالي إلى نواحي نيقوميذيا ونيقية وقيصرية بيثينيا لوضع القرار الملكي موضع التنفيذ. ولما شاء الوالي أن يضرب المسيحيين من جديد تسبّب في إهراق دماء العديد منهم وبطش بصغارهم وكبارهم، فاحتدت روح الرب في رجل مسيحي من مواطني قيصرية اسمه لوقيوس فتقدّم من الوالي بجرأة ما بعدها جرأة وصرخ في وجهه:” يا أيها الكلب الكلب، حتى متى تسفك الدماء كجدول المياه، ملزما تلاميذ المسيح الودعاء أن يعبدوا الحجارة وقطع الخشب الصماء بصفتها آلهة؟” فنزل كلامه في عيني الوالي وأذنيه نزول الصاعقة. وما أن استردّ وعيه حتى اخذت الدماء في عروقه تغلي فأمر للحال بإلقاء القبض على لوقيوس وتقدّم جلاّدوه وأعملوا فيه ضربا بالسياط شرسا. وإذ لم يقوّ الوالي على لجم هياج نفسه، عفّ عن محاكمة الرجل وفق الأصول وأمر للحال بقطع رأسه فتفّذ الجلاّدون حكمه.
وانتشر الخبر بين المسيحيين بسرعة فراعهم الحدث وأصيبوا بالذعر فلاذوا بالجبال والمغاور. إزاء حالة الفزع العارمة هذه انبرى رجل باسل اسمه تيرسس إلى ساحة التحدّي وفي نيتّه أن يبعث في القوم روح العنفوان والشهادة، فخرج إلى مقر الوالي وطلب مقابلته. ولما دخل عليه التزم أمامه الصبر، بجرأة وهدأة، وسعى إلى إقناعه أنه من الإذلال للناس وهم المتعقلون أن يعبدوا كائنات لا عقل لها وظواهر طبيعية. لكن الوالي لم يكن في وارد الأخذ والرد على صعيد الإقناع والإقتناع. لهذا السبب عاد وكرّر أن المطلوب واحد وهو الطاعة الكاملة لأوامر قيصر. وإذ بدا أن تيرسس استنفد لغة الكلام والوالي لغة الصبر، أمر كومبريكيوس بتقييد الشاهد معصميه إلى رجليه وأسلمه للجلاّدين فانهالوا عليه ضربا لا هوادة فيه، ثم حطّموا كعبيه وفقأوا عينيه وسكبوا رصاصا مذابا على بدنه، غير أن النعمة الإلهية صانت حبيب الله وحفظته ثابتا إلى المنتهى. وحصنّته كما بمجنّ غير منظور. وقد ذكر أن صلاة القدّيس دكّت الأصنام في المكان، ولكن لم يكن الوالي ليعتبر. وإذ تعب ولم ينجح في كسر مقاومة الرجل أشتدّ غيظه، لكنه أعاده إلى السجن ريثما يحشد عليه موجد جديدة من العنف والتعذيب. أما تيرسس فقد ظهر له الرب يسوع المسيح شخصيا وشدّده، وقيل أخذه إلى أسقف المحلة الذي عمّده.
وكان كابد الشهيد المزيد من العذابات المرة على امتداد فترة من الزمن غير محددة إلى أن قضى الوالي وجيء بآخراسمه بابدوس. هذا أراد التخلص من القدّيس فجعله جنوده في كيس محكم والقوة في البحرز لكن ذكر أن ملاك الرب نجّاه. كما ذكر انه ألقي للأسود فلم تمسّه بأذى. أمام كل هذا تحرّكت نفس رجل اسمه كلينيكوس كان كاهنا للأوثان. فاقتبل الإيمان بالمسيح وجاهر به أمام الوالي فقبّحا عبادة الأوثان فجرى توقيفه وإعدامه بقطع الرأس، فيما جعل الجند تيرسس في صندوق خشبي ضيّق نشروه ببطىء كما ليستنفدوا ما في أنفسهم من ضغينة وغرور وحب للموت، ولكن على غير طائل لأن قوة الله فوق كل قوّة.
هكذا كمّل رجل الله الآم المسيح في جسده ونال إكليل الحياة. وقد قيل أن ذلك حصل في مدينة تدعى أبولونيا.
كما أورد المؤرخ الكنسي سوزومينوس (القرن 5 م) ان قيصاريوس القنصل بنى على أسم القدّيس تيرسس في القسطنطينية كنيسة عظيمة جعل فيها بعضا من رفاته. وكانت للقدّيس كنيسة أخرى في المدينة. كما ذكر أن القدّيس تيرسس ظهر للأمبراطورة بلخاريا القديسة (399 -453 م) وأشار عليها بأن تجعل رفات شهداء سبسطيا الأربعين بجانب رفاته هو. أما في الغرب فجرى تشييد عدد من الكنائس على اسم القدّيس تيرسس، لا سيما في إسبانيا.
الطروبارية
+ شهداؤك يا ربُّ بجهادهم، نالوا منك الأكاليل غير البالية يا إلهنا، لأنهم أحرزوا قوّتك فحطّموا المغتصبين، وسحقوا بأس الشياطين الّتي لا قوَّة لها. فبتوسّلاتهم أيّها المسيح الإله خلّص نفوسنا.
القدّيس غفرائيل
القّديس غفرائيل كان رئيس اساقفة صربيا في زمانه. شعبه كان في ضيق عظيم بسبب الإستعمار التركيّ. اقتصاد البلد كان محطّمًا. حاول غفرائيل أن يستنهض الهمم. أحبّه الشعب حبًّا جمًّا. اضطرته الحاجة إلى التماس العون من روسيا وفلاخيا. أذن له الأتراك بالسفر وفي نيّتهم أن يضعوا يدهم على الكنيسة عبر أحد الأكليريكيين الوصوليين، مكسيموس. طالت غيبة غفرائيل. لما عاد وجد أن مكسيموس أعلن نفسه رئيس أساقفة بدلاً منه. لجأ إلى المحاكم ولجأ إلى الشعب ولكن على غير طائل. اتهمه مكسيموس لدى الأتراك بإثارة الشعب ضدهم، كما اتهم بالخيانة، أودعه الأتراك السجن. عرضوا إطلاق سبيله إن قبل الإسلام فلم يقبل. بقي أمينًا لمسيحه وكنيسته. جرى شنقه في بروسّا في العام 1659م.
القدّيسة لوكيا البتول
وُلدت القديسة لوسيا (أو لوسي، ويعني اسمها نور أو منيرة) في سيراكوزا بصقلية في نهاية القرن الثالث الميلادي، وكان والداها من أغنياء المدينة الأتقياء، وقد ربياها تربية مسيحية حقة وعلماها الصلاة والتسبيح ومطالعة الكتاب المقدس والتمتع بحياة الروح والذهاب إلى الكنيسة كل يوم أحد والتناول من جسد الرب ودمه الأقدسين. رغبة والدتها في تزويجها تربت لوسيا في حرارة العبادة والاحتشام، وعندما مات والدها وهي في السادسة من عمرها اختارت لها أمها أوتيكا عريسًا شابًا ذا أخلاق حميدة غير أنه كان وثنيًا، وظنت أنه لابد أن يصير مسيحيًا بمعاشرته للوسيا. لما شعرت القديسة بنية والدتها طلبت منها أن تؤخر الأمر وتدعها بضع سنين حتى تقرر أمرها، فوافقت الأم إلا أن الشاب أخذ يلح عليهًا مرارًا بينما كانت لوسيا تصلي ليلاً ونهارًا بدموع لكي ينقذها السيد المسيح من هذه التجربة. وبعد مدة مرضت الأم فتشفعت القديسة لوسيا لدى القديسة أغاثي التي ظهرت لها في حلم، وقالت لها أن تطلب من رب المجد فيستجيب لطِلبتها، وفعلاً قامت وصلَّت صلاة حارة فشفيت والدتها ووعدتها بأنها لن ترغمها على الزواج من ذلك الشاب الوثني. فقأ عينيها وقامت الأم وابنتها ببيع ممتلكاتهما للتصدق على الفقراء، إلا أن الشاب وشى بهما لدى الحاكم بسكاسيوس، فأرسل وقبض على لوسيا وأخذ يلاحقها تارة ويعذبها تارة أخرى حتى أمر الشرير بإرسالها إلى بيت الخطية لأنه كان معجبًا بعينيها مراودًا إياها لفعل الخطية. رفعت البتول يديها إلى السماء مستغيثة بالسيد المسيح له المجد ثم اقتلعت عينيها وألقتهما في وجه الحاكم، حينئذ ظهر لها رب المجد وجعلها تثبت في مكانها كالصخرة حتى عجز الجنود عن أن يزحزحونها من مكانها، فربطوها بحبال وأخذوا يشدونها من مكانها حتى خارت قواهم. وعندما ألقوها في النار كانت تصلي لوسيا للرب يسوع وخرجت معافاة، فأمر الحاكم بضرب عنقها بالسيف ولكن الضربة لم تكن كافية لفصل رأسها عن جسدها فلم تمت القديسة حالاً، فأخذها المؤمنون إلى بيت قريب وأحضروا لها القربان المقدس فتناولت منه ثم رقدت بسلام وكان ذلك في 13 ديسمبر. منذ بداية القرن الرابع والتقليد المسيحي الغربي يتخذ من القديسة لوسيا الشهيدة شفيعة للمكفوفين وضعاف البصر وترسم صورتها دائمًا وهي حاملة عينيها في طبق.
القدّيسون الشهداء افستراتيوس وافكسنديوس وافجانيوس ومرداريوس واوريستوس
عاش هؤلاء القدّيسون الخمسة واستشهدوا في أرمينيا، وقد بذلوا دماءهم تمسكا بالإيمان بالرب يسوع المسيح في زمن الأمبراطورين الرومانيين ذيوكليسيانوس ومكسيميانوس حوالي العام 305 للميلاد.
أما أفستراتيوس فكان من مدينة تدعى أروركا، لكنه كان سكن في مدينة ساتالا. كان ين
تمي إلى الأرستقراطية وكان لامعا . شغل مناصب هامة في المدينة وكان مسيحيا، لكنه لم يكن قد جاهر بمسيحيته إلى ذلك الوقت. أسبابه تبقى ملكا له. ربما لم تكن ساعته قد جاءت بعد. فلما حمل الحكام بضراوة على المسيحيين وجرى القبض على عدد منهم في ساتالا حيث ضربوا وعذبوا وسجنوا، صدمت أفستراتيوس جهادات المعترفين المباركة فاشتهى، هو أيضا، ان يكون له نصيب في الشهادة لاسم الرب يسوع. لكن كانت الشجاعة تنقصه وخشي أن تخور عزيمته تحت وطأة التعذيب متى حلّت الساعة. كان بحاجة لعلامة، لتثبت، لعون القائل :”بدوني لا تستطيعون أن تفعلوا شيئا”. وإذ راودته شتى الأفكار خطر بباله أن يستطلع مشيئة الله على النحو التالي : أوفد أحد خدّامه حاملا السير خاصته، وهو علامة رفعته، إلى الكنيسة وأوصاه أن يضعه على المذبح ثم يتنحى جانبا ويلاحظ من يأتي أولا ويأخذه. وقد جعل أفستراتيوس في قلبه أنه إذا كان هذا الإنسان أفكسنديوس الكاهن تكون هذه علامة من الله أنه يدعوه إلى الشهادة. وبالفعل تمّم الخادم ما طلبه منه سيّده وعاد إليه قائلا :”هو أفكسنديوس الكاهن !” فتشدّد أفستراسيوس وزال من أفق نفسه كل أثر للخوف والتردّد.
لم يفكّر للحظة أن ما حدث حدث بالصدفة. والرب الإله ثبّت عزمه. من تلك الساعة أخذ يعدّ العدّة للدخول في ساحة الجهاد. ماذا فعل؟ أعدّ مأدبة فاخرة دعا إليها أقرباءه وأصدقاءه، وفي أثنائها أعلن لهم بفرح كبير أنه على وشك أن يتلقى كنزا لا يبلى. لا هو أفصح، كما يبدو، ولا المدعوون فهموا ولو تظاهروا، من باب اللياقة، بمشاركته الفرح .
وحلّ اليوم التالي .
كان ليسياس، آمر المدينة، مزمعا أن يوقف السجناء المسيحييّن أمامه ليحاكمهم. فما أن فتحت الجلسة حتى تقدّم أفستراتيوس وأعلن أنه مسيحي، ثم طالب الإنضمام إلى مصف الموقوفين. فبدا ليسياس للحظات كأنه أخذ على غفلة وارتبك، لا سيما وأفستراتيوس معروف جدا في قومه، لكنه سرعان ما تملّك نفسه واستعاد المبادرة ليأمر الجند بتجريد المعترف من إشارات مهامه الرسمية وتعريته وجلده قبل استجوابه. وبعدما فعلوا علّقوه بالحبال فوق جمر النار وأشبعوه ضربا وحشيا. كل هذا وافستراتيوس غير مبال بما أنزلوه به، كأننا بالتعذيب كان يطال آخرا سواه ولا يطاله. وعلى غير ذلك ما كان متوقعا. وجّه القدّيس كلامه إلى الحاكم شاكرا معلنا أنه “الآن علمت أني هيكل الله والروح القدس ساكن فيّ !”فاغتاظ ليسياس وأمر بفرك جراحه بالملح والخل ففعلوا فلم يجدهم الإمعان في التعذيب نفعا، لا بل قيل إنه ما أمن حلّ المساء حتى التأمت جراح رجل الله إلتئاما عجيبا.
وفيما كان أفستراتيوس في خضم الجهاد بجانب سائر المعترفين اهتزت نفس أفجانيوس الضابط فيه لعذاباتهم فطفر نحو الحاكم وطلب الإنضمام إلى الموقوفين لأنه هو أيضا مسيحي.
وكان مساء وكان صباح يوما واحدا.
في صبيحة اليوم التالي، أخرج الجنود الموقوفين من السجن واقتادوهم سيرا على الأقدام إلى مدينة نيقوبوليس. وإذ رغب ليسياس في أن يسخر من أفستراتيوس، “أكرمه” بأن جعل في رجليه حذاء مزروعا بالمسامير.
يومان مضنيان قضاهما المجاهدون في سيرهما إلى نيقوبوليس. وفي الطريق إلى هناك، كان لا بدّ للمشاة وآسريهم أن يمرّوا بأروراكا، مسقط رأس أفستراتيوس، فتعرّف على هذا الأخير مواطن له إسمه مرداريوس فاعتراه الذهول لمنظره واهتزّت نفسه فيه لأنه أكبر فعلة هذا الرجل وتخلّيه عن مجد العالم ومتعته. وإذ تحرّكت الغيرة على الإيمان في نفسه وزكّتها زوجته قرّر، لتوّه، الإلتحاق بتلامذة المسيح هؤلاء المساقين إلى الموت. الفرصة الآن لاحت، كيف يفوّتها؟! فقام للحال وودّع أمرأته وقبّل ابنتيه الصغيرتين ووكل عائلته إلى واحد من معارفه الطيّبين، ثم أسرع فانضم إلى قافلة الشهداء.
وأوقف المجاهدون أمام الحاكم من جديد.
كان أول الماثلين أفكسنديوس الكاهن. سؤال سؤالا أو أثنين، ثم إقتيد إلى غابة منعزلة. هناك عمد جلاّدوه إلى قطع رأسه، ثم أخفوا الرأس بين الشجر الكثيف وطرحوا الجسد طعمة للحيوانات المفترسة. لكن بعض المسيحيّين الأتقياء تسلّلوا إلى هناك فأخذوا الجسد وبحثواعن الرأس فدلهّم عليه أحد الغربان فالتقطوه وانصرفوا.
بعد أفكسنديوس كان مراد مرداريوس. لم يكن لنرداريوس غير جواب واحد على كل الأسئلة الموجهّة إليه :”أنا مسيحي !” فأمر الحاكم بتثبيت يديه ورجليه بأوتاد إلى خشبة وقلبت الخشبة فصار رأسه متجها إلى أسفل ورجلاه إلى أعلى، وأشار بضربه حتى الموت بقضبان معدنية محمّاة. وقبل أن يلفظ الشهيد أنفاسه الأخيرة، خرجت من فمه، على ما قيل، صلاة ما زالت كنيستنا تردّدها إلى اليوم في خدمة نصف الليل والساعة الثالثة وصلاة النوم الكبرى، والصلاة هي التالية:
“أيها السيد الإله الآب الضابط الكل، والرب الإبن الوحيد يسوع المسيح والروح القدس، اللاهوت الواحد والقوّة الواحدة، ارحمني أنا الخاطىء، وبأحكام تعلم بها خلّصني أنا عبدك غير المستحق، فإنك مبارك إلى دهر الداهرين آمين “.
ثم بعد مرداريوس أوقف أفجانيوس.
تكلم أفجانيوس بلهجة ثابتة واثقة فازداد الحاكم حقدا واشتدّ حماقة وغيظا. فأوعز إلى جنده بقطع لسانه وبتر يديه ففعلوا. أما بقية جسده فأوسعوها ضربا وحطموا عظامه بقضبان من حديد، واستمروا كذلك إلى أن أسلم الشهيد نفسه قربانا بين يدي الله الحيّ.
ولما لم يشأ الحاكم ليسياس الإستمرار في عمليات تعذيب الموقوفين خشية إثارة حفيظة المسيحيين بعدما شعر بأنهم كثر في المدينة أمر بسوق أفستراتيوس وأوريستوس إلى سباسطيا المعروفة بشهدائها الأربعين ليمثلا أمام حاكمها أغريقولاوس. واستغرق الوصول إليها خمسة أيّام.
دخل أفستراتيوس في نقاش مع الحاكم ، وعبّر له عن عقم الأوثان وبطلان الفلسفة ، وكلّمه عن الله ، خالق السماء والأرض وعن الرب يسوع المسيح، فارتبك الحاكم لأنه لم يكن لديه ما يجيب به. فطلب منه الإمتثال لأوامر قيصر وتقديم العبادة لآلهته وإلا استأهل الموت، ولم يذعن أفستراتيوس له . لهذا السبب أمر الحاكم بتمديد أوريستوس على سرير حديدي محرق. إزاء تسارع الأحداث، اضطربت نفس المجنّد فشجعّه أفستراتيوس وثبّته، فأسلم أوريستوس الله أمره واستودعه روحه.اما أفستراتيوس فألقي في السجن إلى اليوم التالي علّه يتراجع. وقد ذكر أن القدّيس بلاسيوس، أسقف سبسطيا، تمكّن من التسلل إلى داخل السجن حيث قابل أفستراتيوس وعزّاه وشجّعه وأقام الخدمة الإلهية وناوله.
هذا وقد قضى القدّيس أفستراتيوس في آتون محمّى. باركه ودخل إليه على غرار الفتية الثلاثة القدّيسين.
الطروبارية
+ إنَّ جمعَ الشهداء المُخمَّسَ الشعاعْ، بمِشعل الجهادات العقلية، أشرق عقلياً للمسكونة كلِّها، أعني إفستراتيوس وإفكسنديوس الإلهي مع أريستس ومرداريوس وإفجانيوس، الذين نمدحهم نحن المؤمنينَ قائلين: إفرحوا أيها الشهداء، ألجمع المُخمَّسُ بالعدد.
+ لقد لبستِ ثوب البتولية الفائق اللمعان، وخطبتِ المسيح معطي الحياة بكلِّ طهارةٍ فتركتِ محبَّة الخطيب الأرضي. لذلك كهدايا عرسية قَدَّمتِ له مجاري دمائك يا لوكيا الشهيدة البتول، فتشفَّعي أيضاً من أجلنا كلِّنا
القدّيس اسبيريدون العجائبي أسقف تريميثوس
وُلد القدّيس اسبيريدون وعاش في جزيرة قبرص، احترف رعاية الأغنام وكان على جانب كبير من البساطة ونقاوة القلب. وإذ كان محبا لله، نما في حياة الفضيلة، محبة للقريب ووداعة وخفرا وإحسانا واستضافة للغرباء. كل من أتى إليه زائرا كان يستقبله. على غرار إبراهيم خليل الله، وكأنه المسيح نفسه. الإنجيل بالنسبة إليه، كان سيرة حياته لا كلاما إلهيا وحسب. كان لا يرد محتاجا كان يجد عنده تعزية ولو يسيرة. قيل إنه اعتاد أن يستودع نقوده صندوقا مفتوحا وكان لكل محتاج وصول إليه. لم يهتمّ أبدا بما إذا كان صندوقه فارغا أو ممتلئا. هذا في نظره كان شأن ربّه. هو المعطي في كل حال ونعم الوكيل !كما لم يكن يسمح لنفسه بالحكم على المقبلين إليه إذا كانوا محتاجين بالفعل ام لا، مستحقين أو غير مستحقين.
هذا وتفيد الشهادات أن القدّيس إسبيريدون تزوّج ورزق ابنة وحيدة اسمها سلام (ايريني). فأما زوجته فرقدت بعد سنوات قليلة من زواجه واما ابنته فتبتّلت إلى أن رقدت في الرب وأبوها حي يرزق.
يذكر، وفق ما اورد سوزومينوس، انه كان للقدّيس عادة ان يمسك وعائلته عن الطعام أياما في الصوم الفصحّي ولا يتناول منه شيئا. وقد كان يحدث أن يمرّ به غريب أضنتّه أتعاب السفر، فكان رجل الله يستضيفه برأفة وفرح ويعدّ له طعاما يتقوى به. وإذا لفته الضيف إلى أنه مسيحي وأن عليه أن يحفظ الصيام كان القدّيس يخفّف عنه مؤكدا أنه ليس في الطعام ما ينجّس وأن للصوم أستثناء.
ذاع أسم القدّيس اسبيريدون في قبرص ذيوعا كبيرا. فلما رقد أسقف تريميثوس، المدينة الصغيرة القريبة من السلامية، عند شاطىء البحر، وقع اختيار المؤمنين بالإجماع عليه رغم أن ثقافته بالكتب كانت متواضعة. ولم تغيّر الأسقفية من طريقة عيش القديس شيئا لأنه أستمرّ راعيا للأغنام، فقير اللباس، لا يمتطي دابة بل يسير على قدميه، ويعمل في الفلاحة. لكنه، منذ أن تسقّف، التزم مهامه الرعائية بجد كبير ومواظبة وإخلاص.
كانت أبرشيته صغيرة جدا والمؤمنين فقراء، لكنهم غيارى على الإيمان. لم يكن في المدينة الصغيرة من الوثنيين غير قلة قليلة.
وقد جرى القدّيس على قسمة مداخيله إلى قسمين: قسم درج على إعطائه للفقراء، وقسم تركه لكنيسته وأهل بيته وإقراض الناس. لم يعتد أن يحمل همّ الغد. يكفي اليوم شرّه ويرسل الله غدا ما لا تعلمون! هذا كان عنوانه في تعاطيه والمحتاجين.
لما أثار الأمبراطور الروماني مكسيميانوس غاليريوس اضطهادا على المسيحيين لحق القدّيس اسبيريدون نصيب منه. فقد ذكر أنه نتيجة اعترافه بالمسيح فقد عينه اليمنى وقطع المضطهدون أوصال يده اليسرى وحكموا عليه بالأشغال الشاقة في المناجم.
لم تكن العلوم الإنسانية مألوفة لقدّيس الله لكنه كان يعرف الكتاب المقدّس جيدا. وإذ حدث، مرة، أن ألتقى أساقفة قبرص معا قام فيهم ترفيلوس، أسقف “لادري”، واعظا، تريفيلوس، حسبما أورد القدّيس إيرونيموس، كان أبلغ خطباء زمانه. فلما عبر بالقولة الكتابية” قم احمل سريرك وامش” استعمل عوض لفظة “سرير” الكتابية باليونانية لفظة أخرى متأنقة لعله حسبها أفصح من الأولى وأدق وأوفق. فاستهجن قدّيس الله فعلته وان يظن أنه يضيف بذلك نعمة إلى بساطة الكلام الإنجيلي فوقف سائلا معترضا إذا كان الواعظ يعرف اللفظة الموافقة أكثر من الرسول نفسه، صاحب الإنجيل؟
ثم قيل إن القدّيس اسبيريدون اشترك في المجمع المسكوني الأول الذي انعقد في مدينة نيقية،سنة 325 م، بناء لدعوة قسطنطين الملك. فلما حضر كان بهيئة راعي غنم وله صوف الخروف على كتفه، بعين واحدة ويده اليسرى ملتوية ولحيته بيضاء ووجهه مضيء وقوامه قوام رجل صلب على بساطة أخّاذة، فلم يكن من الأمبراطور والموجودين إلا أن وقفوا له إجلالا بصورة عفوية.
وقد جاء في التراث أن القدّيس اسبيريدون أفحم أحد الفلاسفة الآريوسيين في المجمع . لم يفحمه بقوة الكلام بل بالبساطة وبرهان الروح القدس فيه. وكان من نتيجة ذلك أن عاد الآريوسي عن ضلاله.
قرابة ذلك الوقت رقدت ا بنته سلام (إيريني). وكان أحد العامة قد استودعها غرضا جزيل القيمة، ربما كان ذهبا، فخبّأته في مكان آمن لا يدري به أحد غيرها، فلما كاشف الرجل قدّيس الله بالأمر فتّش له عنه فلم يجده. وإذ كان العامي حزينا وبدا في حال التأثر العميق، تحرّك قلب القدّيس شفقة عليه فذهب، وفق شهادة المؤرخين الكنسيّين سقراط وسوزومينوس، إلى قبر ابنته ودعاها بالإسم وسألها عن المكان الذي خبأت فيه الأمانة. فأجابته ودلتّه على المكان بدقّة. فذهبوا وفتّشوا فوجدوه حيث قالت لهم.
هذا وتنسب للقدّيس اسبيريدون عجائب كثيرة قيل إنه أجترحها وأستأهل بسببها لقب “العجائبي”.
رقد القدّيس في الرب في اليوم الثاني عشر من شهر كانون الأول من السنة الميلادية 348 .كان قد بلغ من العمر ثمانية وسبعين عاما. آخر ما يذكر التاريخ أنه اشترك، سنة 347 م، في مجمع سرديكا دفاعا عن القدّيس أثناسيوس الكبير هذا وتستقر رفات القدّيس اليوم في جزيرة كورفو اليونانية. جسده لم ينحل إلى اليوم. بقي في قبرص حتى القرن السابع الميلادي، ثم إثر الفتح العربي جرى نقله إلى مدينة القسطنطينية حيث أودع كنيسة قريبة من الكنيسة الكبرى. وفي العام 1456 م تمّ نقله خفية إلى جزيرة كورفو بعدما سقطت القسطنطينية في أيدي الأتراك. لقد كان جسد القدّيس وما زال إلى اليوم ينبوعا لأشفية كثيرة وهو شفيع كورفو حيث سجّل أنه أنقذ الجزيرة من وباء الكوليرا مرة، ومن الغزو الأجنبي مرة أخرى.
القدّيس البار يوحنا
تيتّم في الثانية من عمره، أنشأه عمّه على حبّ الفضيلة والحياة الملائكيّة. عمّه، يوانيكيوس، كان راهبًا. سيم كاهنًا ثم أختير أسقفًا على زيخنا في مقدونيا الشرقية. تخلّى عن الأسقفيّة وانصرف إلى الحياة الرهبانيّة إثر وفاة عمّه، رأس ديرًا على اسم السابق المجيد. رمّمه ووسّعه. جمع بين حياة النسك ورعاية رهبانه. ساسهم بالحكمة والدراية في كلّ أحكام الحياة الرهبانيّة. رقد بسلام في الربّ.
القدّيس ألكسندروس
ولد القّديس ألكسندروس في بلاد كبادوك وتتلّمذ في مدرسة الإسكندرية لبندينوس وكليمنضوس. لدى عودته إلى بلاده جاهر بالمسيح فأودع السجن أيام الأمبرطور الروماني سبتيموس ساويروس سنة 202م. قيل إنّه تسقّف على إحدى أبرشيات الكبادوك، ربما قيصرية . حجّ قرابة العام 212م إلى الأرض المقدّسة. ألزمه المسيحيّون هناك بالبقاء فيها مساعدًا لأسقفهم المحلي المسنّ، نركيسوسز تكرّس بعد استشهاد نركيسوس أسقفًا لأورشليم. لعب دورًا بارزًا في ترسيخ السلام بين الكنائس وتثبيت الإيمانز اسّس مدرسة استقطبت يومذاك عددًا من المعلمين المسيحيين البارزين. كما أسّس مكتبة اعتبرت هامة استفاد منها أفسافيوس القيصري في وضع تاريخه الكنسيّ. قُبض عليه إثر الهجمة على المسيحيين في زمن داكيوس قيصر. عّذّب وسجن ثم أُلقي للوحوش. هتف بإزاء الوحوش: “إذا شئت يا ربّ أن أموت الآن فلتكن مشيئتك”. فجأة استكانت الوحوش وجاءت تلحس قدميه. ألقي في السجن من جديد إلى أن رقد بسلام في العام 251م.
الطروبارية
+ لقد زكَّيت بالإيمان الآباء القدماء، وبهم سبقتَ فخطبتَ البيعة التي من الأمم، فليفتخر القديسون بالمجد، لأن من زرعهم أينع ثمر حسيب، وهو التي ولدنكَ بغير زرعٍ، فبتوسلاتهم أيها المسيح الإله ارحمنا.
+ قد ظهرت عن المجمع الأول مناضلاً، وللعجائب صانعاً، يا أبانا سبيريدونوس المتوشح بالله. فلذلك خاطبت الميتة في اللَّحد، وحوَّلت حيَّةً إلى ذهب. وعند ترتيل الصلوات المقدَّسة، كانت الملائكة شركاء لك في الخدمة أيها الكلِّي الطهر. فالمجد للَّذي مجَّدكْ، المجد للَّذي توَّجكْ، المجد للصانع بك الأشفية للجميع.
القدّيس نيقون الكييفي
كان راهبًا، وقع في أيدي التتار. جاء ذووه بمال جزيل ليفتدوه فقال لهم: “لا تضيّعوا مالكم عبثًا، لو شاء الربّ الإله أن أكون طليقًا لما أسلمني لأيدي الأشرار”. فانصرف ذووه خائبين وأمّا التتري الذي كان قابضًا عليه غضب لأنّه أفسد عليه فرصة الربح فصار يعذّبه دون هوادة، طيلة ثلاث سنوات.
خشي التتري على نيقون أن يهرب فقطع له أوتار رجليه ليمنعه من الركض وجعله تحت الحراسة. بعد ذلك بيومين كان آسروه جالسين بقربه والسلاح بأيديهم، فجأة، عند الساعة السادسة، اختفى من أمامهم وسمعوا صوتًا يقول: “سبحوا الربّ من السموات”، وإذ به يحطّ في كنيسة القدّيسة والدة الإله، في دير المغاور في كييف، تمامًا فيما كان الرهبان يقيمون الذبيحة الإلهيّة، ركض الجميع إليه وسألوه كيق جاء إليهم، فلم يجبهم. عاينوا الحديد في رجليه وعاينوا جراحه، وأخيرًا كشف لهم حقيقة أمره. لم يسمح لهم بنزع السلاسل إلا بعد إصرار. بعد أيام حضر التتري آسره إلى كييف لترتيب معاهدة سلام مع الحكّام فيها. وبعدما تمّ له ما أراد جاء إلى دير المغاور فوجد نيقون هناك فارتجّت نفسه واخبر بكلّ ما كان له معه. اهتدى واعتمد هو وعائلته وترهّب، وسلك بالتوبة متتلمّذًا لنيقون، وجعل نفسه عبدًا له بملء إرادته إلى أن رقد بسلام. كان نيقون إنسانًا رؤيويًّا وصانع عجائب، رقد بسلام في 11 كانون الأول سنة 1101م. وقد دعي ڊ”اليابس” لهزالة جسده ونقصان دمه، فأضحى كالعود اليابس.
القدّيس البار دانيال العمودي العجائبي
وُلد القدّيس دانيال العمودي سنة 409 م. ترهّب في سن الثانية عشرة. أمضى خمسة وعشرين عاما في الحياة الديرية. تنقّل بين أبرز نسّاك زمانه على مدى خمس سنوات. في سن الثانية والأربعين استقر في القسطنطينية.
أقام حبيسا في هيكل سابق للأوثان تسع سنوات. في سن الحادية والخمسين صعد على العمود. عاش عموديا بقية حياته. رقد في الرابعة والثمانين وثلاثة أشهر سنة 492 م.
اسم أبيه إيليا واسم أمهّ مرتا. هذان كانا من قرية صغيرة تدعى ميراثا في أرض سميساط من بلاد ما بين النهرين. كان أبواه سريانيين وكانت أنه عاقرا. زوجها والعشيرة كانوا يعيّرونها ومرتا كانت في مرارة النفس كل يوم من أيام عقرها.
مرة، في نصف الليل، خرجت من الدار وزوجها نائم، فبسطت ذراعيها إلى السماء وصلّت بحرارة ومرارة قلب ودموع :” أيها الرب يسوع المسيح، يا طويل الأناة على خطايا الناس. يا من خلق المرأة، في البدء، لتكاثر جنس البشر. أنت أرفع عنّي العار وامنحني ثمرة البطن لأقدّمه إليك، أنت سيد الخليقة “.
ولم تنقض أيام كثيرة حتى حبلت مرتا وأنجبت، في زمن الولادة، صبيا هو قديسنا، صاحب هذه السيرة.
لا نعرف بأي، أسم كان أبواه يدعوانه إلى سن الخامسة. في الخامسة أخذاه إلى دير في جوار القرية وقربّا عنه تقدمات من ثمار الحقل. سأل رئيس الدير والديه :” ما اسم الصبي؟ فذكرا إسما لم يحفظه التاريخ، فلم يرق له بل قال :” لا ، بل يسمى بالإسم الذي سوف يكشفه الله لنا”. على الأثر وجّه الرئيس كلامه إلى الصبي قائلا :” أذهب يا بني ، إلى الطاولة، هناك، وأتني بكتاب!” الطاولة كانت مقابل الهيكل وكانت عليها كتب مختلفة لاستعمال الرهبان. فركض الصبي وأمسك بأحد الكتب وعاد فإذا به نبوءة دانيال فدعي الصبي باسم نبي الله .
ورغب والدا دانيال إلى الرئيس أن يقيم الصبي عنده لأنه نذير للرب فلم يشأ.ولعلّ والديه أحبّا أن يفعلا بابنهما ما فعلته أم صموئيل بولدها (صموئيل 1 -2 )، ولكن لم تكن ساعته قد حانت بعد.
عاش الصبي في كنف والديه إلى سن الثانية عشرة. فلما سمع أمه تقول له، مرة :”يا بني، أنت نذير للرب. أنا نذرتك إليه”، قام فخرج من القرية دون أن يعلم أحد بأمره، وتوجهّ إلى دير يبعد عن القرية مسافة ستة عشر كيلومترا، فلما فتحوا له ووقف أما رئيس الدير ارتمى عند قدميه ورجاء أن يقبله في عداد رهبانه. كان في الدير خمسون راهبا. فتحفّظ الرئيس لأن دانيال كان صغير السن ولا طاقة له على احتمال قسوة الحياة الرهبانية. وإذ حاول صرفه واعدا إياه بأن يقبله في المستقبل متى أشتّد عوده، أجاب دانيال بإصرار :” خير لي أن أموت، يا أبتي، وأنا أكابد أتعاب الرهبنة من أن افارق الدير”.ولما لم يجد رئيس الدير سبيلا إلى إقناع الصبي بالعودة إلى بيته ولمس فيه رغبة جامحة لأقتبال الحياة الملائكية رضخ وقبله.
ولم يطل الزمان حتى اكتشف أبواه أنه في الدير، فماذا كان رد فعلهما؟ فرحا جدا وشكرا لله على تحننه على الصبي وعليهما ورجيا رئيس الدير أن يلبسه ثوب الرهبنة بسرعة لأنه لم يكن قد فعل إلى ذلك الوقت. فما كان من الرئيس سوى أن أرسل في طلب دانيال وسأله إذا كان يرغب في لبس الثوب الرهباني أم يفضّل تأجيل ذلك إلى ما بعد، فأجاب الصبي :” اليوم قبل الغد يا أبتي!”. لكني أخاف عليك يا بني لأن نظام حياتنا قاس!”. أنا أعلم أني صغير السن وضعيف لكني أثق بالله وبصلواتك أن من يقبل نيّاتنا هو يقوينا !”.
ولبس دانيال ثوب الرهبنة وانصرف والداه بعدما أوصاهما رئيس الدير بألا يزوراه إلا قليلا لئلا يعثراه ويجرحا سعيه الرهباني من حيث لا يدريان لأن الشيطان يستغل زيارات الأهل ليشوّق الراهب، وهو في التعب والجهاد، للعودة إلى العالم.
دانيال راهبا
أحرز دانيال تقدما كبير في أتعاب النسك زالصلاة. وكان رئيس الدير شغوفا به لا يكفّ عن مدحه. والرهبان ايضا كانوا يتعجّبون ويتحّيرون وربما يغارون. كل هذا سبّب لدانيال ضيقا كبيرا ففكّر بمغادرة الدير وزيارة المدينة المقدّسة، أورشليم، وكذلك القدّيس سمعان العمودي الذي كان خبره على كل شفة ولسان.دانيال، من ناحيته، كان يشعر برغبة جامحة في نفسه إلى السير في خطى هذا القدّيس العظيم.
ولكن لم يشأ رئيس الدير أن يعطي دانيال البركة لإتمام قصده، فسكت وأسلم نفسه لله قائلا إذا شاء الرب أن أخرج إلى هناك فهو يجد الطريقة لتحقيق ذلك.
ولم يمض وقت طويل حتى استدعى رئيس أساقفة إنطاكية كافة رؤساء الأديرة في الكرسي الإنطاكي إليه للبحث في أمر يهمّهم.
خرج رؤساء أديار بلاد ما بين النهرين إلى إنطاكية، لهذا الغرض، وكان بيتهم رئيس الدير الذي كان دانيال المغبوط نازلا فيه. ولحسن التدبير الإلهي أن رئيس الدير اصطحب دانيال مرافقا له في سفره.
اجتمع رؤساء الأديرة إلى رئيس أساقفة إنطاكية وحقّقوا الغاية التي دعوا من أجلها في وقت قصير. على الأثر قفل الجميع عائدين إلى ديره.
أما رؤساء أديرة ما بين النهرين فعادوا معا. وفي الطريق نزلوا في قرية اسمها تلانيسي كان فيها دير كبير جدا. الرهبان المسافرون ينزلون عادة في الأديرة التي يصادفونها. وكان القدّيس سمعان العمودي قد استقر في تلاسيني بعضا من الوقت، وفيها تدّرب على النسك. وكان موضع عموده بعيد عن المكان. وفي تلك الليلة التي نزل فيها القرية رؤساء “أديرة ما بين النهرين”، عرض الرهبان المحليّون لأخبار القدّيس سمعان، فما كان من الرؤساء الزائرين سوى أن استغربوا وأستهجنوا طريقة القدّيس سمعان وتكّلموا عليه بالسوء معتبرين نسكه ضربا من ضروب الإدعاء والمجد الباطل. ولكن أقنع رهبان الدير زوّارهم بأن يذهبو غدا إلى القدّيس سمعان وينظروا وبعد ذلك يحكمون.
خرج رؤساء الأديرة ومرافقوهم، وفي اليوم التالي، لزيارة القدّيس سمعان على عموده. فما إن وصلوا حتى لاحظهم القدّيس فأشار إلى بعض تلاميذه أن يدنوا السلّم من العمود لكي يصعد إليه الشيوخ الزائرون لأنه أراد أن يقبّلهم قبلة المحبة. كان الوقت صيفا والحر شديدا والمكان قفرا فتعجّب الشيوخ لا سيما وقد رأوا صبر القدّيس وترحيبه بالغرباء. لكنهم لم يشاؤوا أن يصعدوا إليه لأن قلوبهم نخستهم وشعروا بأنهم أساؤوا لأنهم ظنّوا في القدّيس سوءا، فقالوا :” كيف نصعد إلى رجل الله لنقبّله بشفاهنا التي تكلّمت عليه بالسوء؟!”لذلك تذرّع بعضهم بالشيخوخة وبعضهم بالمرض وبعضهم بالضعف ولم يصعد إليه أحد منهم. أما دانيال فتوسّل إلى رئيسه أن يسمح له بالتبرّك من القدّيس فسمح له. فلما صعد إليه باركه سمعان وسأله :” ما أسمك؟ فأجاب :” دانيال!” فقال له : “كن رجلا يا دانيال ! تقوّ واحتمل فإن مشقّات كثيرة بانتظارك. لكني أثق بالله الذي أنا خادمه أنه سوف يقويّك
ويكون رفيق دربك ! “ثم وضع يده على رأسه وصلّى وباركه وصرفه.
إلى أرض جديدة
بعد ذلك بزمن رقد رئيس الدير وأختير دانيال ليأحذ مكانه. لا نعلم كم بقي رئيسا. جلّ ما نعرفه أنه أخذ يعدّ العدة. منذ وقت مبكّر، لمغادرة الدير لأن رغبة قلبه كانت أن يتحول إلى حياة النسك. لهذا السبب عيّن الثاني بعده في الدير رئيسا وارتحل. توقف دانيال عند القدّيس سمعان أسبوعين وتبرّك منه. ثم إذ كان في نيّته أن يزور كنيسة القيامة في أورشليم لينصرف بعد ذلك إلى الصحراء الداخلية سلك الطريق إلى فلسطين.
لكنه فيما كان جادا في التوجه إلى هناك سمع أن الطريق خطرة لأنها تمر في النواحي التي يقيم فيها السامريون، وهؤلاء كانوا في ثورة ضدّ المسيحيين. ففكر دانيال في نفسه ما عساه يفعل. لم يشلأ أن بزغزغ نيّته، لذا قال حتى ولو متّ لا أتراجع لأنه شيء عظيم أن يموت الإنسان من أجل إيمانه بالرب يسوع.
وانتصف النهار ودانيال غارق في أفكاره. وإذا برلهب وقور كثيف الشعر يقترب منه. فتطلع دانيال إليه فرآه على هيئة القدّيس سمعان نفسه، فسأله الشيخ :” إلى أين أنت ذاهب يا بني؟ أجاب :” إلى الأرض المقدّسة، إن شاء الله! قال :” حسنا قلت إن شاء الله! ألم تسمع بأخبار المتاعب في فلسطين؟” أجاب :” بلى، لكن الرب معيني، لذا أرجو أن أعبر بسلام. حتى ولو كان عليّ أن أكابد الآلام فلا بأس لأنّا لله، وإن متّنا فإليه راجعون”. فحاول الشيخ أن يثنيه عن عزمه فلم يقتنع. فغضب وأشاح بوجهه عنه قائلا :” لست أطيق مجادلتك. ليست من عاداتنا! فسأله دانيال :” بمّ تنصحني أنت يا أبتي؟ أجاب :” بأن تذهب إلى القسطنطينية. هناك تجد مبتغاك، والرب الإله يرعاك!” عند هذا الحدّ من الكلام بلغ الرهبان ديرا وكان النهار قد أمسى، فسأل دانيال الشيخ أنبيت في هذا الموضع ؟ أجاب :” أجل! أدخل أنت أولا وأنا أتبعك! ” فدخل دانيال وانتظر فلم يوافه الشيخ. فخرج وبحث عنه فلم يجده. وسأل عنه فلم يقل له أحد إنه رآه. فتحيّر دانيال وأخذ يضرب أخماسا بأسداس.
بات دانيال ليلته في الدير. وفي نصف الليل إذ كان الجميع نياما جاء الشيخ في رؤيا وقال لدانيال :” اعمل ما أوصيتك به! ” ثم فارقه.
وفي اليوم التالي تساءل دانيال :” من يكون هذا الشيخ؟ أملاكا أم إنسانا ؟!” ولما لم يجد جوابا وجّه طرفه ناحية القسطنطينية وارتحل.
في ناحية أنابلوس
وصل دانيال إلى القسطنطينية فنزل في ناحية أنابلوس في كنيسة صغيرة تحمل أسم رئيس الملائكة ميخائيل. وأقام هناك إلى أن سمع ذات يوم قوما يتجاذبون أطراف الحديث باللغة السريانية، ففهم أن في الجوار هيكلا تسكنه الشياطين وهي تتسبّب في ترويع الناس وقد غرقت سفن بسببها، وبسببها تأذى الكثيرون حتى لم يعد إنسان يجرؤ علىالمرور من هناك. فاستفسر دانيال عن الموضع فدلّوه عليه، فلما بلغ دخل وهو يردّد المزمور القائل :” الرب نوري ومخلّصي ممن أخاف. الرب عاضد حياتي ممن أجزع؟”. وإذ أمسك بصليب كان في حوزته جال بالمكان وأخذ يسجد عند كل زاوية من زواياه مصليا.
وأسدل الليل ستاره.
واشتدّت العتمة ودانيال داخل الهيكل يصّلي، فإذا بحجارة تتساقط في المكان من حوله، وصخب كأنه لجمهور، يطرقون ويضجّون، ولكن لم يعترض أحد دانيال بأذى.
وانقضت الليلة الأولى وكذلك الثانية على هذه الحال دون أن يذوق القادم الجديد طعم النوم.
وفي الليلة الثالثة غفا.
للحال تراءت له أشباح كثيرة لها أشكال عمالقة، واخذ بعضها يقول له :” من غرّك أن تأتي إلى هذا الموضع يا حقير؟ أتريد أن تهلك يا شقي؟! هيّا بنا نجرّره خارجا ونلقيه في الماء!”. آخرون حملوا حجارة كبيرة ووقفوا عند رأسه يرومون تهشيمه .
واستفاق رجل الله من دون أن يستبد به اضطراب وأخذ يطوف بزوايا الموضع من جديد يصلّي ويرتّل ويقول للأرواح الخبيثة :” أخرجي من ههنا والا ألتهمتك ألسنة اللهب بقوة الصليب المحيي وأجبرت على الفرار!” لكن اشتد هياج الأرواح الشرّيرة وعلا صياحها. فلم يعرها انتباها، بل ذهب وأقفل على نفسه في المكان وترك نافذة صغيرة في الباب يستطيع من خلالها أن يكلّم الناس، ثم انصرف إلى النسك والصلاة والسهر.
ولم يطل بدانيال الوقت في ذلك الموضع ختى عمّ صيته بين الناس، فأخذوا يتدفقون عليه ، رجالا ونساء وأطفالا. وكان الجميع يتعجّبون ويقولون : انظروا كم أضحى هذا المكان هادئا! بعد أن كان مرقصا للأبالسة صار، بفضل صبر رجل الله هذا، مكانا يتمجّد فيه اسم الله ليل نهار.
عملاء الحسد
وكان على كنيسة رئيس الملائكة ميخائيل ععدا من الكهنة السذّج. هؤلاء حرك الأبالسة فيهم روح الحسد فجاءهم فكر يقول لهم :” ليس حسنا أن تتركوا الرجل يقيم ههنا. ها قد ذهب إليه العالم كله وأنتم متروكون ولا ما تعملون !” فاهتاج الكهنة وذهبوا إلى المدينة واشتكوا قائلين :” ها قد اتى إلينا رجل لا نعرف أصله، أقفل على نفسه بالقرب من كنيستنا، وجذب الكثيرين إليه، رغم كونه رجلا هرطوقيا، وهو سرياني اللسان ولا نعرف كيف نكلّمه !” فأجابهم الأسقف، وهو أناطوليوس البطريرك (449 -458 م) قائلا :” إذا كنتم لا تعرفون لغته ولا كلمتموه فكيف عرفتم أنه هرطوقي ! اتركوه بسلام، لأنه إذا كان من الله فسيثبت، وإذا لم يكن من الله فسينصرف عنكم من ذاته قبل ان تطردوه ! لا تكونوا عثرة لأحد ولا تتسبّبوا بفضيحة!” فعلى كلمة البطريرك عاد الكهنة إلى كنيستهم بسلام ولو إلى حين.ولكن لم تهدأ الأبالسة.
اجتمعت الأشباح على القدّيس من جديد بسيوف وهي تصرخ :” من أين جئت يا رجل. لأعط مكانا لنا لأنا نقيم في هذا الموضع من زمان، أم تريد أن نقطّع أطرافك تقطيعا؟!” ثم إذ دنت الشباح من القدّيس كلّم بعضها بعضا قائلا :” لا نقتلنّه بل نجرّرنه خارجا ونغرقنه في المياه كما أغرقنا السفينة !” ثم أخذت تتحرك من حوله كما لو كانت تريد الإمساك به وجرّه إلى الخارج بالفعل. فانتصب رجل الله وصلّى ثم قال للأبالسة :” الرب يسوع المسيح، مخلّصي، الذي وثقت وأثق به، هو يغرقّكم في أعماق الهاوية!”. ولما قال لهم هذا ولولوا بصوت عظيم وأخذوا يطيرون حول وجهه كأسراب الخفافيش، ثمأزّت أجنحتهم وخرجوا من النافذة الصغيرة خاسئين. ولم يستسلم الشيطان.
عاد إلى الكهنة، ضعاف النفوس، كهنه كنيسة رئيس الملائكة وأهاجهم من جديد فذهبوا إلى البطريرك وقالوا له :” ياسيد، إن لك سلطانا علينا! هذا الرجل المقيم في جوارنا لسنا نطيق بقاءه، فمّره أن يخرج من هنا لأنه دجّال!” فما كان من أناطوليوس البطريرك سوى أن أوفد ضابط الكنيسة العظمى برفقة شمامسة إلى القدّيس، فخاعوا الباب واقتادوه إلى البطريرك. فلما وقف القدّيس أمام البطريرك سأله هذا الأخير عن نفسه وعن إيمانه، ولما أجاب حسنا بوساطة مترجم، وقف أناطوليوس وعانقه وطلب منه أن يلازم الدار البطريركية إذ رأى فيه نعمة عظيمة.
ومرض البطريرك فطلب صلاة القدّيس، فصلّى لبقدّيس من أجله، وبنعمة الله شفاه. وإذ رغب البطريرك إلى رجل الله أن يقيم بجواره في أي دير يختاره لم يشأ بل قال :” إذا كنت تريد أن تسدي إليّ بخدمة فإني أسأل قداستك أن تعيدني إلى المكان الذي قادني الرب إليه أولا. فأمر البطريرك بإعادته إلى مكانه مكرما. أما الكهنة المفترون فشاء أن يلقي عليهم الحرم ولكن توسّط لديه القدّيس ورجاه ان يسامحهم. دامت إقامة دانيال في هيكل الأوثان تسع سنوات.
نحو السيرة العمودية
وحدث لخادم الله أن دخل مرة في عيبوبة وعاين عمودا شاهقا من سحاب السماء وعليه سمعان المغبوط محاطا بشبه ملاكين مجللّين بالبياض. وإذ بصوت سمعان يناديه قائلا له :” تعال إليّ يا دانيال !”. فأجاب :” يا أبي، يا أبي، كيف أقدر أن أرتقي إلى علوّك الشاهق؟ ” فأرسل سمعان الشابين قائلا لهما :” انحدرا وأتياني به!” فنزلا وأخذا دانيال ورفعاه إلى سمعان. فضمّه سمعان إلى صدره وقبّله قبلة مقدّسة. في تلك اللحظة بالذات، دعا آخرون سمعان للذهاب معهم فتبعهم فساروا به إلى السماء ودانيال وراءه على العمود مع الرجلين. وإذ بصوت سمعان يصدح في أذني دانيال :” اثبت وكن رجلا !” فكان الصوت في أذنيه كالرعد.
ولم تمض على تلك الرؤية أيام قليلة حتى وصل إلى القسطنطينية سرجيوس، أحد تلامذة سمعان، وأخبر عن رقاد معلمهز كان في حوزته معطف القدّيس الجلدي حمله بركة إلى لاون الأمبراطور. ولكن، حدث، بتدبير الله، أن الأمبراطور كان منهكا بشؤون الحكم فلم يتسنّ لسرجيوس مقابلته. وإذ انتظر طويلا على غير طائل قرّر الخروج إلى دير الذين لا ينامون. ولكن إذ كان على المسافرين إلى هناك أن يركبوا المياه، كان لا بد لهم أن يمروا بالقرب من أنابلوس. فلما بلغوا الموضع، سمع سرجيوس عن دانيال وكيف طرد الأبالسة التي اعتادت أن تروّع الناس وتغرق السفن العابرة في القناة، فتحرّك فلبه وسأل إذا كان بإمكانه أن ينزل إلى القدّيس ليتبرّك منه، فأجابه الجميع بالإيجاب لأنهم هم أيضا رغبوا في أخذ بركته.
ولما جاء سرجيوس إلى القدّيس استقبله هذا الأخير بالعناق، لا سيما بعدما عرف منه أنه تلميذ سمعان المغبوط.أخبره سرجيوس أن سمعان رقد، فردّ عليه دانيال بأن أطلعه على الرؤية التي كانت له. فتفرس سرجيوس فيه متعجبا ثم
قال له :” إذن إليك أرسلني الله لا إلى الأمبراطور !”. ثم أخرج المعطف الجدلدي وأعطاي إياه. فأخذه دانيال وضمّه إليه بدموع قائلا :” مبارك أنا يا الله، يا من تصنع كل شيء بحسب مشيئتك، يا من حسبتني في حقارتي أهلا للبركة التي حملها إليّ خادمك هذا !” في تلك الأثناء، تضجّر ركاب السفينة من تأخر سرجيوس وناداه أحد البحارة أن ينزل سريعا وإلا يتركونه وراءهم فأجابهم :” امضوا في سبيلكم، الله معكم ! أما انا فباق هنا لأن الله شاء فاقتادني من أب إلى أب !”.
ولازم سرجيوس دانيال إلى أن عاين في رؤية، ذات مرة، ثلاثة رجال قالوا له :” قل للأب دانيال أن زمانك، في هذه الكنيسة، قد اكتمل، فهيّا انصرف من ههنا وباشر ما أعده لك الله!”. فلما عاد سرجيوس إلى نفسه أخبر معلّمه بما رأى فأيقن دانيال أن ساعة دخوله الجهاد الأكبر قد دنت. مذ ذاك أرسل سرجيوس ليبحث له عن مكان مناسب لنصب العمود على إحدى الهضاب في الجوار، فيما أخذ مرقص، أحد أبناء القدّيس دانيال الروحيين، على عاتقه وتأمين حجارة العمود.
صاحب الأرض يحتجّ
وجهز كل شيء، فخرج المغبوط من منسكه أثناء الليلز ولما صعد على العمود صلّى هكذا :” أيها الرب يسوع المسيح، إني، باسمك القدّوس، أدخل في هذا الجهاد، فبارك قصدي وساعدني على إتمام سعيي”.
ولم يطل بقديسنا المقام حتى بلغ خبره جيلانوس، صاحب الأرض، وكان مقتدرا، فغضب غضبا شديدا وصعد إليه برفقة عدد من عمّاله وفي نيته أن يلقيه خارجا. أكثر تلك البقعة كان مزروعا كرمة. كان الجو صاحيا وموسم القطاف على الأبواب. فجأة تحركت الغيوم بسرعة وعصفت الأهوية ونزل البرّد وضرب عناقيد العنب وأوراق الكرمة فأتلفها. انذهل الرجال لهذا المنظر وبالجهد بلغوا العمود.
كلّم جيلانيوس المغبوط لقسوة. كان وقحا ولم يعتبر. ولكن أمام صمت القدّيس ووداعته شعر العمّال بنخس القلب فقالوا لجيلانيوس :” دعه وشأنه ولا تزعجه! العمود ، في كل حال، في طرف أرضك، ولا يعيق مزروعاتك في شيء !”. فأصرّ جيلانيوس على القدّيس أن ينزل ولو بضع درجاتز وكالحمل الوديع أخذ المعبوط في النزول. فلما رأه جيلانيوس قد فعل ووقع نظره على رجليه المنتفختين المتقرّحتين انعصر قلبه وركض ورجا المغبوط أن يعود إلى مكانه ويصلّي له. فباركه القدّيس وصحبه وعاد إلى عموده فيما احدر جيلانيوس وعمّاله من هناك بسلام.
ولم تمض أيام معدودة على ما حدث حتى صعد صاحب الأرض إلى دانيال من جديد، ولكن، هذه المرة، لأنه رغب إليه بإصرار ان يسمح له بإقامة عمود أكبر وأوسع من الذي كان القدّيس واقفا عليه. فقبل رجل الله العطية وشكر وبارك. ولما زار أحد الغيارى دانيال بعد أيام احتج لديه أنه قبل عمودا من رجل وقح عامله بفظاظة، فأجابه القدّيس:” قبلته منه لأني لم أشأ أن أجرحه!”.
شاب فيه روح نجس
وقدم إلى القدّيس رجل إسمه سرجيوس من بعيد، من نواحي تراقيا. هذا كان له ابن شاب يدعىيوحنا فيه روح شرّير. فلما بلغ سرجيوس العمود ألقى بنفسه أمام القدّيس باكيا منتخبا صارخا :ط يا خادم الله، إرأف بابني، فإن فيه روحا نجسا يعذّبه . ومنذ ثلاثين ييوما والروح الخبيث يتلفّظ باسمك، وقد مضى علينا ثمانية أيام ونحن نبحث عنك. وها قد آتينا إليك فأعنّا !”. وكان جيلانيوس وآخرون واقفين، فلما رأوا منظر الصبي وأبيه انفجروا باكين . فقال القدّيس لسرجيوس، وكان هذا الأخير شيخا :طكل من يسأل بإيمان يعطيه الله ما أراد. فإذا كنت تؤمن أن الله، بوساطتي أنا الخاطىء، سوف يشفي الصبي، فبحسب إيمانك يكون لك !”ثم أشار إلى تلميذه أن يعطي الصبي بعضا من الزيت المقدّس ففعل. فاهتاج الروح الخبيث فيه وخبطه أرضا فأخذ يتدحرج. ثم صار يلعن ويسب واعدا بالخروج منه ولكن بعد اسبوع !.
ويذكر أن القدّيس كان قد أخرج روحا خبيثا، قبل حين، من أبنة رجل أسمه كيروس، قنصلا سابقا. ومنها أيضا لم يخرج الروح إلا بعد أسبوع.
وسمع الأمبراطور عن القدّيس وكان يسأل صلاته وبركته عن بعد ثم صار يأتي إليه ويستشيره في شؤون الحكم. ورغب الأمبراطور بسيامة القدّيس كاهناً واستطاع البطريرك جنّاديوس أن يقنعه بضرورة سيامته وحصل الأمر فيما بقي القدّيس على عموده.
وأخيراً رقد القدّيس سنة 493 عن عمر 84 سنة.
القدّيس لوقا
عاش لوقا في القسطنطينية، واشترك كجندي في الحرب البلغارية.
شهد بأم العين الآلاف يموتمون. رأى في نجاته إصبع الله. زهد بالعالم وأباطيل العالم. سلك في النسك والصلوات سنوات. عطفه على المساكين والمحتاجين كان بلا قرار. انتهى على عمود قرب خلقيدونيا. أمضى عليه خمسة وأربعين عامًا. صار كملاك أرضي. أعطاه الله موهبة التبصّر. تعاطى شفاء المرضى. كان رؤوفًا بالناس، لا يستهين بأحد. يهتم بتعزية الجميع يوحي بالسلام ويدعو إلى التوبة. رقد في سن المائة ويزيد.
الطروبارية
+ صرت للصبر عموداً، وللآباءِ القدماءِ ضارعتَ، مبارياً لأيوب بالآلام وليوسف بالتجارب، ولسيرة العادمي الأجساد وأنت بالجسد. فيا أبانا البارَّ دانيال توسّل إلى المسيحِ الإله، أن يُخلّص نفوسَنا.
القدّيس توما البيثيني
نشأ القدّيس توما في جوار جبل كيمينا في بيثينيا لعائلة تقية. جبل كيمينا كان في ذلك الزمان مركزًا رهبانيًّا عامرًا وهو قريب من جبل الأوليمبوس، جبل الرهبان االمميذز قبل ازدهار جبل آثوس. كان والد توما يتردّد على الرهبان ويأخذ ولده معه. وهكذا تسنّى لتوما أن يطّلع على المبادىء الأوليّة للحياة الرهبانيّة وانطبعن في نفسه صورة الرهبان فأخذ يقتدي بهم وحفظ كتاب المزامير عن ظهر قلب، وفي الوقت المناسب انضمّ إليهم.
وحدث أن واحدًا من أغنياء القسطنطنية شاء أن يشيد ديرًا لمجد الله وخلاص نفسه، فاستطلع رأي أسقف تلك الناحية في راهب مجدّ يصلح لأنّ يكون رئيسًا لهذا الدير. وكان أن أوصى الأسقف بتوما.
اهتمّ توما بقطيع الرهبان، في الدير الجديد، زمنًا وقد إزداد قسوة، في النسك، على نفسه قدوة في الهدوء والتواضع. وكان توما يتوارى بحيث لا يدري أحد بأمر جهاداته. وأخيرًا خشي على نفسه وخلوته فعيّن للإخوة الذين في الدير رئيسًا بدلاً عنه وانصرف غلى عزلته. ولكن لم يلبث تلاميذه ان لحقوا به وأعادوه إلى ديره بعدما وعدوه بقلاية منعزلة يتسنى له أن يجمع بين الخلوة وإرشاد الأخوة دون سائر اهتمامات الدير.
منّ الله عليه بصنع العجائب والتنبؤ بالمستقبلات، فصر الناس يأتون إليه يلتسون مشورته والتعزية والشفاء. ولمّا إزداد إقبال الناس عليه قام وانصرف إلى مكان قفر. ولم يعد ينزل إلى الدير إلاّ إذا كان أحد الأخوة بخطر. على هذه الحال استمرّ إلى أن رقد بسلام في الربّ.
القدّيسون الشهداء ميناس وهرموجانيس وأفغرافوس
ليس واضحا متى تمّت شهادة هؤلاء القدّيسين الثلاثة. قيل في زمن الأمبراطور الروماني يوليوس مكسيمينوس الذي تولّى الحكم لفترة قصيرة بين العامين 235 و238 للميلاد. وقيل أيضا في زمن الأمبراطور مكسيميانوس هرقل الذي تبوأ العرش الروماني وزميله ذيوقليسيانوس بين العامين 285 و305 م.
أنّى يكن الأمر فأن ميناس. كما ورد في التراث، رجل أثينائي وصف ب”الرخيم الصوت” او “الحسن النغمة” لفصاحة لسانه وحسن منطقه. حصلت في أيامه انقسامات سياسية بمدينة الإسكندرية وحقّق المسيحيون نجاحات ملحوظة في نشر الإنجيل بين السكان فيها. ولما كان ميناس أحد مستشاري الأمبراطور فقد أوفده هذا الأخير لمعالجة الخلافات السياسية الحاصلة وضرب المسيحيين في المدينة وملاحقها.
ميناس، من ناحيته، كان مسيحيا متخفيا. لم يجاهر بمسيحيته، إلى ذلك الزمان، لأنه لم يكن قد أدرك بعد أن ساعته قد جاءت ليتمجّد ابن الله فيه.
توجّه ميناس إلى الإسكندرية وعالج صعوباتها بالحسنى، فتمكن، بما أوتي من حكمة ودراية، من تهدئة الحال وإصلاح الأمور. هذا على الصعيد السياسي. أما وضع المسيحيين فلم يشأ ميناس أن يعالجه وفق رغبة الأمبراطور. فقد أيقن أن ساعة الإعتراف بالمسيح قد حانت. وهكذا بدل أن يقمع المسيحيين أطلق يدهم وشجّع على نشر كلمة الإنجيل. وقد ذكر أن الرب الإله أجرى على يديه آيات جمّة علامة للرضى الإلهي عن هذا العمل المبارك وتأكيدا لصدقية البشارة وقوتها. ويبدو أن الوثنيين في المدينة أخذت كلمة الخلاص بمجامع قلوبهم وأدهشتهم أعمال الله بحيث أن كثيرين منهم نقضوا هيكلهم وانضموا إلى الكنيسة.
ولم تلبث أخبار الإسكندرية والجوار أن بلغت أسماع الأمبراطور الروماني فخشي على مصر أن تتحوّل بأكملها إلى المسيحية. وإذ رأى في ما كان يجري فيها تهديدا لحكمه وتآمرا عليه. أوفد، على جناح السرعة، رجلا اسمه هرموجانيس، موثوقا لديه، ليرد ميناس إلى صوابه، لو أمكن، أو يعمد إلى تصفيته وتصفية المسيحيين ويعيد الأمور، من ثم، إلى نصابها.
هرموجانيس كان أيضا من أثينا. لم يعرف المسيح لكن الوثنية لم تفسده. كان مستقيما عادلا طيبا وموظفا أمينا، لكنه، في جهله، ظنّ أن من حق الأمبراطور عليه أن يكون مطيعا له. تصرّف، أول أمره، كأي عامل ملكي ينفّذ الأوامر ويفرض أحكام قيصر. وما أن انكشفت الحقيقة لعينيه، على غير ما كان يتصوّر، حتى اهتدى ، فكان له موقف آخر.
دخل هرموجانيس مدينة الإسكندرية بمواكبة عسكرية مهمة. وأول ما فعله أن ألقى القبض على ميناس وأودعه السجن. ثم أوقفه أمامه للمحاكمة بعد أيام بحضور جمهور من الناس.
أجاب ميناس على اتهام هرموجانيس له بأنه تمرّد على قيصر فأكد ولاءه له في كل شأن من شؤون الحكم والإدارة المدنية والعسكرية الاّ ما له علاقة بعبادة الله، خالق السماء والارض. ميّز بين ما هو لله وما هو لقيصر، الأمر الذي لم يكن مألوفا يومذاك، لا بل كان يعتبر خطرا على تماسك الدولة ووحدتها. الفكرة كانت أن من يخضع لقيصر يخضع لآلهة قيصر. الموضوع كان جديدا على هرموجانيس . المطلوب، بالنسبة إليه، كان الطاعة لقيصر. قضية الأوثان، بحد ذاتها، كانت ثانوية لديه.
واستطرد ميناس فسرد بثقة وهدوء كيف أن الله لم يكف عن إظهار عجائبه به، أي بميناس، منذ أن ألتزم البشارة بكلمة الخلاص .وفيما كان ميناس يعرض تفاصيل بعض ما جرى له، أخذت أصوات من بين الحضور ترتفع مؤكدة صحة ما يقول. وإذا احتدّت المشاعر في المكان وبان كأن الاجتماع على وشك أن يتحول إلى تظاهرة مسيحية انفضّت الجلسة إلى اليوم التالي.
في اليوم التالي، أتيّ بالقدّيس في محضر الناس وجعل هرموجانيس أمامه آلات التعذيب راغبا في أستعمال لغة غير اللغة التي استعملها في اليوم الفائت عسى ميناس، بالتخويف، أن يعود إلى طاعة قيصر كاملة غير منقوصة. وما أن أتصل الكلام الذي كان قد انقطع البارحة حتى بدا لهرموجانيس لأن منظر الآت التعذيب لم يغيّر شيئا من موقف ميناس. إذ ذاك أيقن أن لغة الكلام وحدها لا تنفع، فأشار إلى الجلاّدين أن يعذّبوه، فحطموا كعبيه وفقأوا عينيه وقطعوا لسانه وأعادوه إلى سجنه على أمل إلقائه للوحوش في اليوم التالي.
موقف ميناس أثناء التعذيب كان لافتا. فرغم الآمه التي من المفترض أن تكون مبرّحة بدت نفسه في سلام. لم يتلوّ بمرارة ويأس كما أعتاد هرموجانيس لأن يعاين السفلة والمجرمين يفعلون وهو تحت التعذيب. كأنما كانت في نفس ميناس قوة لم ينجح التعذيب، على قسوته، في النيل منها. وذاك الوجه الذي فاض نورا على ما ارتسم عليه من ألم إنطبع في وجدان هرموجانيس، فحسب موقف ميناس بطولة تستحق الثناء.
وبات هرموجانيس على انطباعات من هذا النوع.
اما ميناس الملقى في السجن فجاء إليه الرب يسوع شخصيا أثناء الليل وعزّاه ومسّ جراحه فعاد صحيحا.
وأطل الصباح ودبّت الحركة، فأرسل هرموجانيس في طلب ميناس. كان يظنّ أنه قد مات، لكنه رغب، لإحساسه بالرجولة، آن يجمع الناس ويثني على بطولة ميناس في مواجهة التعذيب والمعذّبين. وكم كانت دهشته فائقة حين وقف ميناس لديه سليما معافى وكأن جسده لم ينل ما ناله البارحة. إذ ذاك أدرك هرموجانيس أنه عظيم الإيمان بالمسيح وعظيم إله المسيحيين فآمن وجاهر بإيمانه أمام الشعب، ثم اعتمد، وقيل تسقّف على الإسكندرية بعد معموديته بوقت قصير.
في تلك الأثناء كان الأمبراطور ينتظر أخبارا طيبة من عامله في الإسكندرية، فإذ به يتلقى خبر ما حدث فيها فطار صوابه وقرّر أن يتوجه إلى هناك بنفسه لمعالجة الأمر بطريقة مضمونة.
وكان أن خاب القيصر، في الإسكندرية، أشدّ الخيبة إثر وقوف ميناس وهرموجانيس لديه. دفاعهما أفحمه وزاده غيظا فعذّبهما إلى أن قطع هامتيهما.
أما أفغرافوس الذؤي قيل إنه كان كاتبا لقيصر، أو ربما للقدّيس ميناس نفسه، فاجترأ، بعد كل ما عاين وسمع، أن يقف أمام الأمبراطور الهائج ويرسم على نفسه إشارة الصليب ويجاهر بإيمانه بالمسيح. فما كان من قيصر سوى أن أستلّ سيف أحد حرّاسه وضربه به فقتله.
هكذا أكمل الثلاثة شهادتهم للمسيح فأحصتهم الكنيسة المقدّسة معا في هذا اليوم المبارك، ولكن بقي في الذاكرة أن ميناس كان أبرزهم.
هذا وقد جرى نقل رفات الثلاثة إلى مدينة القسطنطينية، في القرن الخامس للميلاد. ولكن يبدو، على الأقل، أن رفات القديس ميناس فقدت ردحا من الزمان إلى أن تمّ الكشف عنها من جديد في أيام الأمبراطور البيزنطي باسيليوس الأول (867 -886 م).
القدّيس جميلوس
لما شاء الأمبرطور يوليانوس الجاحد ان يعبر بمدينة انقرة في آسيا الصغرى، اعترضه مواطن تقي اسمه جميلوس أثارته مباحات يوليانوس وإساءاته للمسيحيين، وقرّعه على أعماله، فكانت كلماته جارحة، أقسى على قيصر من السهام، ردّة فعل الأمبراطور الأولى كانت الدهش لأنّه ما كان ليخطر بباله أن يتجرّأ عليه أحد من الناس البتة. وما أن عاد إلى نفسه حتّى تحوّل استغرابه غيظًا فأمر به جنده فأخضعوه لعذابات مرّة، وبالرغم من كلّ العذاب الذي لقيه لم يتزعزع عن إيمانه بالربّ يسوع، فأمر بصلبه فأسلم القدّيس الروح، ويبدو أن أتقياء اختلسوا جسده وواروه التراب بإكرام جزيل.
الطروبارية
+ إن شهداء المسيح، إذ إنهم أماتوا بالإمساك وثبات الأهواء المحرقة وحركاتها، نالوا نعمةً ليطردوا أسقام المرضى، ويصنعوا العجائب أحياءً وبعد الموت.فبالحقيقة إنه لعجبٌ مستغربٌ، أنَّ عظاماً مجرَّدة تفيض الأشفية، فالمجد لإلهنا وحده.
حبل القدّيسة حنّة بمريم، والدة الإله
لا ذكر لجدّي الإله، يواكيم وحنة، في كتب العهد الجديد، ولكن شاع ذكرهما في الكنيسة، في أورشليم، أقله منذ القرن الرابع الميلادي. وعن أورشليم أخذت الكنيسة الجامعة ما يختص بهما.
الصورة المتداولة في التراث الكنسي عن يواكيم وحنّة أنهما كانا زوجين تقيّين مباركين سالكين بمخافة الله. ولكن لم يكن لهما ولد لأن حنّة كانت عاقرا. هذا النقص في حياة يواكيم وحنّة كان لهما سبب حزن وضيق ليس فقط لأنه من المفترض أن يتكمّل الزواج بالإنجاب بل، كذلك، لأن العقم، في تلك الأيام، كان الناس يعتبرونه عارا. وفي نظر الكثيرين من اليهود لعنة أو تخليا من الله . لهذا كان هذان الزوجان الفاضلان لا يكفّان عن الصلاة بحرارة إلى الرب الإله ليفتح رحم حنّة ويمنّ عليهما بثمرة البطن. ولكن لم يشأ الرب الإله أن يلبّي رغبة قلبيهما حتى جاوزت حنّة سن الإنجاب. لم يكن هذا إعراضا من الله عنهما بل تدبيرا. استمر يواكيم وحنّة في الصلاة إلى العليّ بحرارة حتى بعد فوات الأوان على حنّة. وكان هذا تعبيرا عن ثقتهما الكاملة بالله أنه قادر على كل شيء. فلما حان زمان افتقاد يواكيم وحنّة، ارسل الرب الإله ملاكه إلى حنّة وبشّرها بأن صلاتها وصلاة زوجها قد استجيبت وأن العليّ سوف ينعم عليهما بمولود يكون بركة عظيمة لكل المسكونة. وأمن يواكيم وحنّة بكلام الملاك.وحبلت حنّة وأنجبت مولودا أنثى مريم والدة الإله.
ولئن كانت ولادة مريم بتدخّل من الله فإن الحبل بها كان بحسب ناموس الطبيعة، أي إن الحبل بها جاء على أثر لقاء يواكيم وحنّة بالجسد، مثلهما مثل أي زوجين عاديين.
القدّيس استفانوس
ولد القدّيس استفانوس في المدينة المتملكة، القسطنطينية من أبوين تقيّين فاضلينن زكريا وثيوفانو. قيل إن أمّه لما كانت حاملة به كانت تكتفي من الطعام بالخبز والماء والخضار، لهذا السبب أبدى ميلاً غير عادي إالى الصوم والإمساك. حوالي العام 843م، رسم البطريرك القسطنطينيّ مثوديوس زكريا، والد استفانوس، كاهنًا على الكنيسة الكبرى، كنيسة الحكمة المقدّسة، واستفانوس نفسه قارئًا. وما أن بلغ الثامنة عشرة توفي والده، فما كان من استفانوس سوى أن انكفأ في كنيسة صغيرة على اسم القدّيس الرسول بطرس ليتفرّغ للصوم والصلاة المتواصلة. وقد أجاد حتّى إن الرسول بطرس ظهر له وباركه وعبذر له عن فرحه به. ثم بعد ثلاث سنوات انتقل إلى كنيسة القدّيس أنتيباس. هناك ايضًا أبلى في جهاداته بلاء حسنًا وحظي ببركة صاحب الكنيسة شخصيًّا، في ذلك الوقت كان قد امتلاء فضيلة وصار لا يأكل إلاّ بعض الخضار مرّة ومرّتين في الأسبوع، وقد منّ الله عليه باجتراح العجائب والآيات.
بعد ذلك سيم استفانوس كاهنًا وبقي مستغرقًا في سكونه. سنة 879م دمّر زلزال كنيسة أنتيباس فاستعاض عنها بحفرة رطبة مظلمة تشبه القبر أقام فيهاز كان الموضع غير صحّي لكن استفانوس لازمه غير مبال فسقط شعره وسقطت أسنانه ويبس جسده. إثنا عشر عامًا قضاها استفانوس على هذه الحال. ولمّا خرج من هناك لبس الإسكيم الرهباني وتابع جهاداته. لم يعد يقيم الذبيحة الإلهيّة إلاّ في الأعياد السيديّة، وقسى على نفسه أيضًا بأصوام إضافية. داوم استفانوس على النسك خمسة وخمسين سنة إلى أن رقد بسلام في الربّ سنة 912م عن عمر ناهز الثالثة والسبعين.ا أن سيلدان على غير أمل علانية فتاة الله التي ولد منها هو غير المحدود صائراً انساناً آمراً الملاك أن يهتف نحوها: افرحي أيتها الممتلئة نعمة الربّ معك.
القدّيسة حنّة
هذه البارة كانت من سبط لاوى، وتزوج بها القانه بن يروحام وكانت له زوجة أخرى اسمها فننة. ولم يكن لحنّة ولد، لأنها كانت عاقرا. وكانت فننة تعيرها في كل وقت بعدم النسل، فبكت حنة ولم تأكل. فعزاها القانه رجلها قائلا: “لماذا تبكين، ولماذا لا تأكلين ولماذا يكتئب قلبك. أما أنا خير لك من عشرة بنين” (1صم: 1 – 8) فلم تقبل منه عزاء وصعدت إلى بيت الرب. وكان ذلك في أيام عالي الكاهن. فصلت وبكت أمام الرب ونذرت نذرا وقالت “إن رزقت ولدا جعلته نذرا للرب كل أيام حياته”، وكان عالي يبصرها وهى ساكتة. لأنها كانت تصلى بقلبها. فظنها سكري. فأنكر عليها ذلك وانتهرها. فأعلمته أنها لم تشرب خمرا ولا مسكرا بل هي حزينة القلب. فقال لها.اذهبي بسلام وإله إسرائيل يعطيك سؤلك(1 صم: 1 – 17) فأمنت بقوله وانصرفت إلى منزلها ثم حملت وولدت ابنا ودعت اسمه صموئيل الذي تفسيره “سؤال”. لأنها قالت “إني من الرب سألت”. ولما فطمته أصعدته إلى بيت الرب كما نذرت، وقدمته إلى عالي الكاهن وأعلمته قائلة “أنا المرأة التي وقفت لديك تصلى إلى الرب لأجل هذا الصبي صليت وقد استجاب الرب طلبتي وأعطاني سؤل قلبي. وقد قدمته للرب ليكون خادما له في بيته جميع أيام حياته”. ثم سبحت الله التسبحة المنسوبة إليها. وعاشت بعد ذلك مرضية لله ورقدت بسلام.
الطروبارية
+ اليوم أربطة العقر تنحلّ لأن الله إذ قد استجاب صلاة يواكيم وحنة وعدهما أن سيلدان على غير أمل علانية فتاة الله التي ولد منها هو غير المحدود صائراً انساناً آمراً الملاك أن يهتف نحوها :افرحي أيتها الممتلئة نعمة الربّ معك.
القدّيس البار باطابيوس
لا نعرف تماما متى عاش القدّيس باطابيوس. بعض الدارسين يجعل رقاده في القرن السابع الميلادي.
ولد في صعيد مصر لعائلة تقية. خرج إلى الصحراء في سنّ مبكر لا يدري كيف يتدبر ولا ماذا يعمل ولا إلى أين يتجه. وإذ ألقى باطابيوس بنفسه في أحضان الصحراء ظنّ، بكل بساطة، أنه إنما يلقي بنفسه، بالإيمان، في أحضان الله الحي. ولم يخيبه ربه، تلقّف عبده برحمته ورعاه بحنانه، فنما باطابيوس في النعمة والقامة وتكمّل في الهدوء وكل فضيلة وماثل المعلم في الوداعة وتواضع القلب، فمنّ عليه المعلم بمواهب جمّة حتى صار منارة لكثيرين ومشفى لأدواء العديدين.
وسطع نور الرب في عبده فأهتدى إليه الناس وصاروا يتدفّقون عليه. وخشي باطابيوس، من كثرة المقبلين إليه، أن يخسر سيرة الهدوء والصلاة المستمرة ففكر بالإنتقال إلى مكان آخر لا يدري بأمره فيه أحد. ولكن، إلى أين؟ إلى عمق الصحراء؟ كلا، بل إلى عمق المدينة وصحراء الغربة فيها، إلى المدينة المتملكة، القسطنطينية! هذا ما أوحت به إليه عناية ربّه فأنتقل إلى موضع قريب من كنيسة السيدة في ناحية بلاشيرن المعروفة في قلب القسطنطينية.
نعم بالهدوء في” برية القسطنطينية” ردحا من الزمان. عاد لا يبالي بالكلية لا بطعام ولا بلباس. صار كملاك في الجسد. وقد تقدّم في صلاة القلب إلى حدّ أنه تمكّن، بنعمة الله، من الإرتقاء إلى السموات ومعاينة القوّات العلوية تمجدّ الله على الدوام.
يحكى أن شابا تقيا فاضلا كان أعمى منذ مولده. هذا سمع بفضائل القدّيس ونعمة الله عليه. فقدم إليه وأخذ الشاب يصرخ إلى القدّيس :” أرحمني يا أبن النور والنعمة، ارحمني باسم الرب! أنر عينيّ لأتمكن، أنا غير المستحق، من رؤية خليقة الله وشكره عليها!”. فتحنّن عليه القدّيس ورثى لحاله. وإذ عرف بروحه أن له إيمانا ليشفى، سأله، عن تواضع، مريدا أن يعطي المجد لله:” ما الذي تراه فيّ، يا بني، لتسألني أن أشفيك مع أن الله وحده الشافي؟”. فأجابه الشاب بدموع: أنا واثق يا أبي أنك قادر أن تفتح عينيّ لأنك خادم لله! إذ ذاك رفع القدّيس صوته قائلا له: باسم الرب يسوع المسيح الذي يردّ البصر للعميان ويقيم الموتى ليعد إليك نور عينيك! فلما قال هذا أنفتحت للحال عينا الأعمى وأبصر كل شيء من حوله بوضوح. فمجّد الله بفرح عظيم، وكذا فعل الحاضرون، وتعجبوا بالأكثر لأنهم كانوا يعلمون أن الأنسان الذي جرت له الآية أعمى منذ مولده.
ولما قال قديس الله هذا سقط الشاب أرضا وخرج منه الروح الخبيث كغيمة دخان. فبكى الشاب من الفرح ومجّد الله وشكر قديسه.
كان رقاد القدّيس، كما يبدو من سيرته، في أحد الديورة لأن الذين اجتمعوا إليه ليودعوه كانوا من النسّاك. كانوا شديدي الحزن على قرب مغادرته لهم. فما كان منه سوى أن عزّاهم وكلّمهم عن الحياة الأبدية وسألهم الصلاة عنه وعن أنفسهم. ولما استكمل كلامه استودع روحه بين يدي الله بسلام وفرح. وقد دفن في كنيسة القدّيس يوحنا المعمدان.
يذكر بعض الدارسين أن رفات القدّيس باطابيوس ضاعت في القرن العاشر للميلاد، وبقيت قرونا طويلة لا يدري بأمرها احد إلى أن جرى الكشف في كنيسة دير صغير في قمة جيرانيا، فوق لوتراكي القريبة من مدينة كورنثوس، عن رفات قدّيس اسمه باطابيوس ظنّ أنه إياه من نحتفل بعيده اليوم. هذا حدث سنة 1904 م. ويقال إن الرفات كانت كاملة وكأن صاحبها دفن هناك. وقد خرجت منها رائحة طيب سماوية وكان بقربها جلد كتب عليه اسم القدّيس صاحبها. ولكن كيف وصلت رفات القدّيس إلى قمة جيرانيا؟ هل يعقل أن يكون قد رقد ودفن في هذا الدير الصغير؟ ربما هو قدّيس آخر يحمل الإسم نفسه! كل هذا مطروح للبحث. ويبقى أنه منذ أن تمّ الكشف عن الرفات أجرى الله بها عددا من الأشفية ، فصار المكان محجة. وقد نشأت فيه شركة رهبانية نسائية سنة 1953 ما زالت مزدهرة إلى اليوم.
القدّيسين الرسل سوستانيس وأبلس وصفا وتيخيكس وقيصر وأبفرودتس
القدّيس سوستانيس كان رئيسًا لمجمع اليهود في كورنثوس ورد ذكره في متاب أعمال الرسل(18: 17) في إطار سعي اليهود إلى تسليمه للوالي الروماني غاليون وردّ فعل اليونانيين الذين اخذوا سوستانيس وضربوه أمام الوالي فلم يحرّك ساكنًا لينقذه. جاء في التراث أنّه تسقّف على كولوفون من توابع أفسس، في آسيا الصغرى.
القدّيس أبلّس ورد عنه في أعمال الرسل (18: 24 – 28) كان يهوديًّا من الإسكندرية فصيحًا ضليعًا بما في الكتب، خبيرًا بطريق الربّ. في التراث هو تسقّف على قيصرية ولعله اسس كرسي كولوسي.
القدّيس صفا غير معروف من هون ولا ندري إذ المقصود هو بطس الرسول الذي يدعوه بولس،أحيانًا، باسم صفا.
القدّيس تيخيكس مواطن من آسيا الصغرىرفيق بولس في أسفاره، هو يدعوه في أكثر من رسالة “الأخ الحبيب والخادم”. كان أول أسقف على خلقيدونيا في بيثينيا.
القدّيس قيصر يرد ذكره في رسالة فيليبي، قيل أنّه تسقّف على كورونا في البليوبونيز.
القدّيس أبفرودتس هو أحد رفقاء بولس واختارته كنيسة فيليبي ليحمل العطايا إلى الرسول المصطفى لما كان مأسورًا في رومية. ورد في التراث أنّه تسقّف على فيليبي.
القدّيس صفرونيوس
لا نعلم تمامًا متى عاش. ربما في القرن الثامن للميلاد خلفًا لأسقف محلي قدّيس اسمه دميانوس. سلك بأمانة في الربّ متأملاً بما جاء في الكتب المقدّسة. منّ عليه الربّ اله بموهبة صنع العجائب. برزت صورته في التراث كمعيل للجائعين ومعين للفقراء وسند لليتامى ومؤازر للمتضايقين.
الطروبارية
+ لنكرِّمنَّ بالتسابيح الشريفة، باطابيوسَ المتوشحَ بالله، عزَّ لوتراكي وفخر كورنثيا، ومصباح جرانيا، لأنه يمنح الأشفية الغزيرة للمبادرين بإيمان، إلى جرن بقاياه هاتفين: المجد للمسيح من مجَّدك، المجد لمن جعلكَ عجائبيًّا، المجد للفاعل بك الأشفية للجميع.
الأب الجليل في القدّيسين أمبروسيوس اسقف ميلان
وُلدَ القدّيس أمبروسيوس في عاصمة بلاد الغال، أي فرنسا اليوم، سنة 334م أو ربّما 340م. وكان أبوه، واسمه أمبروسيوس أيضا، ضابطا أعلى لشؤون فرنسا وإيطاليا وألمانيا وبريطانيا واسبانيا وموريتانيا. له أخوان مرسيلينا البتول وساتيوس، وكلاهما في الكنيسة قدّيسين وثمّة قرابة تربطه بقديسة أخرى هي سوتيرا الشهيدة.
رقد والده وهو صغير السنّ فعادت به أمّه وأخويه إلى روما، من حيث خرجت العائلة أصلا.
تلقى أمبرسيوس قسطا وافرا من العلوم فدرس اليونانية ونبغ في البيان والفلسفة وبرز كحطيب مفوّه وشاعر أريحي. كل هذا ولم يكن بعد قد اعتمد، مع أنه من عائلة مسيحية، لأنه كان هناك اعتقاد شائع في أيامه أن من يسقط في الخطيئة بعد أن يكون قد اقتبل المعمودية يعرّض نفسه للهلاك. لهذا السبب جرى بعض الناس على عادة تأجيل معموديتهم إلى سن متقدمة. القدّيس أمبروسيوس كان من هذه الفئة من الناس، وكان ما يزال بعد في مصاف الموعوظين عندما تمّ اختياره أسقفا في سنّ الرابعة والثلاثين.
خرج أمبروسيوس إلى ميلان حيث كان مقرّ المحكمة العليا، فدرس القانون وبرع وشاع ذكره حتى بلغ أذني أنيسيوس برويس، المولّى على إيطاليا، فقرّبه إليه وجعله مستشارا لديه ثم حاكما لمقاطعتي ليغوريا وأميليّا اللتين ضمتا كلا من ميلانو وتورينو والبندقية ورافينا وبولونيا. يذكر أن بروبس كان رجلا مناقبيا فاضلا نزيها حليما. فلما أراد أن يزوّد أمبروسيوس بتوجيهاته لم يجد من النصح خيرا من حثّه على أن يحكم لا كقاض بل كأسقف.
وبالفعل، سلك أمبروسيوس في حاكميته كأسقف، يقظا، مستقيما، رؤوفا. ولما حانت الساعة لاحظ أهل ميلان أنه بالحقيقة أدنى إلى الأسقف منه إلى الحاكم فاختاروه أسقفا عليهم.
مفاد ذلك أنه لما رقد أوكسنتوس، أسقف ميلان، وكان آريوسيا، سنة 374 م، اجتمع المؤمنون، صغارا وكبارا، في الكنيسة الكبرى في المدينة ليختاروا له خلفا. اختيار الأسقف، فيما يبدو، كان يتم يومذاك بالإعلان الشعبي، وإذ كان الشعب منقسما على نفسه فقد تعذرّت تسمية أسقف يوافق عليه الجميع. وكادت تقع أعمال شغب فاستدعى الحاكم لضبط الوضع. فلما حضر وقف بالناس خطيبا فأعطاه الحاضرون سكوتا عميقا لأن الجميع كانوا يجلّونه. ففتح فاه ودعاهم إلى جعل اختيارهم بروح السلام ليكون لهم أن يختاروا الأفضل عليهم. اتسم كلامه بالحكمة والوداعة والعذوبة فلامس قلوب سامعيه وحوّل أنظارهم إليه، فهتفوا بصوت واحد:”أمبروسيوس أسقف!”
لم يصدق أمبروسيوس، أول الأمر، لا عينيه ولا أذنيه. فلما استمر المحفل في الهتاف:”أمبروسيوس أسقف !”، اضطرب وترك المكان للحال. ولما لحق به الناس حاول أن يظهر بمظهر الرجل العنيف ليردهّم عنه فلم يرتدّوا. فأقفل على نفسه إلى حلول الظلام. ولما خفتت الأصوات طلب الخروج من المدينة فهام على وجهه إلى الصباح، ولما عاد إلى نفسه وجد نفسه عند باب المدينة. واستمرت ملاحقة الناس له أياما حاول خلالها التواري فباءت جميع محاولاته بالفشل إلى أن بلغ الخبر أذني الامبراطور والنتنيانوس الأول فأنفذ أمرا بإلزامه بقبول الأسقفية. ولما لم يجد أمبروسيوس مفرا من الرضوخ أسلم نفسه لله وأذعن، فتمّت معموديته وارتقى الدرجات الكهنوتية حتى الأسقفية في غضون ثمانية أيام.
وما أن أرتقى أمبروسيوس سدّة الأسقفية حتى عمد إلى توزيع ما اجتمع لديه من ذهب وفضة ومقتنيات على الفقراء، فيما وهب الكنيسة ما كان يملكه من أراض وعقارات. لم يترك من ثروته الطائلة غير نصيب متواضع اقتطعه لحاجات أخته مرسلينا المعيشية. وقد ذكر مترجمه أن تخلّيه عن غنى العالم وكراماته كان كليا وبلا ندامة لدرجة أنه، مذ ذاك، لم تعد للمال والمجد الباطل وطأة عليه.
بعد ذلك أنصرف إلى دراسة الكتاب المقدّس وكتب الاباء ومعلمي الكنيسة، ولا سيما القدّيس باسيليوس الكبير وأوريجنيس المعلم، وقد أتخذ لنفسه مرشدا الكاهن سمبليسيانوس الذي خلفه أسقفا وأحصي، لسيرته الفاضلة، بين القدّيسين.
وقد جرى أمبروسيوس، منذ أو أسقفيته، على حفظ الإمساك بصرامة. أصوامه كانت يومية ما خلا في الآحاد والسبوت وأعياد بعض الشهداء، ولكي يجتنب الإسراف كان يمتنع عن قبول الدعوات إلى المآدب، لكنه كان يدعو الآخرين، أحيانا، إلى مائدة بسيطة متواضعة لديه. كان يقضي قسما مهما من ليله ونهاره في الصلاة، ويقيم الذبيحة الإلهية كل يوم ويعظ كل أحد.
انصرافه إلى رعاية شعبه كان كاملا. الفقراء، في عينه كانوا الوكلاء والخازين الذين يستودعهم مداخيله. اعتاد أن يستقبل الناس الوافدين إليه كل يوم طلبا لمشورة أو نصيحة. فإذا ما نفذ ما في يده كان مستعدا حتى لأن يبيع الأواني الكنسية ليسعف بها المحتاجين. وكان يقول :”إن إطعام الجياع وفك الأسرى وتشييد الكنائس والعناية بالمدافن يجعل بيع الأواني المقدّسة حلالا”. وما كان ليتوسّط لإنسان في وظيفة لها علاقة بالقصر الملكي، ولا حاول البتة أن يقنع أحدا بالإنخراط في العسكرية، لكنه كان يسعى أبدا إلى إنقاذ حياة المحكومين بالموت. اعتاد أن يبكي مع الباكين وأن يفرح مع الفرحين.كان على رقة ورأفة الفائقين. الخطأة التائبين كان يرأف بهم رأفة عظيمة ويدعوهم إلى الأعتراف بخطاياهم ويبكي عليهم ومعهم. وكان يحث المؤمنين على المناولة بتواتر، ولا يختار أحدا إلى الكهنوت إلا بحرص عظيم.
كان شديد العناية بكهنته، يحبّهم ويسهر على نفوسهم، يعلّمهم بالمثال ويرشدهم بالكلمة. الكاهن الصالح كان عنده كنزا ثمينا عظيم القيمة، يفوق كل ما نتصّوره قدرا.
كان يحب التبسّط في الكلام على بركات البتولية. أخته مرسيلينا كانت بتولا. من نسميهم نحن اليوم راهبات كانوا يسمّون في أيامه عذارى أو بتولات. بعض البتولات كان يبقى في دورهن وبعضهن كان يقتبل حياة الشركة. أخته كانت من الفئة الأولى. وقد سألته أن يكتب عن البتولية فوضع ثلاث مقالات في العذارى، وعرض في الثالثة منها طريقة حياتهن فدعاهن إلى الأعتدال والإمتناع عن زيارة الناس والإنصراف إلى الصلاة والتأمل والبكاء والعمل بأيديهن لا ليؤمنّ لأنفسهن الجسد وحسب بل ليكون لهن ما يعطينه للمحتاجين. ويبدو من كلامه أن كثيرات كن يقبلن على الحياة البتولية بدليل سعيه إلى الإجابة على أعتراض قوم قالوا إن تزايد البتولات المكرّسات يشكل خطرا على البشرية لأن الراغبات في الزواج في تناقص مطّرد.
أمبروسيوس والأريوسية
هذا وقد أهتم القدّيس أمبروسيوس بتنظيف أبرشيته من خمير الهرطقة الآريوسية حتى أنه في غضون أثني عشر عاما من بدء أسقفيته، لم يبق على أرض ميلان مواطن واحد على الآريوسية ما خلا بعض الغوط وأفراد قلائل من العائلة المالكة. صلابته حيال الهراطقة والهرطقات كانت لا تلين.
الامبراطورة يوستينة الآريوسية حاربته بضراوة، لكنه تمكن بعون الله والتفاف المؤمنين حوله والصمود من رد خطرها عن نفسه وعن شعبه. مثل ذلك أنها أوفدت قرابة عيد الفصح من السنة 385 م عددا من خدامها تطلب منه أن يسلم إحدى كنائسه لأتباع آريوس لتكون لها ولعائلتها ولهم مكان صلاة، فأمتنع. فأوفدت موظفين كبارا أفردهم. فبعثت بضباط يضعون اليد على الكنيسة فأهتاج الشعب وخطف أحد الكهنة الآريوسيين. فلما بلغ الخبر أذني الأسقف القدّيس أرسل للحال كهنة وشمامسة أستعادوه سالما لأنه لم يشأ أن تهرق نقطة دم واحدة. ولما جاء إليه قضاة يطلبون منه أن يسلم الكنيسة لأنها حق للأمبراطور، أجاب :”لو سألني ماهو لي، أرضي أو مالي، لما منعته عنه مع أن ما أملك هو للفقراء، ولكن ليس للأمبراطور الحق فيما هو الله. . .إذا كان في نيتكم أن تكبلوني بالأصفاد أو أن تسلموني للموت، فأنا لا أستعفي. لن أحتمي بالناس ولا بالهيكل…” في المساء خرج أمبروسيوس من الكنيسة إلى بيته حتى إذا ما أراد الجند التعرض له لا يتأذى أحد من المؤمنين. ثم في صباح اليوم التالي توجّه إلى الكنيسة العتيقة فألفى الجند يحيطون بالمكان فسأل بعض كهنته أن يذهبوا إلى الكنيسة الجديدة موضع النزاع ويقيموا الذبيحة الإلهية فيها، وإن تعرض لهم العسكر فليهددوهم بالحرم ففعلوا. وإذ كان الجند من حسني العبادة لم يتعرّضوا للكهنة بسوء فدخل هؤلاء الكنيسة وتمّموا الخدمة الإلهية وكان الجند بين الحاضرين. أستمر الوضع مشدودا لبعض الوقت وأمبروسيوس والشعب لا يلينون إلى أن أضطر الأمبراطور إلى التراجع عن موقفه.
هذا كان فصلا من فصول أضطهاد يوستينة للقدّيس أمبروسيوس والأرثوذكسيين.
مرّات حاولت يوستينية ترحيله ففشلت ومرة أرسلت إليه من يضربه بالسيف فيبست يده، ومرة لازم الكنيسة أياما والشعب من حوله، والكنيسة يحاصرها الجند ويمنع الخارجين منها. وفي عظة تفوّه بها قدّيسنا في تلك الحقبة السوداء خاطب الشعب المؤمن بمثل هذه الكلمات :” أخائفون أنتم أن أتخلى عنكم لأنجو لنفسي ؟!لا ! لا يمكنني أن أتخلى عن الكنيسة لأني أخاف سيد الخليقة أكثر مما أخاف سيد القصر. ربما أمكنهم أن يجررّوا جسدي خارجا لكنهم لا يقدرون أن يفصلوني عن الكنيسة بالفكر …لا تضطرب قلوبكم! لن أخلى عنكم أبدا، ولكن لن أرد العنف بالعنف.بإمكاني أن أتنهد وأبكي. الدموع هي سلاحي الأوحد في مواجهة السيوف والجنود، ليس للأساقفة غير الدموع يدافعون بها عن شعبهم وعن أنفسهم. لا أستطيع، لا بل ليس لي الحق أن أقاوم بطريقة أخرى.. وإن راموا تصفيتي فليس لكم إلا أن تكونوا متفرجين لأنه إذا كانت هذه مشيئة الله فكل احتياطاتكم باطلة. من يحبّني يعطيني أن أصير ضحيّة للمسيح… لن أعطي لقيصر ما هو لله… أيطالبوننا بالجزية؟ والكنيسة تدفعها! أيرغبون في عقاراتنا؟ بإمكانهم أن يأخذوها! ما يقرّبه الشعب المؤمن كاف لسد حاجة فقرائه. يأخذون علينا أننا ننفق بوفرة على الفقراء. هذا لا أنكره أبدا لأنه لي فخر و صلوات الفقراء هي حصني. أولئك العمي والمخلعون والمسنّون أشدّ بأسا من خيرة المحاربين… القيصر في الكنيسة هو لكنه ليس فوق الكنيسة…”.
أخيرا رقدت يوستينة واضطرت الظروف السياسية والعسكرية الأمبراطور والنتينيانوس الثاني، أبنها، أن يغيّر موقفه حتى إنه صار يعتبر القدّيس أمبروسيوس بمثابة أب له. وبقي كذلك حتى وفاته.
يذكر، في مجال تحصين المؤمنين ضد الهرطقة الآريوسية، أن القدّيس أمبروسيوس عمد إلى وضع أناشيد تتضمّن حقائق الإيمان القويم أخذ الشعب في إنشادها، بالمناسبة، إلى القدّيس أمبروسيوس يعود الفضل في إدخال الترتيل المزموري على الأسلوب التناوبي المعروف في الشرق. هذا الأسلوب أزدهر في ميلان أولا ثم انتقل إلى كل كنائس الغرب.
مؤدب الملوك
وفي العام 390 م جرت في تسالونيكي حوادث مؤسفة. أحد الضبّاط هناك احتجز سائقا للعربات ممن يشتركون عادة في مباريات ميدان السباق في المدينة. السبب كان ارتكابه شائنة. وإذ طالب الناس به أبى الضابط أن يطلق سراحه فوقعت فتنة أقدمت خلالها مجموعات هائجة على رجم عدد من الجنود حتى الموت. وإذ بلغ الخبر الأمبراطور ثيودوسيوس وأن حالة من الفوضى تسود المدينة أمر العسكر بأن يحصدوا سبعة الآف من سكانها في ثلاث ساعات. وهذا ما فعلوه بوحشية منقطعة النظير دونما تمييز بين مذنب وبريء، بين شيخ وفتى.
وأنتهى الخبر إلى القدّيس أمبروسيوس فكان حزنه على ما جرى عميقا، لا سيما وثيودسيوس في تلك الفترة كان في ميلان والجوار. ميلان كانت المركز الإداري للشق الغربي من الأمبراطورية آنذاك. وإذ كان ثيودوسيوس، وقت حدوث الفاجعة، بعيدا يومين أو ثلاثة عن ميلان وشاء أمبروسيوس أن يعطيه فرصة للعودة إلى نفسه قام فخرج من المدينة بعدما بعث إليه برسالة رقيقة صارمة حثّه فيها على التوبة وأعلمه أنه إلى أن يتمّم فروض التوبة كاملة فإنه لن يقبل تقدماته ولن يقيم الذبيحة الإلهية في حضرته. فمهما كات إحترامه له فالله أولى، وليست محبته لجلالته للمحاباة بل لخلاص نفسه.
وعاد الأسقف بعد حين إلى المدينة وجاء ثيودوسيوس على عادته إلى الكنيسة غير مبال بما سبق لأمبروسيوس أن وضعه عليه. فخرج إليه قدّيسنا خارج الكنيسة ومنعه من دخولها قائلا له :”يبدو، يا سيدي، أنك لا تدرك تمام الإدراك فظاعة المذبحة التي ارتكبت مؤخرا. لا يحولنّ بهاء أثوابك القرمزية دون اضطلاعك بأوهان ذلك الجسد الذي تغطيه. فأنت من طينة واحدة ومن تسود عليهم، وثمة سيد واحد وقيصر واحد لكلّ المسكونة. بأية عينين تعاين بيته؟ بأية قدمين تتقدّم إلى هيكله؟ كيف ترفع إليه في الصلاة تلك اليدين الملطختين بالدم المهراق ظلما؟ أخرج من هنا ولا تزد على إثمك إثما فتجعل جريمتك أفظع مما كانت. خذ عليك بهدوء النير الذي عينّه لك الرب الإله. إنه نير صعب ولكنه دواء لصحة نفسك” فحاول ثيودوسيوس أن يخفّف من حدّة جريمته فقال : داود أيضا أخطأ !فأجابه الأسقف :”أن من أخطأت نظيره عليك أن تتوب نظيره !”.
ورضخ ثيودوسيوس. إنكفا عائدا إلى قصره وأقفل على نفسه في بكاء وتضرع إلى الرب الإله ثمانية أشهر.
وجاءه أحد مستشاريه ممن نصحوه بضرب أهل تسالونيكي على نحو ما حدث، أقول جاءه مخففا عنه عذاب الضمير وحزنه على نفسه من حيث أنه لم يفعل إلا ما تقتضيه الضرورة وتستلزمه المسؤولية فأجابه بدموع :”أنت لا تعرف ما في نفسي من القلق والإضطراب فأنا أبكي وأنوح على شقاوتي. كنيسة المسيح مشرّعة للشحّاذين والعبيد فيما أبواب الكنيسة، وبالتالي أبواب السماء، موصدة دوني، لأن الرب الإله قال :” كل ما تربطونه على الارض يكون مربوطا في السماء!”.
وخرج ثيودوسيوس إلى الأسقف قبل تمام توبته وسأله الحلّ من الخطايا فلم يشأ بل جعله في مصاف التائبين بعدما أعترف بجريمته علنا. وكان يركع عند باب الكنيسة ويردّد مع داود النبي :”نفسي لصقت بالتراب فأحيني حسب كلمتك “(مزمور 118 :25) . وبقي على هذه الحال مدة من الزمان يضرب أحيانا صدره وأحيانا ينتف شعره فيما كانت الدموع تنهمر على خديه متوسلا رحمة ربه.نائحا على خطيئته على مرأى من الناس الذين كان التأثر يبلغ بهم حدّ البكاء معه والتضرع إلى الرب من أجله. وقبل أن يمنحه القدّيس أمبروسيوس الحلّ من خطيئته ألزمه بإصدار مرسوم بإعطاء مهلة ثلاثين يوما قبل تنفيذ أي قرار بمصادرة أملاك أحد من الناس أو الحكم عليه بالموت لئلا يكون القرار المتخذ بحقه قد أتخذ بتسرع أو عن هوى.
إلى ذلك قيل أن ثيودوسيوس جاء إلى الكنيسة مرة وكان الوقت أحد الأعياد الكبرى. فبعدما قدّم قربانه على حسب العادة المتبعة بقي في حدود الهيكل حيث كان الإكليروس فسأله أمبروسيوس إذا كان يريد شيئا، فقال : الإشتراك في القدسات! فبعث إليه برئيس شمامسته يقول له :” لا يحق، يا سيدي، إلا للإكليروس أن يقفوا في الهيكل. لذلك أسألك أن تخرج وتقف في مصاف الشعب. الرداء القرمزي يؤهلك للإدارة ولا يؤهلك للكهنوت”. فخرج ثيودوسيوس عن طيبة خاطر ووقف بين العامة. ولما عاد إلى االقسطنطينية بعد إقامة في الغرب استمرت قرابة الثلاث سنوات أبى أن يقف في الهيكل حيث كانت العادة هناك واكتفى بموضع خاص بين الناس وكان يقول بتنهد:”كم هم صعب عليّ أن أتعلم الفرق بين الكهنوت والأمبراطورية! ها أنا محاط بالمتملقين من كل صوب ولم أجد غير إنسان واحد قومّني وقال لي الحق كله. انا لا أعرف سوى أسقف أصيل واحد في المسكونة، وهذا الأسقف هو أمبروسيوس!”.
هذا ويذكر مترجم القدّيس أمبروسيوس أنه أقام ميتا في فلورنسا وطرد الأرواح الشريرة من بعض الناس وشفى عددا من المرضى. كما جرى الكشف بهمته عن رفات عدد من القدّيسين أمثال بروتاسيوس وجرفاسيوس ونازاريوس وكلسيوس. هؤلاء تعيّد لهم الكنيسة المقدّسة يوم الرابع عشر من شهر تشرين الأول.
وقد سطع بهاء قداسة القدّيس أمبروسيوس في كل مكان حتى إن بعض الفرس من ذوي الرفعة أتوه مستبركين مسترشدين، كما أن شعبا بربريا يعرف ب”المركوماني” أهتدى إلى المسيحية بتأثير منه.
خلّف أمبروسيوس جيلا من القدّيسين أمثال أوغسطينوس الذي عمّده سنة 387 م وبولينوس النولي مترجمه وهو نوراتس وفيليكس.
وقد كان رقاده يوم الرابع من نيسان سنة 397 م، ليلة سبت النور، عن عمر ناهز السابعة والخمسين. أما عيده في السابع من كانون الأول فلسيامته أسقفا.
القدّيس أنطونيوس
هو قدّيس روسي، أقبل منذ طفولته على مطالعة الكتب المقدّسة ورسم الإيقونات. ترمّل ثم ترهّب في دير للشركة ثم تنسّك. في “سيا”، حيث نسك، تقع بحيرة ميخايلوفا. كان راهبًا ممتازًا. اجتمع إليه تلامذة عدة وكتب لمنفعتهم ما سبق له ان خبره بنفسه أنّه بمحبة الإخوة والطاعة والإتضاع والثبات في النسك والصلاة يتمكذن الراهب من اتباع السيد ويصير مسكنًا للروح القدس. أوصى أن يلقى جسده في البحيرة بعد موته. لم يشأ تلاميذه ذلك بل جعلوة في قبر. يعتبر أحد شفعاء رسّامي الإيقونات.
القدّيس نيلوس
القدّيس نيلوس هو قدّيس روسي.
كان فلاحًا من نوفغورود. نسك في مكان منعزل وعاش على نباتات الأرض.
جاءه صوت من السماء يدعوه لأن ينتقل إلى جزيرة ستوبلانسك.
قدم إليه لصوص مرّة فما إن إقتحموا بابه حتّى أصيبوا بالعمى. حفر مقبرته بجوار قلايته وكان يبكي كلّ يوم.. رقد بسلام في الربّ
الطروبارية
+ بما أنك معلِّمٌ إلهيٌّ ورئيس كهنة حكيم، تقود المؤمنين إلى حقائق العقائد، أيها البارُّ إمبروسيوس. مبدِّداً ضلالة المهرطقين بأقوالك، ومظهِراً نعمةَ حسنِ العبادة المعطاةِ من الله. فاحفظ بها مكرِّميك، سالمين من الأذى.
القديس نيقولاوس أسقف ميرا الصانع العجائب
شاع عن القدّيس نيقولاوس أنه ولد في باتارا من أعمال ليسيّة الواقعة في القسم الجنوبي الغربي من آسيا الصغرى، وأن ولادته كانت في النصف الثاني من القرن الثالث للميلاد. أرتبط اسمه باسم ميرا القريبة من باتارا، على بعد ثلاثة أميال منها. وقد ذكر أنه تثقّف عليها، ميرا، في آسيا الصغرى أو كما تعرف اليوم بر الأناضول، هي “دمري” الحالية. هناك يبدو أن ذكر القدّيس لم تمحه السنون بدليل أن المسلمين جعلوا له عند الكنيسة التي قيل أن القدّيس كان يقيم الذبيحة الإلهية فيها، أقول جعلوا له تمثالا لما أسموه “NOEL BABA”. يذكر أنه كانت لميرا، في وقت من الأوقات، ست وثلاثون أسقفية تابعة لها.
إلى ذلك قيل أن القدّيس نيقولاوس عانى الأضطهاد في أيام الأمبراطورين الرومانيين ذيوكليسيانوس ومكسيميانوس وانه أشترك في المجمع المسكوني في نيقية سنة 325 م.
هذا ويبدو أن قدّيسنا رقد في ميرا حوالي منتصف القرن الرابع الميلادي واستراحت رفاته في الكنيسة الأسقفية هناك إلى أن دهم الموضع قراصنة من باري الإيطالية عام 1087 م فسرقوه وسط احتجاج رهبان كان يقومون بخدمة المحجّة، وعادوا به إلى بلادهم حيث ما يزال إلى اليوم. وقد ذكرت مصادر عريقة أنه في كلا الموضعين، ميرا وباري، كان سائل طيب الرائحة يفيض من رفاته.
نشير إلى أن بعض المصادر يخلط ما بين القدّيس نيقولاوس أسقف ميرا ونيقولاوس آخر يبدو أنه تثقّف في القرن السادس أو ربما السابع على بينارا من مقاطعة ليسيّة عينها. هذا الأخير كان رئيسا لدير صهيون المقدّسة ثم صار أسقفا على بينارا ودفن في ديره على مقربة من ميرا.
من الواضح، في ما يروى عن القدّيس نيقولاوس، أن أخباره عجائبية في أكثر تفاصيلها. حتى الأخبار التي يمكن أن تكون عادية عنه سكبتها الأجيال المتعاقبة بقالب عجائبي تأكيدا لطابع سيرته العجائبي. فلقد جاء عنه أنه كان يصوم عن الرضاعة في طفولتيه يومي الأربعاء والجمعة إلا مرة واحدة بعد غروب الشمس. وأن عماً له، أسمه نيقولاوس أيضا، كان أسقفا على باتارا،لما سامه كاهنا تنبأ بالروح أن القدّيس سيصبح أسقفا يوما ما وسيكون تعزية وخلاصا لكثيرين ولما أختير أسقفا على ميرا كان ذلك بتوجيه من ملاك.
وقد كتب عنه مثوديوس القسطنطيني أنه عاين في رؤية مرة، الرب، يسوع المسيح مجللا بالمجد، واقفا به وهو يسلمه الإنجيل الشريف ووالدة الإله، من الجهة المقابلة، تضع الصاكوس على كتفيه. بعد ذلك بفترة قصيرة رقد يوحنا، أسقف ميرا، واختير نيقولاوس خلفا له.
إلى ذلك هناك عدد من الأحداث المروية عن القدّيس نيقولاوس تبيّنه رؤوفا محبا للإحسان والعدالة. بعض هذه الأحداث جرى له في حياته وبعضها بعد موته. مرتان أنقذ سفينة أشرفت على الغرق وكان مسافرا فيها. مرة أستجار به البحّارة وهم في عرض البحر وهو في كنيسته فأتى إليهم وأجارهم. مرة أوحى في الصلاة إلى سفينة محملة بالقمح كانت في عرض البحر فاتجهت صوب مقاطعة ليسيّة التي كانت قد حلّت بها مجاعة عظيمة. مرتان أنقذ غريقا من الهلاك. مرة أقام ثلاثة أولاد من الموت. ومرة أنقذ ثلاثة مظلومين قبل لحظات من تنفيذ حكم الإعدام بهم.على أن هناك ثلاثة أخبار عنه هي أكثر أخباره شيوعا بين العامة. دونك إياها مفصلة.
اندلعت في أيام قسطنطين الملك ثورة في فريجيا الكبرى قامت بها جماعة تعرف بـ”الترافيليون”. ولما تناهى الخبر إلى السلطة المركزية في القسطنطينية، بادر الملك إلى إرسال ثلاثة من القادة العسكريين لديه على رأس جيش كبير لمعالجة الوضع. فتوجه العسكر إلى فريجيا. وبعدما تمكّنوا من وضع حد للإضطرابات الحاصلة، عادوا إلى المدينة المتملكة مظفّرين، فأحسن قسطنطين وفادتهم وأكرمهم. ولكن تحرّك الحسد في نفوس بعض الحاقدين فشيّعوا لدى أفلافيون الوزير أن القادة الثلاثة لم يخمدوا ثورة “الترافيليون” بل عقدوا وإياهم أتفاقا سريا للإطاحة بالملك. ودعم الحاسدون دعواهم بشهود زور وتقديم هدايا ثمينة للوزير. كان الأقتراح أن يسعى الوزير إلى عرض الأمر على الملك لإثارة مخاوفه ومن ثم انتزاع موافقته على إعدام الثلاثة في أسرع وقت ممكن. فقبض الوزير على القادة المعنيين وزجّهم في السجن ثم بادر إلى الملك وهوّله بأخبار المكيدة التي يحكيها الثلاثة ضدّه، ثم سأله أن يصدر أمرا بإعدامهم للحال وأدا للفتنة. فارتاع الملك ووافق على إنزال عقوبة الإعدام بالثلاثة في اليوم التالي. في تلك الليلة قبع الثلاثة في سجنهم ينوحون ويبكون، وهم يضربون أخماسا بأسداس. لم تكن أمامهم حيلة يردّون بها عن أنفسهم هذا الخطر المداهم. وحدها الصلاة بقيت نصيبا لهم فصلوا وسألوا القدّيس نيقولاوس أن يعينهم:”يا إله أبينا نيقولاوس نجّنا. . .”. فظهر القدّيس في الحلم لكلا الرجلين، الملك ووزيره، قبل شروق الشمس، وطلب إليهما بتهديد أن يبادرا للحال إلى إطلاق سراح القادة الثلاثة لأنهم مظلومون. ولما كان الصباح أرسل الملك في طلب الوزير. وبعد الأخذ والرد أدرك الإثنان إنهما عاينا حلما واحدا في شأن المحكومين فتوجسا خيفة. على الأثر أمر الملك بإحضار الثلاثة إليه. فلما حضروا دافعوا عن أنفسهم فتبيّن إنهم أبرياء فأطلق سراحهم.
وكان هناك شخص غني عنده ثلاث بنات جميلات. فقسى عليه الدهر فافتقر. ولما عضّه العوز وأبت عليه كرامته أن يمدّ يده ويطلب لنفسه وبناته حسنة، عرض عليه إبليس أن يدفع بناته إلى تعاطي تجارة الزنى، فقاوم التجربة إلى أن قويت عليه. ولكن قبل ان يبادر إلى تنفيذ ما علق في نفسه عرف القدّيس نيقولاوس بأمره فأتاه تحت جنح الظلام وألقى إليه من الطاقة بكيس من النقود وذهب. وفي الصباح اكتشف الرجل النقود ففرح بها فرحا عظيما، وتساءل من فعل ذلك. وإذ شغلته الفرحة والنقود أكتفى بشكرالله، وقام فجهّز ابنته الكبرى وزوّجها. وعندما رأى القدّيس ان الرجل استعمل النقود للخير عاد وأتاه من جديد ورمى إليه بنفس الطريقة، في الليل، مبلغا من المال وذهب. واستفاق الرجل على كيس آخر من النقود فتعجّب وتساءل ثم اكتفى بشكرالله وجهّز أبنته الثانية كما فعل بالأولى وزفّها إلى أحد الشبّان الطيبّين. أخيرا جاء إليه القدّيس ثالثة وأعاد الكرّة من جديد، لكن الرجل تنبّه، هذه المرة، للأمر فأسرع وفتح الباب وركض في إثر صانع الخير إلى أن أدركه. فلما رأى القدّيس نيقولاوس أن سرّه استبان ركع عند قدمي الرجل ورجاه ألا يعلم به أحدا. وبعد أخذ ورد، عاد القدّيس من حيث أتى، وعاد الغني المفتقر إلى بيته يسبّح ويمجّد. ثم ذهب فأدى لأبنته الصغرى ما أداه لأختيها من قبلها.
يحكى عن رجل اسمه يوحنا عاش في القرن الثاسع الميلادي في القسطنطينية، تقي ورع يحب الله ويكرم قدّيسيه نيقولاوس، أنه سافر مرة في البحر لعمل. وبعد ساعات معدودة من مغادرته اهتاج البحر وضربت عاصفة السفينة التي كان مسافرا فيها. فأسرع البحّارة إلى ربط الأشرعة، وكان الوقت ليلا. في تلك الساعة خرج الرجل إلى ظهر السفينة لقضاء حاجة. وما أن خطا خطوات قليلة إلى الأمام حتى اضطربت السفينة يمينا ويسارا فاختل توازن الرجل وسقط في البحر على مرأى من البحّارة وصراخهم وغار الرجل في المياه وبكى البحّارة لفقده. ولكن لم تكن هذه نهاية القصة. فما أن بدأ الرجل بالغرق حتى صرخ في قلبه على غير وعي منه:”يا قدّيس الله نيقولاوس أعني!” وما أن فعل حتى وجد نفسه في غير مكان. وجد نفسه في بيته والماء يسيل من ثيابه. ولما استمر في الصلاة صارخا. نهض أهل بيته من نومهم مذعورين فوجدوه على هذه الحالة فاندهشوا وتحيّروا وخانتهم لغة الكلام إلى أن استردوا وعيهم وسألوه لماذا هو بهذه الحالة وكيف عاد إلى بيته. وسادت في المكان جلبة ليست بقليلة ما أن هدأت حتى فهم الجميع من الرجل أنه سقط غريقا في البحر وأن القدّيس نيقولاوس هوالذي أدركه وأعاده إلى بيته سالما معافى. فتحدث بهذا العجب في كل القسطنطينية وشكر الجميع الله وازدادوا إكراما لقدّيسه نيقولاوس وتعلقا به واعتمادا عليه. اما يوحنا فقيل إنه والد بطريرك القسطنطينية مثوديوس الأول الذي أعتلى سدّة البطريركية بين العامين 843 و847 م.
القدّيس ثيوفيلوس
هو أسقف انطاكية العظمى السادس أو ربما السابع. ولد لأبوين وثنيّين ونشأ وثنيًّا. درس الفلسفات القديمة وبرع فيها. لم تفسده الوثنية، كان توّاق إلى الحقيقة لذا دفعته إلى البحث عنها بتواضع وانفتاح قلب دون أحكام مسبقة. أفضت به تأملاته إلى اكتشاف خالق السماء والأرض وبالتالي إلى نبذ دين آبائه. وفي بحثه الدؤوب عن الحقيقة قرأ الأناجيل والأنبياء فوجد فيها ضالته المنشودة وصار مسيحيًّا، وأدرك أن المسيحيّة ليست فكرًا ولا فلسفة بالمعنى الذي كان القدامى يتعاطون معه بل هو سيرًا في دروب القداسة.
سنة 168م رقد أسقف انطاكية العظمى، فحلّ ثيوفيلوس محلّه وقد اهتمّ بالدفاع عن الايمان القويم ضد الوثنية والهرطقات والحث على السلوك في حياة الفضيلة. هذا وقد رقد القدّيس ثيوفيلوس قرابة العام 190م بعد أسقفية دامت أثنين وعشرين عامًا.
القدّيس مكسيموس
القّديس مكسيموس هو أحد الذين قاوموا إتفاق الوحدة المزعومة بين الكنيستين اللاتينية والأرثوذكسيّة إثر مجمع ليون المنعقد في العام 1374م. تسقّف متروبوليتًا على روسيا في زمن كان التتار قد دمّروا كييف وشتّتوا سكانها. عرف كيف يحاور التتار ونقل مركز المتروبولية إلى مدينة فلاديمير شمالاً. اهتمّ بإعادة تنظيم الكنيسة الروسيّة وساس قطيع المسيح فيها بحكمة ودراية.
الطروبارية
+ لقد أظهرتك أفعال الحق لرعيتك قانوناً للايمان وصورة للوداعة ومعلّماً للامساك أيها الأب رئيس الكهنة نيقولاوس فلذلك احرزت بالتواضع الرفعة وبالمسكنة الغنى فتشفع إلى المسيح الإله أن يخلص نفوسنا.
أبينا البار المتوشح بالله سابا المتقدّس
وُلد القديس سابا في إقليم الكبادوك سنة “439م”، من أبوين مسيحيّين و كانا من أغنياء تلك البلاد وأشرافها، نشأ على حب الفضيلة منذ نعومة أظفاره.
هرب إلي البرية و دخل ديراً هناك ليعبد الله بالهدوء والسكينة فبدأ بالمحافظة على الصلوات و الطاعة والقيام بفرائضه بكل أمانة و نشاط حتى أنّه فاق رهبان الدير بتواضعه و طاعته و تجرده و أصبح مثالاً للجميع.
عاش في الدير عشر سنوات في جهاد متواصل و تاقت نفسه إلى الوحدة و العيشة المنفردة، فاستأذن رؤساءه ليسمحوا له بالذهاب إلى القفار الفلسطينيّة ليعيش عيشة النسك فسمحوا له بالسفر فأتى أورشليم وزار الأماكن المقدسة ثم نزل إلي البراري و أتى إلى دير القديس أفثيميوس الكبير وطلب أن يقبل في عداد النساك ففرح به أفثيميوس و لكنّه نظراً لحداثة سنه أرسله إلي دير القديس ثاوكتستس حيث كان المبتدئون يستعدون للحياة النسكيّة المفردة التي يديرها القديس أفثيميوس نفسه، فعاش هنالك مواظباً على الإماتات الرهبانيّة و سائراً في طريق الكمالات الإنجيليّة.
و في هذه الأثناء رقد القديس ثاوكتستس بالرب فطلب سابا إلى خلفه أن يسمح له بحياة الإنفراد. وكان له ذلك. فذهب وسكن في مغارة يمارس فيها أعمال النسك الشديدة. كان يقضي خمسة أيّام من الأسبوع ي الوحدة التامة مثابراً على التأمل و الصلاة ، يشتغل بعمل السلال ويبيعها لينفق على نفسه و يتصدّق على الفقراء . كان يذهب يومي السبت و الأحد إلى الكنيسة ليسمع الإرشادات الروحيّة وحضور الذبيحة الإلهية وتناول الأسرار المقدّسة و يعود إلى خلوته.
دعاه القديس أفثيميوس بالشاب الشيخ لرصانته في حياته و جميل فضائله و طباعه، وأقبل النساك والرهبان إلى سابا يطلبون إرشاده و أخذ الكثيرون يتتلمذون له. فأنشأ لهم المناسك وقام يرشدهم، و لما تكاثر عددهم شيد لهم ديراً أقاموا فيه . انتشر صيت قداسة سابا و فضائله وعمّت كلّ البلاد، فسامه البطريرك سالستس كاهناً رغم تذلله و ممانعته و أسند إليه الرئاسة العامة على المناسك في فلسطين. و أتته أمّه حاملة إليه أموالاً كثيرة من إرث أسرته و طلبت منه السماح لها بالإقامة تحت كنفه ما بقي لها من العمر، فسمح لها وعنى بوالدته في أيّامها الأخيرة، و لمّا رقدت أنشأ بالأموال التي حملتها إليه مستشفى للمرضى بجوار الدير، و مستشفى آخر في أريحا و مضافة للزوّار بقرب الدير وذهبت الأموال في سبيل خدمة القريب.
استحوذ الحسد على بعض الرهبان فنالوا من كرامته و التظاهر ضدّ سلطته فآثر الإبتعاد عن الدير على أن يقاوم الشرّ بالشرّ وتوغّل في الصحراء حيث وجد مغارة دخلها. وما أن أقام فيها حتى رأى أسداً هائلاً يدخل عليه لأن تلك المغارة كانت عريناً له، فلم يضطرب سابا لرؤيته و قال للأسد “لا تغضب فالمحلّ يتّسع لي ولك” فحدّق فيه الأسد و لوّح بذيله و غادر المغارة و ترك القديس سابا في عرينه و مضى . لكنّ الرهبان أشاعوا بأن الأسد قد إفترسه و طلبوا إلى البطريرك تعيين آخر مكانه.
ولمّا كان عيد تجديد هيكل القيامة جاء سابا كعادته إلي أورشليم ليحضر العيد فرآه البطريرك و تمسّك به وأعاده إلي ديره و عمله بالرغم من إعتذار سابا عن ذلك و إدّعائه بقلّة الدراية في تدبير أمور رهبانه، أمّا هو فلوداعته و تواضعه و حبّه للسلام فسكت عن عصيانهم وبقى يسهر عليهم.
ترأّس القديس سابا وفداً من رؤساء الأديار للسفر إلى القسطنينيّة للمثول أمام الملك و تقديم رسائل له من إيليّا بطريرك أورشليم لكي رفع الشدّة عن فلسطين. فلم يسمح له الحرس بالدخول إلى القصر لأنهم ظنوه أحد الخدم لِما كان عليه من التواضع. ولمّا قرأ الملك الرسائل سأل عن سابا فأخبروه بالأمر فاستدعاه وبالغ في إكرامه و أرسل إلى عمّاله لتخفيف الوطأة عن البلاد ورضي عن البطريرك إيليّا و منح سابا ألف دينار ذهباً مساعدة لأدياره.
إمتاز سابا في حياته بالوداعة و التواضع و الفطنة وكان شفوقاً على القريب، خادماً للضعيف و الغريب، كثير الإماتات و الأصوام و لذلك منحه الله صنع العجائب.
رقد بالرب بين أولاده و قد ناهز الثانية و التسعين من عمره. و بقيت أديرة القديس سابا ورهبانه تسطع في الشرق حتى أواخر القرن العاشر حيث بقي منها إلى يومنا هذا دير واحد قائم على إسمه. وإلى القديس سابا يعود أقدم تيبيكون جمع القواعد التي تضبط الخدم الليتورجيّة في العبادة.
القدّيسين قاريون وزكريا المصريّين
ترهبّا القدّيسان في إسقيط مصر، كانا أبًا وابنه وأبرزهما كان زكريا. نُقَل عن هذا الأخير أنّه كان جميل الطلعة، حسن الصورة جدًا فعثر به الرهبان. وبعدما غيّر موضع نسكه وأبيه عدّة مرات دون أن ينجح في رفع سجس الرهبان بشأنه، ألقى بنفسه في غدير ماء معدني حتّى تشوّه بدنه وتغيّرت ملامحه. فلمّا عاد إلى أبيه لم يتعرفه إلا بصعوبة. وقد قال عنه إيسيذورس الكاهن لما رأه على هذه الصورة: إن زكريا الصبي جاءنا في الأحد الماضي كإنسان، أمّا الآن فيأتينا كملاك!.
ومرّة، عاين زكريا رؤيا من الله فلمّا أطلع أباه عليها قال له: “هذه الرؤيا من الشياطين!”. ولكن بعدما فكّر أبوه في الأمر طويلاً قال له: “إمض إلى أنبا بيمين وأفعل بما أوصيك به”. فلما جاء إليه بادره الشيخ بالقول: “إن الرؤيا هي من الله، ولكن إمض وأخضع لأبيك!”.
قال أنبا قاريون عن أبنه: “إني بذلت أتعابًا كثيرة بجسدي لكني لم اصل إلى رتبة ابني زكريا في اتزان العقل والسكون.
ولمّا حضرت ساعة وفاة زكريا سأله القديس موسى الأسود: أية فضيلة هي الأعظم يابني؟ فأجاب: على ما أراه يا أبتاه، ليس شيء أفضل من الصمت.
القدّيسة كريسبينا
أخبر عن القدّيسة كريسبينا أوغسطينوس المغبوط.
هي من شمالي أفريقيا. كانت متزوجة، عريقة النسب، غنيّة ولها بضعة أولاد. امتازت بغرية فائقة على الإيمان بالربّ يسوع المسيح وجسارة غير عادية. جاهرت بإيمانها أمام أنولينوس الحاكم ولم تخر أمام دموع أولادها. سعى الحاكم إلى إكراهها على التضحية للأوثان فلم تمتثل له. قالتك “لا امانة ولا تقوى بالإكراه!” عرضوها للهزء أمام الجماهير، ثم عذّبوها وقطعوا رأسها.
الطروبارية
+ للبرية غير المثمرة بمجاري دموعك أمرعت وبالتنهدات التي من الأعماق أثمرت بأتعابك إلى مئة ضعف فصرت كوكباً للمسكونة متلآلئاً بالعجائب يا أبانا البار سابا فتشفع إلى المسيح الإله أن يخلّص نفوسنا.
القدّيس يوحنا أسقف بوليبوت
القدّيس يوحنا هو قدّيس معترف وصانع عجائب. عاش في زمن الأمبراطور لاون الإيصوري. تمسّك بإكرام الإيقونات المقدّسة وواجه اضطهادات الأمبراطور له. رقد بسلام في الربّ وبقي جسمه محفوظًا، دون أن يفسد، في كنيسة المدينة يصنع العجائب. كانت هناك عادة في المدينة، في كلّ عنصرة، أن يُخرج المؤمنون جسد القدّيس من الصندوق الموضوع فيه وأن يلبسوه حلّته الكهنوتيّة ويرئّسوه القداس الإلهي بصمت وكان يبقى مستقيمًا في جلسته طيلة فترة الخدمة الإلهيّة. كما يحكى أنّه عندما استولى المسلمون على مدينة عموريّة المجاورة، سنة 838م، شاؤوا أن يدنّسوا مقامه فضربتهم آلام وضيقات متنوعة، ولم يشفوا إلا بعدما سألوا الصفح.
القدّيسة الشهيدة العظيمة في الشهيدات بربارة
ولدت بربارة في مدينة نيقوميدية. وكان ابوها ديوسيقورُس غنياً وثنياً متعصّباً. فأحسن تربيتها بالعلوم والآداب. وبما أنّها كانت رائعة الجمال وضعها في برج حصين، وأقام من حولها الأصنام لتظلّ متعبّدة للآلهة.
فأخذت تتأمّل في هذا الكون وتبحث عن مبدعه. ولم ترَ في الأصنام سوى حجارة صُم لا يرجى منها خير. فأتاح لها الله أن اتصلت بالمعلّم فالنتيانوس فأخذ يشرح لها أسرار الديانة المسيحيّة وتعاليم الإنجيل السامية. فأذعنت بربارة لهذا المرشد الحكيم وآمنت بالمسيح وقبلت سرّ العماد المقدّس، ونذرت بتوليتها للرب يسوع .وكانت مثابرة على الصلاة والتأمّل وقراءة الكتب المقدّسة. وامرت خدامها، وبينهم مسيحيون، بتحطيم ما حولها من الأصنام. غضب أبوها واوسعها شتماً وضرباً وطرحها في قبو مظلم، فقامت تصلّي إلى الله ليقويها على الثبات في إيمانها. وفي الغد اتى بها ابوها، مكبّلة بالسلاسل، إلى الوالي مركيانوس. فاستشاط الوالي غيظاً من ثباتها في الإيمان بالمسيح، وأمر بجلدها بأعصاب البقر، فتمزّقَ جسدها وتفجرّت دماؤها، وهي صابرة صامته. ثم طرحوها في السجن، فظهر لها السيد المسيح وشفاها من جراحها. وفي الصباح رآها الحاكم صحيحة الجسم مشرقة الوجه، فابتدرها قائلاً: ان الآلهة شفقت عليها وضمّدت جراحها. فأجابت: “ان الذي شفاني هو يسوع المسيح ربّ الحياة والموت”. فتميّز الحاكم غيظاً وأمر بجلدها ثانية حتى تناثرت لحمانها. ثم أمر بقطع رأسها فتمت شهادتها عام 235.
أبينا البار يوحنا الدمشقي
خدمتنا الليتورجية، في هذا اليوم المبارك، تكرمه راهبا افتقر كمعلمه، وهو رجل الغنى والمجد العالميين، وانصرف عن الدنيا تاركا اضطراب هذه الحياة وشواشها وجادا في طلب سكون المسيح. أخضع جسده بأعراق النسك الكثيرة وطهّر مشاعره بمخافة الله فأضحى مواطن الصحراء وقاهر الشرّير وارتقى إلى المعالي السماوية مستغنيا بالعمل والثاوريا (المعاينة الإلهية). وقد جارى بأناشيده الأجواق السماوية، ووضع نظام أنغام الموسيقى، فأستحق اسم داود، صاحب المزامير. كما نقّض البدع ودافع عن الإيمان وسلّم الكنيسة المعتقد القويم، وبسط التعليم الصحيح بشأن الإيقونات المقدّسة فاستحق، كلاهوتي، أن يدعى رسولا حبيبا. ولقوة مؤلفاته فاق كل الحكماء الذين سبقوه. وهو كموسى ولج غيمة الروح القدس الأسرار الإلهية ومدّها لنا بلغة متناغمة. لذا أضحى مستحق التعجّب لأننا به عرفنا أن نمجّد الإله الكلي الصلاح.
أعرق الشهادات بشأن القدّيس البار يوحنا الدمشقي تفيد أن أول جامع لسيرته هو الراهب الكاهن ميخائيل السمعاني الأنطاكي. وقد أخرجها بالعربية سنة 1085 م فيما تنسب النسخة اليونانية إلى بطريرك أسمه يوحنا ، لعله السابع الأنطاكي (1088 – 1106 م).
لا نعرف بالتأكيد أصل عائلة القدّيس يوحنا. بعض المصادر يقول إنه بيزنطي وبعضها سرياني فيما تبرز أهم الدراسات أنه عربي أبن عربي. دعي في الأساس منصور بن سرجون. ولعله أصلا من بني تغلب. أستوطنت عائلته دمشق قبل القرن السادس للميلاد وكانت على رفعة في المقام والمنصب.شغل جدّه منصور مركز مدير المالية العام وتبوأ حاكمية دمشق في زمن الأمبراطور البيزنطي موريس (موريق) (582 – 602 م) وحتى هرقل (610 – 641 م). ويبدو أنه هو الذي فاوض العرب على تسليم دمشق بعدما هجرت الحامية البيزنطية مواقعها وتركت الدمشقيين لمصيرهم.أما والده سرجون فولاّه معاوية بن أبي سفيان ديوان المالية، في سورية أولا ثم في سائر أرجاء الدولة الأموية. وقد أستمر في وظيفته إلى خلافة عبد الملك بن مروان (685 – 705 م)، أي ما يزيد على الثلاثين عاما كان خلالها زعيم المسيحيين في دمشق.
إلى ذلك يبدو أن أثنين من عائلة منصور شغلا الكرسي الأورشليمي في القرن التاسع للميلاد بشهادة سعيد بن البطريق (877 -941 م).
كان مولد يوحنا في مدينة دمشق مابين العامين 655 و660 للميلاد. دعي منذ القرن التاسع “دفّاق الذهب”أو “مجرى الذهب”،- هو أسم نهر بردى في الأساس – بسبب النعمة المتألقة في كلامه وحياته. تتلمذ هو وأخ له بالتبني،أسمه قزما، لراهب صقيلّي كان واسع الإطلاع، محيطا بعلوم عصره. وكان اسم الراهب قزما، أيضا، فك سرجون، والد يوحنا أسره من قراصنة أتوا به إلى دمشق.
ملّك يوحنا الفلسفة اليونانية فطوّعها، فيما بعد، لإيضاح الإيمان الأرثوذكسي. عاش أول أمره، عيشة الدمشقيين الأثرياء السهلة وكان من رواد البلاط الأموي بالنظر إلى مكانة والده عند الخلفاء. ربطته بيزيد بن معاوية صداقة حميمة وكان يتحسّس الشعر ويتذوقه وتهتز مشاعره لدى أحتكاكه بشعراء الصحراء. ويرى عدد من الدارسين أن بعض تآليفه تأثرت بهذا الاحتكاك، لا سيّما أناشيده وقوانينه. كما أكتسب من رفقته بيزيد معرفة القرأن والديانة الإسلامية.
هذا ويظهر أن يوحنا شغل منصبا إداريا رفيعا في زمن الأمويين. وإن كنا لا نعرف تماما ما هو. قد يكون أمينا للأسرار أو مستشارا أولا. وقد أقام على هذا النحو زمانا إلى أن نفخت رياح التغيير فاخذ الحكّام يضيّقون على النصارى. ولما أصدر الخليفة عمر الثاني (717 -720 م) قانونا حظّر فيه على المسيحيين أن يتسلّموا وظائف رفيعة في الدولة ما لم يسلموا، تمسك يوحنا بإيمانه وتخلى عن مكانته. ولعل هذا هو السبب الأول في زهده في الدنيا وانصرافه عنها إلى الحياة الرهبانية في دير القدّيس سابا القريب من أورشليم.
هذا ويحكى أنه لما أندلعت حرب الصور الكنيسة في الأمبراطورية البيزنطية، واتخذت الدولة منها، بشخص الأمبراطور لاون الإيصوري (717 – 741 م)، موقفا معاديا، باشرت حملة واسعة لتحطيمها وإزالة معالمها وإشاعة موقف لاهوتي رافض لها وقد سعى الأمبراطور جهده لحمل الأساقفة، بالترغيب والترهيب، على الإذعان لرغبته. وكانت النتيجة أن خفتت أكثر الأصوات المعارضة، المتمسكة بالإيقونات. يومذاك هبّ القدّيس يوحنا الدمشقي، وكان، حسبما نقل مترجمه، ما يزال بعد في العالم، مدافعا عن الإيقونات وإكرامها فكتب وبعث برسائل عديدة في كل إتجاه، حتى قيل أنه أشترك في أعمال المجمع الأورشليمي المنعقد لهذه الغاية، وحضّ على المجاهرة بهرطقة الأمبراطور وقطعه. ولما كانت سوريا وفلسطين خارج الفلك البيزنطي فقد حاول لاون الملك أن يخنق صوت الدمشقي عن بعد وبالحيلة. لهذا أستدعى أمهر الخطّاطين لديه وطلب منهم أن ينسخوا له رسالة كتبها زورا كما من القدّيس إليه وأن يجعلوا الخط في الرسالة مطابقا، قدر الإمكان، لخط الدمشقي. مضمون الرسالة كان الإستعانة بالأمبراطور على الخليفة. وأرفق لاون الرسالة المزوّرة بأخرى شخصية عبّر فيها للخليفة عما أسماه”صفاء المحبة بينهما وشرف قدر منزلته عنده”. وأردف بالقول إنه إذ يرغب في تأكيد المحبة والصلح بينه وبين الخليفة يرسل إليه صورة الرسالة التي أنفذها إليه عامل الخليفة يوحنا.
فلما اطّلع الخليفة عمر بن عبد العزيز على الرسالتين أستبدّ به الغضب الشديد وأرسل في طلب يوحنا وواجهه بهما، فدافع قدّيسنا عن نفسه، ولكن دون جدوى، فأمر الخليفة السيّاف بقطع يد القديس اليمنى وتعليقها في ساحة المدينة العامة.
وبالحيلة أستردّ يوحنا يده المقطوعة متذرعا بضرورة دفنها لتهدأ آلامه التي لا تطاق. فأخذها ودخل بها إلى بيته وارتمى عند إيقونة لوالدة الإله جاعلا اليد المقطوعة على مفصلها، وصلّى بدموع غزيرة لتردّها له والدة الإله سالمة. وفيما هو مستغرق في صلاته غفا، وإذا بوالدة الإله تتراءى له في الحلم قائلة:”ها إن يدك قد عوفيت الآن، فاجتهد أن تحقّق ما وعدت به بدون تأخير”. فاستيقظ يوحنا من النوم ليكتشف أن يده قد عادت بالفعل صحيحة وموضع القطع ظاهر عليها كخط أحمر.
يذكر أن سائحا مرّ بدمشق في القرن السابع عشر ونقل ما يبدو أنه كان متداولا في ذلك الزمان أن المعجزة قد تمّت بواسطة إيقونة سيدة صيدنايا العجائبية.
إثر الأعجوبة، كما ورد في التراث، حاول الخليفة أستعادة يوحنا ووعده بإكرامات جزيلة، ولكن قدّيسنا كان قد زهد في الدنيا وتشوّف إلى الحياة الملائكية. وقد ترك هو وأخوه بالتبني، قزما، دمشق ووجّها طرفهما ناحية دير البار سابا المتقدس، بعدما وزّع أمواله على الفقراء والمحتاجين وصرف سائر شؤونه الدنيا.
كان يوحنا، في ذلك الزمان، رجلا ذائع الصيت، لهذا استقبله رهبان دير القديس سابا بفرح، لكنهم خشوا أن يكون إقباله على الحياة الرهبانية مجرد نزوة. ولما كانوا عارفين بعمق ثقافته العالمية فقد تردّدوا الواحد تلو الآخر في تحمل مسؤولية رعايته على السيرة النسكية. أخيرا قبله شيخ جليل متقدم في السن. فلما أقبل يوحنا إليه بادره بالقول :”يا أبني الروحي، أرغب إليك أن تقصي عنك كل فكر دنيوي وكل تصرّف أرضي. إعمل ما تراني أعمله، ولا تتباه بعلومك. إن العلوم الرهبانية والنسكية لا تقل أهمية عنها، لا بل تعلوها مقاما وفلسفة. أمت ميولك المنحرفة وتصرّف بخلاف ما يرضيك، ولا تقدم على عمل دون موافقتي وطلب نصيحتي. لا ترسل أحدا إنس العلوم البشرية التي تعلمتها كلها ولا تتحدّث عنها مطلقا” فسجد له يوحنا وطلب صلاته وبركته ليكون له الله على ما ذكر معينا.
سلك قدّيسنا في ما وعد به بكا غيرة وأمانة إلى أن رغب معلمه في إمتحانه يوما ليرى مقدار تمسكه بنذر الطاعة، فقال له :”يا ولدي الروحاني، قد بلغني أن عمل أيدينا الذي هو الزنابيل مطلوب بدمشق، وقد اجتمع عندنا منها شيء كثير. فقم اذهب إلى مدينتك وخذها معك لتبيعهاوتحضر لنا ثمنها لأحتياجنا إليه في النفقة”. فحمّله إياها ورسم له ضعفي ثمنها لئلا يتيسّر له بيعها بسرعة. فلما خرج أرسل له الرب راهبين آخرين منطلقين إلى دمشق فساعداه على حمل الزنابيل. ولما وصل إلى السوق لم يصادف من يشتريها منه لغلاء ثمنها. وفيما هو جائل حائر في أمره، رأه بعض خدمه ممن كانوا له في العالم، فعرفوه ولم يعرفهم، فرقّوا له وأخذوا منه زنابيله بالثمن الذي طلبه. فعاد يوحنا إلى معلمه وقد ظفر بإكليل الغلبة على شيطان الكبر والعظمة.
وحدث مرة أن رقد بالرب أحد الشيوخ الرهبان وكان جارا ليوحنا،فحزن أخوه في الجسد عليه حزنا شديدا، وكان هو أيضا راهبا. فجاء إلى يوحنا وسأله أن ينظم له طروبارية تسليه عن غمّه، فاعتذر يوحنا لأنه لم يشأ أن يخالف الشيخ معلمه في ما وضعه عليه. لكن الراهب أصرّ بالقول:”ثق أني لن أبوح بها ولن أرتلها ألاوأنا وحدي ” وظلّ عليه حتى أخرج له طروبارية. وفيما كان يلحنّها، أدركه معلمه الشيخ فقال له “أبهذا أوصيتك؟ هل أمرتك أن تزمّر أم تنوح وتبكي؟ ” فأخبره يوحنا بما جرى له وسأله الصفح فامتنع قائلا:”أنك منذ الآن لا تصلح للسكنى معي، فانصرف عني بسرعة”. فخرج قدّيسنا من عند الشيخ حزينا وجال على الرهبان يتوسّط لديهم، فلما أتوا إلى الشيخ سألوه أن يسامحه فأبى، فقالوا له:”أما عندك قانون تؤدبه به لتصفح عنه”فقال:”أجل، إذا ما حرّر مستخدمات(مراحيض) مشايخ الرهبان ونظفّها”، فانصرف الآباء من عنده مغمومين لأنه لم يسبق لهم أن سمعوا بقصاص كهذا، فلما أتوا إلى يوحنا، أستوضحهم الأمر فأجابوه، بعد لأي، بما قاله لهم الشيخ. فقام لتوه قائلا :”هذا الأمر سهل فعله عندي، متيسّر عليّ”. ثم أخذ قفة ومجرفة وبدأ بالقلاّية الملاصقة لقلاّيته. فلما بلغ الشيخ ما صنعه تلميذه بادر إليه على عجل وأمسكه بكلتا يديه وقبّل رأسه وعينيه وقال له :”ثق يا بني لقد أكملت الطاعة وزدت عليها وليست بك حاجة بعد إلى أكثر من ذلك، فهيا إلى قلايتك على الرحب والسعة”.
ومرّت أيام ظهرت بعدها والدة الإله القدّيسة لمعلم يوحنا في الحلم وقالت له:”لماذا، ايها الشيخ، تمنع الينبوع عن أن يفيض ويجري؟!فإن تلميذك يوحنا عتيد أن يجمّل كنيسة المسيح بأقواله ويزيّن أعياد الشهداء وكافة القديسين بترنيماته الإلهية فأطلقه… لأن الروح القدس المعزي يجري على لسانه”. فلما أطل الصباح قال الشيخ لتلميذه:”يا أبني الحبيب الروحاني، أذا ما حضرك منذ الآن قول تتكلم به فلا مانع يمنعك لأن الله سبحانه يرضاه ويهواه. فافتح فمك وقل ما تلقنك إياه النعمة الإلهية”. من ذلك اليوم صار القدّيس يضع القوانين الليتورجية والاستيشيرات والطروباريات وسواها. ربيبه في عمله هذا كان أخاه بالتبني قزما. ويبدو، كما يؤكد كاتب سيرته، أن المحبة الإلهية كانت وافرة بين الأثنين ولإنه لم يعرض لهما أن غلبهما الحسد مدة حياتهما.
ستفاد من أخبار القدّيس يوحنا أن بطريرك أورشليم أستدعاه بعد سنوات من حياته الديرية ثبت خلالها في الاتضاع و الطاعة وسامه كاهنا رغم تمنّعه. فلما عاد إلى الدير زاد على نسكه نسكا.
يذكر أن يوحنا تلقى العلوم المقدّسة لا في دمشق بل في الدير ولدى بطريرك أورشليم أيضا. هو نفسه ذكر أن معلميه كانوا من رعاة الكنيسة.
مذ ذاك أصبح يوحنا واعظ المدينة المقدّسة، يقيم في ديره ثم يخرج إلى القدس وهي قريبة، ليتمم خدمته في كنيسة القيامة. وقد بقي لنا من مواعظه تسع أمتار فيها بالبلاغة والإبداع وقوة المنطق واقتدار الحجة وغنى العقيدة.
وإلى جانب الكهانة والوعظ أهتم قدّيسنا بالتدريس. وثمة ما يشير، في نآليفه العقائدية والجدلية، إلى أن بعضها على الأقل دروس شفهية التقطها الكتّاب ودوّنوها.
هناك أربعة مجالات كنسية أساسية كانت للقدّيس يوحنا الدمشقي فيها إسهامات جليلة جزيلة القيمة:
الأول عقائدي.للقدّيس فيه بضع مؤلفات أهمها كتاب” ينبوع المعرفة” الذي يشتمل على ثلاثة أبواب، أحدها فصول فلسفية هي بمثابة توطئة للعرض اللاهوتي وتحديدات لبعض الفلاسفة الأقدمين وآباء الكنيسة. يلي ذلك باب الهرطقات الذي هو عبارة عن توطئة لاهوتية تاريخية يتناول فيها مئة وثلاثة تعاليم دينية زائفة وانتشارها. وأخيرا بيان الإيمان الأرثوذكسي الذي قسمه إلى مئة فصل أو مقال.
الثاني جدلي دفاعي .هنا كتب قدّيسنا ضد هرطقات زمانه كلها:”النسطورية والطبيعية الواحدة والمشيئة الواحدة والمانوية وبدعة محطمي الإيقونات. كما وضع الخطوط العريضة لطريقة الجدل مع المسلمين وترك نبذة ضد الخرافات الشعبية. أهم هذه الكتابات مباحثه الثلاثة الدفاعية ضد الذين يرذلون الإيقونات المقدّسة.
الثالث ليتورجي. هنا يعزى إليه إرساء أسس كتاب المعزي وتأليف العديد من الستيشيرات والبروصوميات والإذيوميلات والكاثسماتات والطروباريات والقناديق والقوانين الكنسية بالإضافة إلى دور أكيد في تحرير تيبيكون دير القدّيس سابا.
الرابع موسيقي. فيه نظّم ووضع قسما كبيرا من موسيقى كتاب المعزي ولحّن العديد من القوانين والطروباريات وساهم في وضع نظام العلامات الموسيقية.
ولا بد من كلمة بشأن دفاع القدّيس يوحنا عن الإيقونات لاهوتا. فالحق أن قدّيسنا هو الذي وضع الأسس اللاهوتية للدفاع عن إكرام الإيقونات، وهو ما تبنّته الكنيسة وبنت عليه عبر العصور. يستند لاهوت الإيقونة عنده إلى ثلاثة قواعد أساسية.
لا نقدر أن نمثّل الله حسيا لأنه روح محض لكننا نقدر أن نمّثّل الرب يسوع المسيح ووالدة الإله والقدّيسين وحتى الملائكة الذين ظهروا على الأرض بأجساد. فالكتاب المقدس لا يمنع تكريم الصور بل عبادة الأوثان.
إن الإكرام الذي نقدمه للإيقونات إنما نقدمها لأصحابها المرسومين عليها، لا إلى الخشب والألوان، وهو يرجع في كل حال إلى الله الذي هو مصدر كل خير في القدّيسين. ونؤكد كلمة “إكرام” لأننا نميّز بين الإكرام والعبادة التي لا تليق إلا بالله وحده.
ثم إن لإكرام الإيقونات منافع جزيلة. فالصور ظاهرة إنسانية نذكر من خلالها نعم الله علينا. وهي بمنزلة كتاب للعامة تمدّ إليهم أسرار الله وإحساناته وحضوره، وتحرّض على إقتفاء سير القدّيسين
رقاده
أمضى القدّيس يوحنا ثلاثين سنة من عمره في الدير.ولعله لم يعد إلى دمشق خلال ذلك إلا مة واحدة. كان رقاده بسلام في الرب، في شيخوخة مخصبة بالصالحات، أغلب الظن، بين العامين 749 و750 للميلاد.جمع في نفسه، على نحو متناغم، قداسة الراهب وعمق اللاهوتي وغيرة الرسول وإلهام المنشد وموهبة الموسيقى. فاستحق إكرام الكنيسة له جيلا بعد جيل، أبا ومعلما.
بقيت رفاته في الدير إلى القرن الثاني عشر حين جرى نقلها إلى القسطنطينية حيث أودعت كنيسة جميع القدّيسين القديمة بجانب القدّيسين يوحنا الذهبي الفم وغريغوريوس اللاهوتي. يذكر أن اللاتين نهبوا هذه الكنيسة عندما دخلوا القسطنطينية سنة 1204 . كما هدمها الأتراك سنة 1463 .
وقد أعلن المجمع المقدس السابع (787 م) قداسة يوحنا واعتبره “بطل الحقيقة”.
الطروبارية
+ هلمّوا نمتدح البلبل الغرّيد، الشجيّ النغم، الذي أطرب كنيسةَ المسيح وأبهجها بأناشيده الحسنة الإيقاع الطليّة، أعني به يوحنّا الدمشقيّ الكليّ الحكمة زعيم ناظمي التسابيح، الذي كان مملؤاً حكمة إلهيّة وعالميّة
+ لقد صِرتِ بمجد الثالوث كارزةً حين أحدثتِ في البناءِ ثلاثة نوافذ بحكمة وإذ جاهدتِ بإشراقٍ بما أنكِ بتولٌ مجيدة. يا بربارة المعظمة في الشهداء. قلا تزالي متشفعة إلى الرب ليرحم نفوسنا.
القدّيس كورنيليوس
ورد ذكر القدّيس كورنيليوس مع سيرة القدّيس ثيوذولوس الرهّاوي، لكنّنا آثرنا إيراده منفردًا للتعريف به. قال عنه البطريرك مكاريوس الزعيم أنّه أرضى الله بأعمال حسنة وانتقل إلى الربّ بسلام.
المعلومات المتوافرة تفيد أن القدّيس ثيوذولوس الرهّاوي بعدما تقدّم في نسكه على العمود سنوات، قضتّه رغبة أن يعرف ما إذا كانت طريقة حياته مرضية لله أم لا، فرجى ربّه أن يعرفّه بمن يشبهه في حياة الفضيلة. وإن هي سوى أيام حتّى جاءه صوت من السماء أن يذهب إلى دمشق، إلى رجل بار اسمه كورنيليوس. فنزل عن عموده للحال وقصد دمشق. فلمّا بلغها بحث عن الرجل فوجده لأن كورنيليوس كان معروفًا لتقواه. وإذ دخل إليه سجد لديه فعجب كورنيليوس منه. سأله ثيوذولوس بإلحاح أن يعرّفه بسيرته لمنفعة نفسه، وبالجهد أخبره كورنيليوس أنّه لما كان في العالم امتهن المسرح وعاشر المستهترين وسار سيرة ملتوية زمانًا ليس بقليل. ثم، فجاة، استبّد به وخز الضمير عنيفًا فارتعد من الدينونة العتيدة في اليوم الأخير، ثم عزم على التوبة. وفيما متفكّر في ما عساه يفعل بثروته. كيف يوزذعها على الفقراء والمساكين، إذ به يلتقي إمرأة بارعة الجمال تستعطي. كان على زوجها دين مقداره 400 مثقال من الذهب. وإذ لم يكن لديه ما يوفيه ألقاه أصحاب الدين في السجن، فهامت زوجته على وجهها حزينة يائسة. فلما عرف كورنيليوس بحالها رقّ لها وأعطاها كلّ ما يملك وسألها ان تصلّي من أجله. وعلى الأثر انصرف إلى التوبة والنسك، فلمّا سمع ثيوذولوس بسيرة هذا الأب المفضال شكرالله أنّه دلّه عليه وعاد إلى مقرّه مكبّرًا متعزيًا متثبتًا في ما خرج هو نفسه من أجله. ويقال أن الأبوين أكملا سيرتهما مرضيين لله إلى أن انتقلا إلى الربّ بسلام.
القدّيس ثيوذولوس الرهاوي
تبوأ، في أيام الأمبراطور ثيودسيوس الكبير، منصب الولاية على مدينة القسطنطنية. لكنّه لم يطق مفساد ودسائس الحاشية الملكيّة وممالقاتها. فلمّا توفيّت زوجته، وزّع ثروته على فقراء المدينة، وكانت خمسمائة رطل من الذهب، ثم انصرف إلى الرها، حيث صعد على عمود ونسك فوقه ثلاثين سنة. كان يومها قد بلغ الأربعين أعتاد الإمساك عن مأكول الناس. كان يكتفي، كلّ يوم أحد، بالقدسات والقرابين المتبقية من الذبيحة الإلهيّة. ثابر على هذه السيرة غلى أن أكمل سعيه ورقد بسلام في الربّ.
القدّيس صفنيا النبيّ
هو صفنيا بن كوشي، صاحب النبوءة التاسعة من النبوءات الصغيرة اللإثنتي عشرة. عاش في أورشليم، في زمن الملك يوشيا (640 -609 ق.م.) المعروف بإصلاحاته الدينية. عاصر إرميا النبي. ويظن أن رسالته النبوية امتدت من العام 630 ق.م. إلى ما بعد الاستيلاء على أورشليم والجلاء إلى بابل (587 ق.م).
خدمتنا الليتورجية،هذا اليوم، تكرمه لأنه تكلم على الفرح الآتي: “هلّلي يا بنت صهيون … إفرحي وتهللي من كل قلبك “(3:14). تكرمه لأنه عاين يوم مجيء المخلص وأعلن عنه. تكرمه لأنه سبق فأذاع بأن أسرائيل والأمم تجتمع إلى واحد وتعبد الإله الواحد. والله يطهّرالشعوب من الدنس “فيدعوا جميعا باسم الرب ويعبدوه والكتف إلى الكتف”(3:9). في ذلك اليوم يبرّر السيّد الإله شعبه بعد سبي. يلغي الحكم عليهم (3: 15) ويقيم في وسطهم فلا يرون الشر من بعد (3 :15). في ذلك اليوم ينزع الرب المتباهين المتكبّرين ولا يبقى غير شعب وديع متواضع مسكين.”لا يرتكبون الظلم ولا ينطقون بالكذب ولا يوجد في أفواههم لسان مكر لأنهم سيرعون ويربضون ولا أحد يفزعهم “(3 :11 -12).
هذا وإنّ الزمن الذي عاش فيه صفنيا كان مضطربا إلى الغاية في المستويين السياسي والعسكري. الخراب والفوضى الحاصلة بومذاك كانا أشبه بالفيضان الذي غرّق العالمين في أيام نوح بعدما أستشرى الفساد وزاغ الأنسان على غير رجعة. بكلمات صفنيا، الأمة أضحت متمردة ظالمة، لا تسمع الصوت ولا تقبل التأديب ولا تتكل على الرب. رؤساؤها أسود زائرة وقضاتها ذئاب وانبياؤها خونة وكهنتها يدنّسون القدس ويتعدون الشريعة (3 :1 -4). الظالم لم يعد يعرف الخجل (3 :5)لأجل ذلك يستأصلون و”الأرض كلها تلتهم بنار غيرتي “، يقول الرب (3 :8 ).
الطروبارية
+ إننا معيّدون لتذكار نبيّك صوفونيا، وبه نبتهل إليك يا رب، فخلّص نفوسنا
القدّيس كيرللس
القدّيس كيرللس من قرية تدعى فيلايا في مقاطعة تراقيا، على بعد حوالي أربعين كيلومترًا من مدينة القسطنطينية. أبدى منذ حداثته استعدادات ممتازة لدراسة الكتاب المقدّس وخدمة الله. جعله أسقف المحلة قارئًا وظنّ أنّه سينصرف إلى خدمة الكهنوت متى بلغ السن القانونيّة، لكنّه لم يفعل. تزوّج وأنجب أولادًا.
مارس في حياته الزوجيّة حياة تقشّف واعتمد في مأكله نظامًا صارمًا. عمل نوتيًّا على ظهر سفينة حاسبًا نفسه عبدًا للجميع كما لله. اعتاد أن يعتبر كلّ ما يصيبه من تدبير ربّه كما لتكون له فرصة التكفير عن خطاياه. بعد وفاة زوجته استقرّ في دير، راهبًا، كان أخوه ميخائيل قد أسّسه. انصرف هناك إلى خلوته، ثم تحوّل إلى الإهتمام بإرشاد الإخوّة في الدير وتعليمهم.
منّ الله عليه بموهبة صنع العجائب والتعليم. وقد استمرّ قاسيًا على نفسه طوال سني حياته، كما لو كان مبتدئًا. وإذ أكمل سعيه وامتلأ من الروح القدس رقد بسلام في الربّ في العام 1110م.
القدّيس أثناسيوس الحبيس
كان القدّيس أثناسيوس حبيسًا في دير الكهوف في مدينة كييف الأوكرانيّة. قصته أنّه بعدما سلك راهبًا ردحًا من الزمان وأرضى الله بسيرة نقيّة مرض ومات. جاءه الرهبان فغسلاه ولفّاه. بقي يومًا كاملاً دون ان يُدْفَنَ. كاتب سيرته قال أنّه كان فقيرًا ولا يملك شيئاً لذا لم يعبأ به أحد. والظاهر أنّه في دير الكهوف النظام كان ايديوريتميًا، أي إن كلّ راهب فيه كان مسقلاً بنفسه في أكثر الأمور ولا يلتقي بغيره إلا في السبوت والآحاد للإشتراك في الأسرار المقدّسة.
وفي أحد الليالي تراءى له إنسان لرئيس الدير وقال له: “إن رجل الله هذا بقي بلا دفن يومين، ولكني أقول لكم، أفرحوا!”. بادر الرئيس إلى حيث كان الرجل الميت، في اليوم التالي، ومعه الإخوة جميعهم، فوجدوا أثناسيوس جالسًا يبكي، فامتلأوا رعدة وسألوه: “كيف عدت إلى الحياة وماذا رأيت؟” فلم يجبهم فقط قال: “خلّصوا نفوسكم!” فاستمرّوا يلحّون عليه ليسمعوه منه كلمة منفعة، فقال لهم: “لو تكلمت لم تصدّقوني!” فأقسم له الإخوة قائين: “نعدك بأن نحفظ كلّ ما تطلعنا عليه”. قال: “أطيعوا رئيسكم في كلّ أمر، توبوا كلّ ساعة، صلّوا إلى الربّ يسوع المسيح وإلى والدته الكلية النقاوة ان تنجزوا أيامكم في هذا الموضع وأن تُحسبوا أهلاً لأنّ تُدفنوا في الكهوف بجانب الآباء القدّيسين. هذه المور أعظم كلّ الفضائل. فغذا أتممتم ما أوصيكم به فلا تنتفخوا والآن، لا تسالوني بعد، سامحوني، أتوسل إليكم!”. قال هذا وذهب إلى مغارته وأغلق على نفسه إثني عشر عامًا لم يتفوّه خلالها بكلمة واحدة لأحد. ولما حانت ساعة مفارقته، دعا الإخوة وأعاد عليهم ما سبق أن قاله لهم، وأضاف: “طوبى لمن يُحسب مستأهلاً لأنّ يدفن ههنا”. ولما قال هذا رقد بسلام في الربّ.
ثم إنّه بعد ذلك بزمن جيء بأخ من الرهبان كان يعاني من مرض مزمن في الكلى فلمّا مسّه جسد اثناسيوس شفي من ساعته. اسم الأخ كان كابيلا. وقد أفاد إنّه فيما كان ممدّدًا يصيح من الألم، إذ به يعاين أثناسيوس آتيًّا إليه وقائلاً: “تعال، أشفيك!”. وإذ كان بابيلا علىوشك أن يساله كيف ومتى اختفى من أمامه. إذ ذاك أدرك الإخوة أن أثناسيوس قد أرضى الله بسيرة حسنة. يُذكر أن صاحب السيرة لم ير ولا حتّى نور الشمس خلال الإثنتي عشرة سنة التي قضاها حبيسًا في الكهف ولا توقّف عن البكاء ليلاً نهارًا. كان لا يأكل من الطعام غير الخبز ولا يشرب غير الماء مرّة في اليوم.
حبقوق النبي
هو صاحب السفر الثامن من أسفار الأنبياء الإثني عشر الصغار. نكاد لا نعرف عنه شيئا محققا. اسمه مشتق من النبات المعروف ب”الحبق”، أو لعله يعني “أبا القيامة” إذا ما أخذنا برأي من يقلب الحاء ألفا والقاف الأخيرة ميما.
اسم حبقوق ورد في بداية الإصحاح الأول على هذا النحو: “الحمل الثقيل الذي كان لحبقوق النبي في رؤيا”. لاحظ عبارة “الحمل الثقيل” التي يشير بها الكاتب إلى النبوءة.
خارج السفر، هناك ذكر لحبقوق عند دانيال النبي (النص اليوناني المعروف بالسبعيني 14 :33 -39 ). يقول سفر دانيال إنّ حبقوق النبيّ كان في أرض يهوذا يعدّ طبيخا. وإذ أزمع أن يخرج به إلى الحصّادين، في الحقل، جاء ملاك الرب قائلا : “احمل الغداء الذي معك إلى بابل، إلى دانيال في جبّ الأسود”. فقال حبقوق : “إنّني لم أرَ بابل ولا أعرف الجبّ”. فأخذه ملاك الرب بشعره ووضعه في بابل عند الجبّ باندفاع روحه. فنادى حبقوق قائلا : “يا دانيال، يا دانيال، خذ الغذاء الذي أرسله لك الله”. فقال دانيال: “اللهمّ،لقد ذكرتني ولم تترك الذين يحبّونك”. وردّ ملاك الرب حبقوق من ساعته إلى مكانه.
في نبوءة حبقوق ما يشير إلى أنه نطق بها على مراحل. الدارسون يقولون أنها أمتدت من السنة 610 إلى ما بعد السنة 587 ق.م. زمن سقوط أورشليم في يد الكلدانيّين وسبي العديد من السكّان إلى بابل.
يندّد السفر بعدوّ خارجيّ هو ملك الكلدانيين لما يبديه من عنف وقتل ودمار، وكذلك بعدوّ داخليّ لعله يوياقيم، ملك يهوذا (609 -598 ق.م.) لظلمه.
يقع السفر في ثلاثة إصحاحات وست وخمسين آية، وهو في صيغة قصائد يطنّ الدارسون أنّها كانت تنشد في أحتفالات طقوسية.
من حيث الموضوعات، تتضمّن النبوءة ثلاث عناوين عريضة، أوّلها حوار بين النبيّ والله يبدو فيه حبقوق معاتبا لربّه متألّما متحيّرا. يسأل، وقد اتخذ مأساة شعبه: “إلى متى يا ربّ أستغيث ولا تستجيب، أصرخ إليك من الظلم ولا تخلّص؟” (1 :1 ) “لم تنظر إلى الغادرين ولم تصمت عندما يبتلع الشرّير من هو أبرّ منه، وتعامل البشر كسمك البحر، كزحّافات لا قائد لها؟” (1 :13 -14). وإذ يطرح حبقوق مشكلته يقف على محرسه، ينتصب على مرصد قلبه ويراقب (2 :1 ). ويأتيه الجواب :”الله حرّك الكلدانيّين (1 :6 ) والشعب لا ضمان له غير أمانته. بكلمات النبيّ نفسه : “النفس غير المستقيمة غير أمينة. أمّا البار فبأمانته (أو بإيمانه) يحيا “(2 :4 ).
هذا بشأن العنوان العريض الأول ، أمّا العنوان الثاني فجملة لعنات يسكبها النبيّ على الظالمين. هؤلاء كالموت لا يشبعون، لكن أفعالهم ترتدّ عليهم، وكما فعلوا يفعلون بهم (2 :7 -8) وعوض المجد يشبعون هوانا (2 :16) وأنّى بلغ شأن الممالك او الشعوب فإنّما يتعبون للنار ويجهدون للباطل (2 :13 ) لأنّ ربّ القوّات هكذا رسم.
أما العنوان العريض الثالث للنبوّة فمزمور يعلن فيه حبقوق أنّ الله آتٍ وسيهشّم رأس بيت الشريّر (3 :13 ). لذا يتهلّل حبقوق ويفرح ويعلن كما في القديم :”الربّ الإله قوّتي وهو يجعل قدمّي كالأيائل ويمشّيني على مشارفي (3 :19).
كنسيًّا، احتلّ حبقوق مكانًا مرموقًا بين الأنبياء من حيث إنباؤه بتدبير الله الخلاصيّ بالرب يسوع المسيح. فالفصل الثالث من سفره جعلته الكنيسة تسبحة من تسابيح صلاة السحر، الرابعة ترتيبًا، وعنونته هكذا: “صلاة حبقوق النبيّ: يا حبقوق، قلْ عن تنازل الكلمة :المجد لقدرتك يا رب ” وهي تنشد له في قنداق هذا اليوم (2 كانون الأول): “أيّها النبيّ الملهم من الله. لقد أذعت في كلّ المسكونة أنّ الله يأتي من الظهيرة، أعني من العذراء مريم ومن نصف الليل حين سهرت أمامه. وقد أعلنت للعالم قيامة المسيح كما تلقنتها من ملاك نورانيّ. لذلك نشدو إليك بغبطة وسرور: إفرح يا كنز النبوءة البهيّ ”
من المفيد أن نعرف أنّه إلى حبقوق، كما إلى أشعيا (11 :9)، يُعزى القول أنّ الأرض ستمتلىء من معرفة مجد الرب كما تغمر المياه البحر (2 :14 )، وأنّ أصل التقليد عن الثور والبقرة في مزود بيت لحم يعود إليه (3 :2). كما يعود إلى اشعياء (1 :3 ).
الطروبارية
+ إننا معيّدون لتذكار نبيّك حبقوق، وبه نبتهل إليك يا رب، فخلّص نفوسنا
القدّيس فيلاريت
كان القدّيس فيلاريت من مدينة تدعى أمّنيا من ناحية بافلاغونيا، في القسم الشمالي من آسيا الصغرى، كان في دياره ملاّكًا ذا شأن، عنده من الخدم أعدادًا وافرة ومن الخيرات قدر كبير. أمر واحد كان يشغله في أيامه إلى درجة الهوس، إعالة الفقراء، كانت حياته تجسيدًا لإسمه، فاسمه فيلاريت تعني “محب الخير والصلاح”. محبّة القدّيس شملت كلّ أخ محتاج، قريبًا أو غريبًا، معروفًا أو مغمورًا. حال الفقير لديه كانت مبعث وجع لا يطاق حتّى يسدّ حاجته. كان عطاؤه سخيًّا بلا حساب، فلقد اعتاد أن يبدّد على المساكين تبديدًا.
من كثرة إقبال القدّيس على العطاء افتقر، لكنّه بقي على عطائه، من دون أن يتأثّر باعتراضات زوجته وأولاده وتذمّرهم عليه. بدأ يعمل بيديه ليحصل رزقه ورزق عياله. ذات يوم، إذ كان يفلح الأرض بثورين جاءه فلاح فقير يبكي على فقده ثوره وأنّه ليس بإمكانه أن يفلح بثور واحد فما كان منه إلا أن تخلّى عن ثوريه وقدّمهما لجاره، فبكى أهل بيته واتهموه بقساوة القلب وحرمانهم من أبسط أسباب العيش، لكنّه صمّ أذنيه عن طلباتهم وبقي يوزّع على الفقراء كلّ ما يصل إلى يديه حتى الإحسانات التي كان يتلقاها لم يحتفظ بها لنفسه أو لعائلته.
عاش فيلاريت طويلاً حتّى بلغ التسعين، ولمّا حانت ساعة موته جمع أولاده وأحفاده وأوصاهم أن يوزّعوا كلّ ما بقي من تركته على أحبّته أي فقراء المسيح. وبعد أن أكمل وصيته أشرق وجهه نورًا، وأخذ في تلاوة الصلاة الربيّة، فلمّا بلغ إلى عبارة “لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض” أغمض عينيه وفارق بسلام وكان ذلك في العام 792 للميلاد.
القدّيس الشهيد حنانيا الأريبلي
كان رجلً مسيحيًّا من العامّة، صالح السيرة، تقيًّا. قبض عليه أدورشاغ، حاكم أربيل، وأذاقه صنوفًا مرّة من العذاب. جُلِد بالمطارق حتّى تفكّكت أوصاله وتكسّرت عظام جانبيه وساقيه وذراعيه. أُغميَ عليه فظنَّ جلادوه أنّه مات، فأمسكوا عن ضربه وجرّوه وطرحوه في السوق. جاء بعض الأتقياء واختلسوه إلى بيته، أتاه أسقف المدينة وعدد من المسيحيين يفتقدونه. وإذ أحتاطوا به فتح عينيه وقال لهم: “قوموا صلّوا إلى الله النحيي الأموات، العادل، الذي يجازي المضطهدين على ما يصنعون إلينا من الشرور، ولنا يمنح الراحة الأبدية في ملكوت السماوات. فهأنذا أعاين سلّنًا من الأرض إلى السماء، وملائكة الله تنزل وتصعد عليها وهم يقولون: تشدّد يا حنانيا، تشجّع، إنّهض، هيا بنا نريك أرضًا أفضل من هذه وأبهى. فلمّا سمع الجالسون هذا الكلام اضطربوا وخافوا خوّفًا عظيمًا، فخرّوا على وجوههم وصلّوا. أمّا حنانيا فقال ما قاله وأسلم الروح.
يذكر أن مدينة أربيل هي اليوم في العراق وتقع جنوبي شرقي الموصل على طريق إيران.
القدّيس ناحوم النبي
هو صاحب النبوءة السابعة، ترتيبا، في سلسلة نبوءات العهد العتيق الأثني عشر الصغيرة. كان من قرية اسمها “القوش” ظنّ بعض الدارسين أنّها في الجليل، فيما ظنّ غيرهم أنّها على بعد ميلين من مدينة الموصل العراقية، شماليها، قريبًا من مدينة نينوى، عاصمة مملكة أشور. كان إنتماؤه إلى سبط شمعون، من أسباط اسرائيل الأثني عشر، ولعلّه، إذا صحّ أنّه ولد في “القوش” العراقيّة، من اليهود المسبيّين.
تنبأ ناحوم على نينوى فأنذر بخرابها. قال في الآية السابعة من الإصحاح الثالث: “ويكون كل من يراك يهرب منك ويقول خربت نينوى، من يرثي لها”. فإذا ما علمنا أن خراب نينوى حصل، حسب المصادر التاريخية. في العام 612 ق.م. على يد الماديين والكلدانيين، يكون ناحوم قد صدّح بنبوءته قبل ذلك بزمن. ثم لما كان السفر يذكر عاصمة مصر القديمة، نو آمون، ويعطي الانطباع أنها قد سقطت منذ بعض الوقت، وهذا حدث، في التاريخ، حوالي العام 663 ق.م. فإن تاريخ كتابة سفر ناحوم بين العامين 663 و612 ق.م.
يذكر أن نينوى هي إيّاها المدينة التي أرسل الرب إليها يونان منذرًا، داعيًا إلى التوبة. يومها استجاب أهل نينوى حسنًا فنادوا بصوم ولبسوا مسوحًا من كبيرهم إلى صغيرهم (يونان 3 ). أمّا اليوم فالحال أختلفت لأن شرور نينوى أستشرت وعظم أستكبارها وأبت أن ترعوى، فقال ناحوم فيها :”ويل لمدينة الدماء. كلّها ملآنة كذبا وخطفا” (3 :1)، “ليس جبر لإنكسارك. جرحك عديم الشفاء … لأنه على من لم يمرّ شرّك على الدوام” (13:19 ). لهذا السبب “هأنذا عليك يقول رب الجنود … وأطرح عليك أوساخا وأهينك وأجعلك عبرة … تنفتح لأعدائك أبواب أرضك. تأكل النار مغاليقك” (3 :5، 6، 13 ).
ويأتي الإنذار بخراب نينوى بعدما كان سرجون الأشوري قد أخذ السامرة، عاصمة مملكة اسرائيل، وسبى من سبى من شعبها إلى نينوى حوالي العام 720 ق.م.
إلى ذلك، كان الأشوريون قد أذلوا يهوذا ومرمروها. ويهوذا هي المملكة اليهودية التي كانت عاصمتها أورشليم. وقد سمح الرب الإله بذلك لا إعلاء لشأن أشور بل تأديبا لشعبه على خطاياه بأشور. ولكن لا يبرّىء السيد الرب الظالمين وإن أغضى عنهم إلى حين إتماما لمقاصده. لذا لما حان ميعاد انصاف يهوذا خاطبها هكذا :”أذللتك، لا أذلك بعد. والآن أكسر نيره عنك وأقطع ربطك”(1 :12). وأضاف :”هوذا على الجبال قدما مبشر مناد بالسلام. عيّدي يايهوذا أعيادك، أوفي نذورك فإنه لا يعود يعبر فيك أيضا المهلك. قد أنقرض كله”(1 :15). يذكر أن لأسم النبي دلالته أيضا في هذا الاتجاه فهو يعني المعزّي.
هذا وناحوم شاعر أصيل، أسلوبه صاف لا تعقيد فيه، يمتاز بالإيجاز البليغ وقوة الأوصاف وكثرة الاستعارات وعذوبة الإيقاع. مثال ذلك كلامه على غضب الله.”الرب في الزوبعة وفي العاصف طريقه والسحاب غبار رجليه … الجبال ترجف منه والتلال تذوب والأرض ترفع من وجهه والعالم وكل الساكنين فيه … غيظه ينسكب كالنار والصخور تنهدم منه”(1:3 ،5 -6 ). ومثال ذلك أيضا وصفه لحصار نينوى: “السرو يهتز. تهيج المركبات في الأزقة. تتراكض في الساحات. منظرها كمصابيح. تجري كالبروق”(2 :3 -4). وفي تقدير الدارسين، أن نبوءة ناحوم هي من أجود الأدب العبراني.
من عبر النبوءة أن الرب بطيء الغضب وعظيم القدرة ولكنه لا يبرىء البتة (1 :3). الفجّار لديه يلقون ثمرة أفعالهم. يضرب أخصاّءه متى زاغوا فيسلط عليهم أعداءهم حتى تستقيم قناتهم. وإذ يتوبون يعود إليهم بألطافه ويشملهم بأنعامه. أما مضايقوهم فيكسر شوكتهم ويذلهم لأستكبارهم ويضع لتماديهم في الأذية حدا. كل التاريخ مضبوط بيديه ولا من ينجح ضده طويلا. الله، في نهاية المطاف، هو الغالب ومقاصده تنجح كاملة في أوانها.
الطروبارية
+ إننا معيّدون لتذكار نبيّك ناحوم، وبه نبتهل إليك يا رب، فخلّص نفوسنا