Notice: Function _load_textdomain_just_in_time was called incorrectly. Translation loading for the wp-migrate-db domain was triggered too early. This is usually an indicator for some code in the plugin or theme running too early. Translations should be loaded at the init action or later. Please see Debugging in WordPress for more information. (This message was added in version 6.7.0.) in /home3/gocarch9/public_html/wp-includes/functions.php on line 6131

Notice: Function _load_textdomain_just_in_time was called incorrectly. Translation loading for the wp-pagenavi domain was triggered too early. This is usually an indicator for some code in the plugin or theme running too early. Translations should be loaded at the init action or later. Please see Debugging in WordPress for more information. (This message was added in version 6.7.0.) in /home3/gocarch9/public_html/wp-includes/functions.php on line 6131
November – GoCarch

٣٠ تشرين الثاني – القدّيس الرسول أندراوس المدعو أولاً – القدّيس فرومنتيوس الصوريّ

القدّيس فرمنتيوس
يروي لنا روفينوس الراهب (345 – 410م) في تاريخه أن شابين من صور الفنيقيّة، وربما أخوين، إسم الواحد فرومنتيوس واسم الآخر عداسيوس رافقا علاّمة صوريًّا اسمه ميربيوس في رحلة استكشافيّة لمواطن لم يكن يعرفها القدامى على سواحل البحر الأحمر، ولسبب ما، عواصف أو خلافه، وجدت سفينتهم في الحبشة حيث فتك السكان المحليون بميروبيوس وأبقوا على الشابين. وهذان ما لبثا أن نالا حظوة عند الملك في أقسوم وأضحيا مدبّرين لقصره، كما صار فرومنتيوس معلمًا لوريث العرش. ولما تبوأ الأمير الصغير الحكم مكان أبيه نال فرمنتيوس حظوة أكبر مكّنته من استصدار إذن لبعض التجار الروميين ببناء كنيسة صغيرة على أرض الحبشة، كما أخذ هو نفسه بنشر الإنجيل. أمّا عداسيوس فعاد بعد حين إلى صور وصار كاهنًا، فيما توجّه فرومنتيوس إلى الإسكندرية حيث قابل القدّيس أثناسيوس الكبير وعرض عليه حال الحبشة وحثّه على سيامة أسقف عليها يهتم بنشر الكلمة وهداية الشعب وعماده وبناء الكنائس. وكان أن أخذ القدّيس أثناسيوس باقتراح فرومنتيوس، لكن اختياره وقع على فرومنتيوس بالذات ليكون أول أسقف هناك.
ويبدو أن عودة الأسقف الجديد إلى أثيوبيا وإقباله على البشارة فيها ترافقا وآيات على مثال الآيات التي أعطاها الربّ الإله لرسله في القرن الأول. وقد تمكّن فرومنتيوس بنعمة الله من هداية أعداد غفيرة من الحبشيين إلى الإيمان.
على هذا استمرّ قدّيسنا ناشطًا في نقل البشارة بالربّ يسوع وشفاء المرضى واجتراح العجائب إلى أن رقد بسلام ممتلئًا بركات في العام 380 للميلاد.

القديس الرسول أندراوس المدعو أولاً
هو الرسول الذي دعاه الرب يسوع أولاً. كان تلميذا ليوحنا المعمدان (يوحنا 1: 35)، وكان يوما برفقة معلمه وتلميذ آخر عندما رأوا يسوع ماشيا فقال المعمدان لتلميذيه: “هوذا حمل الله” (يوحنا 1: 36)، فتبع التلميذان يسوع. “فالتفت يسوع ونظرهما يتبعان فقال لهما: ماذا تطلبان؟ فقالا: ربي، الذي تفسيره يا معلم، أين تمكث؟ فقال لهما: تعاليا وانظرا. فأتيا ونظرا أين كان يمكث ومكثا عنده ذلك اليوم. وكان نحو الساعة العاشرة” (يوحنا 1: 38-39). اندراوس كان واحدا من الاثنين. ومن تلك الساعة صار للرب يسوع تلميذا. إثر ذلك، أقبل اندراوس على أخيه بطرس وقال له: “قد وجدنا مسيّا الذي تفسيره المسيح” (يوحا 1 :41)، ثم اتى به إلى يسوع.
اندراوس وبطرس من قرية بيت صيدا في الجليل الأعلى ومنها فيلبس الرسول أيضا. كان اندراوس صياد سمك مع أخيه بطرس (مرقس 1: 16) وكان له بيت في كفرناحوم (مرقس 1 :29). ورد اسمه أيضا في أعمال الرسل (1 :13). وفي إنجيل يوحنا إلى ما ورد اعلاه نجده في الإصحاح السادس قبل تكثير الخبز والسمك يقول ليسوع “هنا غلام معه خمسة أرغفة شعير وسمكتان. ولكن ما هذا لمثل هؤلاء”. في الإصحاح 12 تقدّم يونانيون إلى فيلبس وسألوه قائلين نريد ان نرى يسوع، “فأتى فيلبس وقال لاندراوس ثم قال اندراوس وفيلبس ليسوع”.
في كتاب المؤرخ الكنسي افسافيوس (القرن الرابع) نجد ان الرسول اندراوس كرز بالإنجيل في آسيا الصغرى والمناطق الواقعة شمال وشرق البحر الاسود. وذكر ايرونيموس وثيودوريتوس انه بشّر في جنوبي اليونان وفي بلاد البلقان. في اليونان نجح في هداية الوثنيين إلى المسيح إلى درجة اثارت القلق لدى الحاكم الروماني بعد أن اكتشف أن زوجته اعتنقت المسيحية هي أيضا، فحكم على اندراوس بالصلب مقلوبا وهكذا رقد شهيدا في باتريا. تعتبره بطريركية القسطنطينية مؤسسا لها وتحتفل بعيده، وهو ايضا شفيع اسكتلندا. تعيّد له الكنيسة في 30 تشرين الثاني.

الطروبارية
+ بما أنّك في الرسل مدعوّ أوّلاً، وللهامة أخاً، ابتهل يا اندراوس إلى سيّد الكلّ، أن يَهَبَ السلامةَ للمسكونة ولنفوسنا الرحمة العظمى.

٢٩ تشرين الثاني – القدّيس أبينا البار بيتيرون – القدّيس فيلومانوس – القدّيسين الشهداء برامون والثلاثماية والسبعين المستشهدين معه

القدّيس بيتيرون
القدّيس بيتيرون تلميذ القدّيس أنطونيوس الكبير. سلك في نسك شديد. لم يكن يأكل سوى مرّتين في السبوع، وبعض الطحين الممزوج بالماء وحسب. أكمل أتعاب الرهبنة ونال مواهب روحيّة جمّة. ورد على لسانه هذا القول: “من أراد أن يطرد الشياطين، عليه أن يخضع الأهواء أولاً، لأنّنا إذا تغلّبنا على الأهواء نقدر ن نطرد الشياطين. ثم أردف قائلاً: فالشيطان يتبع الغضب، وإذا ضبط الغضب، يطرد شيطانه، والشيء نفسه يقال عن الهوى”.
القدّيس فيلومانوس
ولد القدّيس في مقاطعة ليكاؤنية الواقعة شمالي كيليكيا، في القسمالأوسط من آسيا الصغرى، في أيام الأمبراطور الروماني أوريلينوس. ثمة من يقول أنّه كان خبّازًا ويمة من يقول أنّه كان أحد تجّار القمح من مدينة أنقرةن ومن أصحاب الثروات الطائلة. أنّى يكن الأمر فقد نهي إلى حاكم أنقرة، المدعو فيليكس، أن فيلومانوس مسيحي فألقى عليه القبض وأوقفه لديه للأستجواب، فاعترف بكلّ جرأة ولم يتردّد في أن يقول أنّه مسيحيّ. ولمّا لم تنفع معه محاولات إقناعه بالعودة عن إيمانه، أمر به الحاكم جنده فأوثقوا يديه ورجليه بسلاسل حديدة وعلّقوه ثم أنهالوا عليه ضربًا بالسيوف. ويُقال انّهم علّقوه فوق نار حتّى أسلم الروح.

القدّيسون الشهداء برامون ورفاقه الـ370
لما عزم حاكم المشرق، المدعو أكلينوس، في زمن الأمبراطور الروماني داكيوس (201 -251 م) على قضاء بعض الوقت في مدينة بيزاليتا (تيريدون) حيث منابع المياه المعدنيّة، أمر، للمناسبة، بسوق سجناء مسيحيين، ثلاثمئة وسبعين عددهم، من مدينة نيقوميذيا إلى هناك. قصده كان أن يجبرهم على تقديم البخور للإله بوسيدون، إله المياه والأحصنة.
مدينة بيزاليتا (تيريدون) كانت عند ملتقى نهري دجلة والفرات، في بلاد العراق اليوم. فلمّا وصل إلى هناك، أمر السجناء بتقديم فروض العبادة للوثن وهددهم بالموت إذا لم يذعنوا، فلم يستجب لطلبه أحد منهم. في هذه الأثناء مرّ بالمكان أحد شرفاء المدينة، برامون، فرأى سجناء مقيّدين، فسأل عن أمرهم، ولمّا علم بحالهم صاح بصورة عفوية :”كم من الأبرياء والأبرار يرغب هذا الحاكم المعتوه في أن يقتل لأنّهم لا يسجدون لهذه الأصنام الميتة الصماء؟!”
برامون، فيما يبدو، كان مسيحيًّا. وإذ تفّوه بذلك تابع طريقه. ولكن، سمع الحاكم ما تجاسر هذا الغريب على قوله فأمر جنوده بأن يلحقوا به ويقتلوه، فطاردوه حتى أدركوه. وإذ اعترف بالمسيح. قطعوا لسانه وطعنوه بالحراب وقطعوا بعض أوصاله إلى أن أسلم الروح. أمّا الثلاثمئة والسبعون فقضى عليهم الحاكم كالنّعاج بحد السيف.

الطروبارية
+ شهيداك يا ربُّ بجهادهما، نالا منك الإكاليل غير البالية يا إلهنا،لأنهما أحرزا قوّتك فحطّما المغتصبين، وسحقا بأس الشياطين الّتي لا قوَّة لها.فبتوسّلاتهما أيّها المسيح الإله خلّص نفوسنا.

٢٨ تشرين الثاني – القدّيس الشهيد في الأبرار أستيفانوس الجديد – القدّيس أبينا البار ثيودوروس، رئيس أساقفة روستوف – القدّيس ايرينرخوس.

القدّيس ثيودوروس
القدّيس ثيودوروس هو ابن شقيق القدّيس الروسي المعروف سرجيوس رادونيج. ترمّل ثم ترهّب. تقدّم في حياة الفضيلة إلى درجة أن بعض الإخوة في الدير كانوا يرونه يقيم الذبيحة الإلهيّة مع الملائكة. أسّس ديرًا باسم دير رقاد السيدة في سيمونوفا الجديدة. كان مصدر إشعاع روحيّ في زمانه. جعل أسقفًا على روستوف قبل رقاده بست سنوات. كان رسّام إيقونات.

القدّيس ايرينرخوس
كان ايرينرخوس جلاّدًا في زمن الأمبراطور ذيوكليسيانوس في مدينة سباسطيا الأرمنيّة.
سيق مرّة كاهن اسمه أكاكيوس وسبع نساء تقيّات إلى التعذيب. فلمّا أبدوا جرأة فائقة وصبرًا عظيمًا تعجّب ايرينرخوس لإيمانهم كيف أنّهم يصمدون وهم الآنية الضعيفة. وإذ خجل من نفسه لتقسّيه مع من لا حول لهم ولا قوّة أنارت النعمة الإلهيّة قلبه فأعلن إيمانه بالمسيح.
انتهى الأمر بان قطع الجنود رؤوس الجميع، وكان من بينهم ولدان لإحدى النساء السبع.

القدّيس الشهيد في الأبرار إستفانوس الجديد
أبصر القدّيس أستيفانوس الجديد النور في مدينة القسطنطينية في العام 713 للميلاد. كان أبواه تقيين، من العامة. أنجبته أمه، خنّة، بعد عقر. ويبدو أنها فعلت نظير حنّة، أم صموئيل النبي، التي نذرته قبل ولادته إذا منّ عليها بأبن، وقد أستجاب الله دعاءها. فلما وضعته أحاطته بعناية خاصة لأنها حسبت نفسها مؤتمنة عليه وأنه لله. وقد عمّده القدّيس جرمانوس، بطريرك القسطنطينية (12 أيار) وأعطاه أسم الشهيد الأول إستيفانوس.
كبر الولد ونما في الفضيلة بنعمة الله وعناية والديه. وقد برع في العلوم وشغف بقراءة الكتب الروحية والأسفار المقدسة.
في ذلك الزمان باشر الأمبراطور لاون الثالث الأيصوري (717 -741 م) حملة لإزالة الأيقونات وإبطال إكرامها. وقد رأى والدا أستيفانوس أنه من الحرص الأبتعاد عن المدينة، فأخذا إبنهما وأودعاه رهبان القدّيس أفكسنديوس (14 شباط) القريب من مدينة نيقوميذية، المعروفة اليوم بأزميت، في الجزء الشمالي الغربي من تركيا الحالية. عمره كان قد ناهز السادسة عشرة. وقد قبله الرهبان هناك على الفور، واهتم بأمره أب روحي مختبر، حسن البصيرة اسمه يوحنا. والحق أن الرهبان في تلك البقعة كانوا مجموعة من النسّاك بأب روحي واحد. وقد ألبسوه الثوب الملائكي المقدس منذ اليوم الأول لقدومه إليهم.
أبدى إستيفانوس كراهب طاعة كاملة وغيرة إزاء كل ما يطلبونه منه. كان قدوة في الجهاد والفضيلة. ثم أن والده في الجسد رقد فذهب هو إلى القسطنطينية لتصفية تركة أبيه وبعدما وزّع ما جمعه على الفقراء عاد إلى جبله برفقة أمه وأخته اللتين أنضمتا إلى دير نسائي في جوار ديره،وترك أختا ثانية في دير من ديورة القسطنطينية.
ولم يمض وقت طويل على ذلك حتى رقد أبوه الروحي، رئيس المناسك، فاختاره الجميع رئيسا عليهم رغم صغر سنه. يومها كان قد بلغ الحادية والثلاثين.
أهتم إستيفانوس بتحويل القلالي إلى دير مشترك. وبعدما نجح في تنظيم شؤونه غادره طالبا العزلة والهدوء. وقد أستقر في قلاّية ضيقة بلا سقف، عرضة لقسوة الطقس، حرا وبردا. لم يكن يغطي بدنه غير ثوب رقيق لكل الأوقات. وقد احاط نفسه بسلاسل حديدية واكتفى من الطعام والشراب بأقله.
وهكذا أنصرف إستيفانوس إلى الهذيذ بالله ليل نهار، يقاوم تجارب إبليس وعناصر الطبيعة. وشيئا فشيئا بدأت رائحة قداسته تفوح في الأرجاء فأخذ التلاميذ والزائرون يتدفقون عليه.
ثمّ أن الأمبراطور لاون الثالث مات في العام 741 للميلاد فخلفه إبنه قسطنطين الخامس المكنى بالزبلي الأسم. هذا أستهل عهده كما لو كانت مسألة الأيقونات لا تعنيه. ولكن ما ان أستتب له الأمرفي الداخل وعلى الحدود، بعد صعوبات سياسية وعسكرية، لا سيما حيال التهديد العربي في المشرق، حتى فتح ملف الأيقونات من جديد،فالتزم خط أبيه على أشرس ما يكون. وقد عمد إلى إتلاف كنائس وتدنيس الأواني المقدسة المزينة بالرسوم، كما طلى بالكلس جدران الكنائس لطمس معالم الأيقونات الحائطية وأحرق الكثير من الأيقونات الخشبية.وكل الذين وقفوا في وجهه عاقبهم بقسوة. أكثر الأساقفة، فيما يبدو، روّعهم أو أستمالهم إليه بالهدايا والامتيازات والخدمات حتى جعل ثلاثمئة منهم يوقعّون في مجمع قصر هياريا المزعوم (754 م) على قرار بإبطال إكرام الأيقونات. أكثر من قاومه كانوا الرهبان،لذلك اضطهدهم بعنف، فاقفل أديرة وأحرق أخرى وحوّل بعضا إلى ثكنات عسكرية أو أدوات عامة. أما الرهبان فسعى ألى فرض لباس العامة عليهم وإجبارهم على الزواج تحت طائلة المسؤولية، ووضع على تحركّاتهم قيودا خانقة حتى تفرق شملهم. أما الذين صمدوا وقاوموا فكان نصيبهم قطع الأنف أو اللسان ثم السجن أو النفي.
في هذا الجو القائم بدا إستيفانوس أبرز وجوه المقاومة والصمود، فأوفد الأمبراطور إليه أحد كبار رجال بلاطه مزودا بهدايا نفيسة وسأله أن يوقّع على الوثيقة الصادرة عن المجمع المزعوم، فكان جواب إستيفانوس أن ردّالرسول والهدايا قائلا :”ليس الإيمان سلعة تباع وتشرى! لقد علّمت الكنيسة في كل العصور أن إكرام الإيقونات شيء حسن مقدس وهو ما ينبغي أن نتبعه ونقدسه”. وفي قولة غيورة أعلن بعدما مدّ يده صوب الرسول:”حتى ولو بقي فيّ قبضة واحدة من الدم لبذلتها من أجل أيقونة المسيح !”.
وسائل ضغط
وثار سخط الأمبراطور على إستيفانوس فعمد إلى وسائل ضغط مختلفة. حاول أن يشيع بشأنه فضيحة مؤداها أنه على علاقة مشينة براهبة اسمها حنّة كان قديسنا قد أثر في نفسها، وهي الفتاة الغنية، بنت القسطنطينية، فعافت الدنيا ووزعت غناها على الفقراء ثم ذهبت فانضمت إلى دير للعذارى. وعندما جيء بحنّة لأستجوابها تبيّن أن التهمة اختلاق محض. وعبثا حاولت السلطة إرغامها على تبني قولة الكذب فأبت بشدة، فجلدوها بعنف حتى سالت دماؤها فلم يجدهم ضربها نفعا. وقد أحصتها الكنيسة في عداد قديسيها.
ولما باءت محاولة الأمبراطور بالفشل، عمد إلى إتهام القدّيس بالفعل الشنيع مع بعض الأحداث، ولكن هنا أيضا بان بطلان التهمة سريعا.
أخيرا أرسل فأحرق الدير وبدّد رهبانه ونفى إستيفانوس إلى إحدى الجزر في بحر مرمرة فتهافت الرهبان والزوار عليه وجرت على يده عجائب كثيرة. ثم بعد ثلاث سنوات نقله الأمبراطور إلى القسطنطينية وأوقفه أمامه. وخلال إستجوابه له، أخذ أستيفانوس قطعة نقدية وسأل لمن هذه الصورة والكتابة فقيل له للأمبراطور، فأخذها وداسها بقدمه فاغتاظ الأمبراطور، فقال له إستيفانوس: إذا كنت أنت تشعر بالمهانة وتغضب إذا ما داس أحد صورتك، أفما تظن أنك تهين الله والله غاضب عليك لأنك تدوس أيقوناته وتحقرها؟! فسكت الأمبراطور لكنه لم يرعو.
بعد ذلك ألقوا إستيفانوس في سحن من سجون القسطنطينية. وفي السجن اكتشف وجود عدد كبيرمن الرهبان المعترفين،ثلاثمئة وأثنين وأربعين، كان قسطنطين الملك قد نكّل بهم وقطع لبعضهم أذنه ولبعضهم لسانه. ولم يمض وقت طويل حتى تحوّل السجن إلى شبه دير كان إستيفانوس فيه أبا للجميع ومرشدا ومعزيا.
أخيرا، بعد أحد عشر شهرا من ذلك، عيل صبر السلطة فأخرجته من سجنه وعرّضته للهزء والسخرية في الساحات العامة. واما أهاجت الرعاع رجموه كما فعلوا بسميّه إستيفانوس، أول الشهداء. ثم عمد أحدهم إلى ضربه بعصى غليظة على رأسه حطّمت جمجمته وأدت إلى إستشهاده. كان ذلك في اليوم الثامن والعشرين من شهر تشرين الثاني من العام 766 للميلاد. وكان القدّيس قد بلغ من العمر الثالثة والخمسين.

الطروبارية
+ لمّا سبقتَ فروَّضت ذاتك في الجبل، بالرياضات النسكية، هزمت مواكب الأعداء العقليين، بالسلاح الكامل سلاح الصليب.ثمَّ برزت أيضاً بشجاعةٍ إلى الجهاد، وقتلتَ الزبليَّ الإسم بسيف الإيمان،وفي كلا الأمرين كُلِّلتَ من الله، أيها الشهيد البار استفانوس الدائم الذكر.

٢٧ تشرين الثاني – القديس يعقوب الفارسي المقطّع

القديس العظيم يعقوب المقطع
كانت ولادة القدّيس يعقوب ونشأته، فيما يبدو، في بلاد فارس (إيران)، وكان من عائلة ثرية من فئة النبلاء، قيل أﻧﻬا امتازت بالكرم وإضافة الغرباء، وكانت على المسيحية.
يومذاك كانت المسيحية في بلاد فارس مرذولة ومضطهدة، وإذ كان على يعقوب أن يختار بين إيمانه بالرب يسوع المسيح والحظوى لدي الملك، اختار امتيازات هذا الدهر وأمجاده وبات شريك الملك في عبادة الأوثان.
وبلغ المسيحيين خبر سقوط يعقوب فكان له فيهم وقع الصاعقة لا سيما وأن يعقوب أحد أعمدﺗﻬم. ثم أن والدة يعقوب وزوجته بلغاه أﻧﻬما يقطعان به كل علاقة لأنه آثر عابراً على محبة المسيح ووعد الحياة الأبدية.
وأفاق يعقوب من سكره وبكى بكاء مراً. كل ّ همه بات أن يمحو خيانته لرب السماوات والأرض، وبالدم إذا لزم الأمر.
لذلك جاهر بإيمانه بالرب يسوع ونبذ الأوثان. لم يترك مناسبة إلا فعل كذلك إلى أن بلغ الملك نفسه، فاستدعاه وسأله عن حقيقة الأمر، فاعترف ولم ينكر. بدا الملك لبعض الوقت غير مصدّق، لكن يعقوب أصرّ. حاول يزدجرد اغراءه بالمناصب والمال والأمجاد فلم يبال. قال أنه مستعد أنه يهبه حتى نصف مملكته فلم يصغ. ذكره بالشباب وحلاوات الحياة فلم يتزحزح. هدّده فلم يكترث. إذ ذاك خرج الملك عن طوره وأسلمه، في غضب شديد، إلى التعذيب. وكانت العقوبة تقطيعه قطعة قطعة حتى يلفظ نفسه الأخير.
وشاء الملك أن يدعو المدينة كلها إلى هذا المشهد المريع. ثم أن الجلادين بدأوا بتنفيذ الحكم فقطعوا أصابع يديه ورجليه ثم ذراعيه وساقيه. وإذا كان يعقوب في آلام فظيعة صرخ إلى الرب يسوع: “أغثني يا رب!” فجاءت قوة من عند الله جعلته غريباً عن الألم، وكأن ما يجري كان على جسد شخص آخر. أخيراً قطع الجلاد رأسه فتوقف مجرى الأوجاع وأكمل يعقوب الشهادة أمانة وتكفيراً.
وقد جاء في التراث أنه عندما قطع الجلاد إبهامه قال: “هكذا تقّلم الكرمة لكي تنمو جديداً في أوانها”. وعندما قطع إصبعه التالي قال: “تقبّل، يا رب الغصن الثاني من زرعك”. ولما قطع الثالث قال: “أبارك والابن والروح القدس”. وعندما قطع الرابع قال: “يا من قبلت مديحاً من الأربع، أقبل ألم هذه الأصابع الأربع”. وعند الخامس قال: “ليت فرحي يكون عظيماً كفرح العذارى الخمس العالقات”. وهكذا كان على كل أصبع بقطع صلاة وتمجيداً لله. وعند لسادس قال: “اﻟﻤﺠد لك يا رب، يا من مددت يديك الطاهرتين على الصليب، في لساعة السادسة وجعلتني مستحقاً أن أقدّم لك أصابعي الستة”. وعند السابع قال: كمثل داود الذي سبّحك سبع مرّات في اليوم، هكذا أنا اليوم أسبحك بأصابعي السبعة المبتورة من أجلك. وعند الثامن: “أنت يا رب استرحت في اليوم الثامن”. وعند لتاسع: “في الساعة التاسعة، يا مسيحي، استودعت روحك بيدي أبيك، وأنا أقدم لك الشكر لألم الأصبع التاسع هذا”. وأخيراً لما قطع الجلاد آخر إصبع من أصابعه قال: “أرتل لك، يا رب، على عود ذي عشرة أوتار وأباركك لأنك أهّلتني لاحتمال قطع أصابع يدّ الاثنين من أجل وصاياك العشر المكتوبة على ألوح الحجر”.
كان استشهاد يعقوب في مدينة بابل على ﻧﻬر الفرات في العام ٤٢٥ ميلادية.

الطروبارية
+ يعقوبُ الشهيدُ فرعُ فارسَ النَّقِيْ، أغرقَ التنينَ الغاش بجَريِ دمِه الزَّكي، وظهر في التقطيعِ جنديًا للمخلّصْ، منتصرًا كمطيعِ بالإيمانِ الحقِّ المُخْلِص، فهو يشفعُ بلا انقطاعٍ من أجل نفوسنا.

٢٦ تشرين الثاني – أبينا البار أليبيوس العمودي – القدّيس أبينا البار نيقون الداعي إلى التوبة – القدّيس أبينا البار أكاكيوس

القدّيس أكاكيوس
القدّيس أكاكيوس ذكره القدّيس يوحنا السلمي في كتابه السلّم إلى الله، المقالة الرابعة، الفقرة 110. قال: “حدّثني يوحنا الساباوي الذائع الصيت”…. قال: “إن أحد الشيوخ في ديري في آسيا الصغرى كان متوانيًّا وفظًا جدًا…. هذا اقتنى تلميذًا عجيبًا إسمه أكاكيوس كان بسيط الخلق، فطنًا، وقد صبر على مصاعب جمّة لا تصدق أنزلها به شيخه الذي لم يكن يعذبه كلّ يوم بالشتائم والإهانات وحسب بل بالضرب أيضًا. ولم يكن صبره هذا عن حماقة. وكنت أراه كلّ يوم شقيًّا بمنزلة عبد حقير فأقول له حين أصادفه: ما هذا يا اخي أكاكيوس؟ كيف حالك اليوم؟ فكان يريني للوقت عينه مسودة متورمة أو رقبته متهشمة أو رأسه مفدوغًا. ولعلمي أنّه مجاهد كنت أقول له: حسنًا، حسنًا، إصبر تنتفع. هذا أقام مدّة تسع سنوات مع ذلك الشيخ الظالم ومضى إلى الربّ. وبعد دفنه في مدافن الآباء بخمسة أيام ذهب معلمه إلى أحد الشيوخ الكبار وقال له: يا أبانا، لقد مات الأخ أكاكيوس، فما أن سمع هذا حتّى أجاب: في الحقيقة أيّها الشيخ لا اصدق! فقال تعال وأنظر. فنهض مسرعًا وأتى إلى المدفن بصحبة معلم ذاك المجاهد المغبوط، وصاح كأنّه يخاطب شخصًا حيًّا راقدًا: يا أخانا أكاكيوس هل مت؟ فأوضح المطيع طاعته حتّى بعد الممات وأجاب: يا أبت كيف يمكن أن يموت انسان قد حفظ الطاعة؟ حينئذ ارتاع معلمه المزعوم وسقط على وجهه يذرف الدموع. وعل أثر ذلك طلب إلى رئيس الدير قلاية كانت ملاصقة لذاك القبر وعاش هناك بقية عمره بتعقّل”.

أبينا البار نيقون
ولد القدّيس نيقون في عائلة إقطاعية في مدينة طرابزون في الجزء الشمالي الشرقي من تركيا على البحر الأسود حوالي العام 920 للميلاد. أرسله أبوه يومًا ليستطلع أحوال أرزاقه، فعاين بأم عينه ما عليه الفلاحون من بؤس فهاله الأمر، وقرّر أن يزهد بالحياة فارتحل عن والديه غفلة وذهبإلى دير اسمه “الحجر الذهبي” بين إقليمي البنطس وبافلاغونيا. ومنذ دخوله أعطي الإسكيم الكبير لأنّ رئيس الدير قبل بشأنه علامة من عند لله أثناء خدمة القداس الإلهي، كما بان مثالاً في الطاعة والصبر والتواضع وأجاد في الأصوام والأسهار والصلوات. ضاعف أصوامه وصلواته ويبدو أنّه كان يذرف الدموع مدرارًا. استمرّ في النسك مدّة أثني عشر عامًا، وبإيعاز من رئيس الدير خرج محدّثًا الشعب عن رحمة الله وداعيًّا إلى التوبة. طاف في الأرض على رجليه عاري القدمين في ثوب حقير لا يقتات إلا من بقول الأرض. قضى سبع سنوات في جزيرة كريت ساهم خلالها مساهنة فعّالة في إحياء الكنيسة فيها بعدما كان الجهل سيد الموقف والفضائل المسيحية محتقرة ومستهانًا بها. جال بضع سنوات في بر الأناضول وبين جزر البليونونيز.
ثابر على تعليم الناس وشفاء المرضى سنوات إلى أن مرض وشارف على الرحيل إلى حيث تاقت نفسه منذ البدء، جمع تلاميذه ومعاونيه وأخبرهم بالتفصيل بكل ما جرى له في حياته، ما كابده من جهادات وما أجرته نعمة الله على يده من آيات لا تعد ولا تحصى. وبعدما أكمل عهده لأبنائه استودعهم رحمة الله ورفع يديه إلى السماء وأسلم الروح.

أبينا البار أليبيوس العامودي
“أيها الحكيم أليبيوس، لقد أصبحت عمادا للمتوحدين بإنتصابك على العمود مكابدا الحر والبرد وأتعاب النسك الكثيرة. فلذلك تقبلت مواهب النسك الكثيرة لتشفي الأملراض وتطرد الآلا المستصعبة “.(صلاة المساء – على يارب إليك صرخت).
بهذه الأنشودة توجز الكنيسة المقدسة سيرة أبينا البار أليبيوس الذي ولد ونشأ ونسك في مدينة أدريانوبوليس في مقاطعة بافلاغونيا الواقعة في الجزء الشمالي الأوسط من آسيا الصغرى.
فأما الفضل في توجيهه فيعود إلى أمه التي يبدو أن الإلهيات كانت هاجسا لديها وأليبيوس بعد في الحشى. وقد ورد في سيرته أن أمه، في حبلها، عاينت رؤيا، حملا له بدل القرنين شمعتان مشتعلتان فحفظتها في قلبها نبوءة تخبر عن مولودها العتيد.
ثم أن أب أليبيوس مات والصبي في الثالثة فعهدت به أمه إلى أسقف المدينة، ثيودوروس، ليتربّى على خدمة الكنيسة، على يده، ويتلقن الكتب المقدسة. وقد أبدى أليبيوس منذ تلك الفترة المبكرة من حياته تقى ومولهب جمّة جعلت الكثيرين بتساءلون عما عسى أن يكون قصد الله فيه ويمجّدون.
ونما الصبي في النعمة والقامة إلى أن بلغ سنا خوّله الانخراط في خدمة الشموسية. إذ ذاك وضع الأسقف يده عليه وجعله شماسا ومدبرا لشؤون الأبرشية. وكما اعتاد الطاعة منذ الحداثة، أطاع في هذا الأمر أيضا. والحق أنه أثبت جدارة ومقدرة لا لبس فيهما. لكن محبة الله في قلبه جعلته تواقا إلى ما هو أبعد من ذلك، إلى الحياة الرهبانية الملائكية. لذلك لم يطل به المقام حتى عزم على ترك كل شيء وزيارة الأرض المقدسة، ومن ثمّ اقتبال الحياة الرهبانية. فلما أطلع والدته على الأمر باركت بفرح ودموع وشكرت الله ومجّدت. ألم تحفظ النبوءة في قلبها وهذا الإناء المصطفى بعد فيها جنينا؟!.
وقام أليبيوس فوزّع ما عنده على الفقراء وخرج سراً. كان يعرف أن أسقفه ضنين به ولا يسمح له بالمغادرة. وإن هي سوى أيام قلائل حتى استعاده الأسقف ولم يكن قد ابتعد عن المدينة إلا قليلا. وشعر أليبيوس بالخيبة والإحباط. فجاءه وحي يقول له إن في مدينته أيضا أماكن مقدسة: بيت لحم والناصرة وأورشليم والجلجثة، وإن مشيئة الله هي أن يسلك في جهادات النسك في بيئته.
وخرج من جديد إلى جبل مقفر، إلى الجنوب من المدينة، فوقع، بنعمة الله، على نبع ماء فاستنسب المكان وباشر ببناء كنيسة صغيرة وقلاية. ولكن، اكتشف الأسقف المكان أيضا ولم يرض بأليبيوس بعيدا عنه فسد النبع وأجبره على النزول إلى الساحل.

الطروبارية
+ إن مدينة لقديمونية تفرح، حائزة جرن أعضائك الإلهي، مفيضاً ينابيع الأشفية، ومخلِّصاً من الأحزان جميع المبادرين إليك بإيمان، أيها الأب البار نيقون. فابتهل إلى المسيح الإله، أن يمنحنا الرحمة العظمى
+ صرت للصبر عموداً، وللآباءِ القدماءِ ضارعتَ، مبارياً لأيوب بالآلام وليوسف بالتجارب، ولسيرة العادمي الأجساد وأنت بالجسد. فيا أبانا البارَّ أليبيوس توسّل إلى المسيحِ الإله، أن يُخلّص نفوسَنا.

٢٥ تشرين الثاني – القدّيسة العظيمة في شهيدات المسيح كاترينا الكلية الحكمة – القدّيس العظيم في الشهداء مركوريوس – القدّيس أبينا البار بطرس الإنطاكيّ أو الصامت.

ألقدّيس بطرس
يعرف القدّيس بطرس باسم بطرس الغلاطيّ. هو من أصل غالي أوروبي. ولد وعاش أول سبع سنوات من حياته في آسيا الصغرى على شاطىء البنطس. وقد أمضى أثنتين وتسعين سنة في الجهاد النسكيّ. خلال حياته جاء إلى ناحية من نواحي مدينة أنطاكية العظمى فاستقرّ في مقبرة وطيئة لا يبلغ إليها إلا السلّم. وكان للمقبرة شبه عليّة وفسحة يستقبل فيها من كانوا يرغبون بزيارته. اعتاد أن يقضي معظم أوقاته محبوسًا لا يشرب غير الماء البارد ولا يأكل غير الخبز مرّة كلّ يومين. كان همّه أن يحفظ نفسه في عشرة الله في الصلاة. وبعد أتعاب جزيلة منَّ عليه الله بالقدرة على طرد الأرواح الشريرة. أمّا هو فقد اهتمّ بشفاء النفوس والأجساد معًا.
العظيمة في شهيدات المسيح كاترينا الكلية الحكمة
وُلدت القدّيسة كاترينا وعاشت في مدينة الأسكندرية في زمن الأمبراطورين ذيوكليسيانوس ومكسيميانوس بين أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع للميلاد. ويبدو أنّها كانت من فئة النبلاء، جميلة جدا وذكية جدا. وقد سهّل لها موقعها الأجتماعي الأنكباب على دراسة العلوم الكلاسيكية كالفلسفة والبلاغة والشعر والعلوم الطبيعية واللغات. طاقتها على الإستيعاب وتفتيق المسائل الذهنية الغامضة أو المعقدة كانت غير عادية. كل ذلك ولم يتجاوز عمرها العشرين ربيعا. كثيرون جاءوا يطلبون ودّها فلم ترض بأحد منهم. ثمة دافع في نفسها كان يدفعها عن الزواج. لسان حالها، لترد ضغط ذويها عنها، كان أنها ما لم تلق رجلا يساويها نبلا وغنى وجمالا وعلما فلن ترضى به عريسا لنفسها.
إلى هنا لا نعرف تماما ما إذا كانت كاترينا قد نشأت مسيحية أم لا، لكن والدتها كانت كذلك. فلما عيل صبر أمها واحتارت في أمر ابنتها استعانت بناسك قدّيس كان يقيم خارج المدينة. قال الناسك لكاترينا إنه يعرف رجلا يتمتع بالمزايا التي تطلب،وإن حكمة هذا الرجل تفوق حدود التصوّر، فحكمته مبدأ الكائنات المنظورة وغير المنظورة. وهو لم يتعلم الحكمة من أحد لأنها عنده منذ الأزل. من جهة أخرى، هذا الأنسان أنبل من كل أهل الأرض بما لا يقاس، وله سلطان على الكون برمته وقد خلق العالم بقدرته الذاتية. لا أجمل منه في بني البشر لأنه الإله متجسدا :الأبن والكلمة الأزلي للآب، وقد صار أنسانا لأجل خلاصنا. وهو أيضا يلتمس العروس، عروسه النفس البتول ولا يرضى عن النفس البتول بديلا. قال لها الناسك ذلك وصرفها.
وعادت كاترينا إلى بيتها متحّيرة، متأملة، في قلبها فرح وفي نفسها شوق ولهف للقاء الختن كما وصفه لها الناسك.
في الليلة عينها رأت كاترينا والدة الإله مريم وابنها يسوع المسيح. لكن الرب يسوع أبى أن ينظر إليها لأنها، كما قال، بشعة وكلها ملوّثة طالما أنها تحت الموت والخطيئة.
اضطربت كاترينا لهذا الحلم، وعادت في اليوم التالي إلى الناسك تسأله العون فعلّمها أسرار الإيمان وعمّدها.
ومن جديد ظهرت لها والدة الإله والرب يسوع المسيح فقال عنها السيد :”ها هي الآن كاترينا مشرقة، جميلة، غنية ومزدانة بالحكمة والحق. الآن أقبلها عروسا نقيّة!”. ولكي تختم والدة الإله خطبة كاترينا السماوية أخذت خاتما ووضعته في إصبعها وأوصتها بألا تقبل عريسا آخر لنفسها على الأرض.

أمام الأمبراطور
وحدث في ذلك الزمان أن قدم الأمبراطور مكسيميانوس(305 -311 )إلى مدينة الأسكندرية ورغب في أن يضحي كل أهل المدينة للأوثان دلالة على خضوعهم لسلطانه وولائهم لدولته تحت طائلة التعذيب والموت.
وفيما باشر كهنة الأوثان بإقامة الطقوس ونحر البهائم، وفيما كان الناس يتدفقون على المكان لتقديم الطاعة للأمبراطور والأشتراك في رفع الذبائح للأصنام، احتدت روح كاترينا فيها فجاءت ووقفت أمام الأمبراطور. وبعدما أبجت التحية المعهودة وطلبت الإذن بالكلام، شرعت تقول له إن عبادة الأوثان مفسدة لا يجيزها العقل السليم، والأوثان لا وجود لها، بل المنطق يظهر أنه لا يمكن أن يكون هناك غير إله واحد هو أصل الموجودات وعلتّها.وهذا سلّم به كبار الفلاسفة الوثنيين وبينّوا، في المقابل، فساد الأعتقاد بكثرة الآلهة.
ونزل كلام كاترينا في نفس الأمبراطور نزول الصاعقة، فبدا مأخوذا بجسارتها ووضوح بيانها وقوة كلامها. وأخذ أكثر من ذلك بفتنتها وطلعتها وشبابها، فأبدى مرونة من نحوها. ثم أن أفكارا تحرّكت في نفسه وقد رغب فيها. وخطّر بباله أن يستدعيها إلى قصره ويجعل مناظرة بينها وبين حكمائه.
وهكذا جرى إستدعاء أبرز الحكماء والفلاسفة والخطباء، فاجتمع خمسون منهم، والبعض يقول مئة وخمسين.
وحضرت الساعة وواجهت كاترينا، بنعمة الله، محفل الحكماء والفهماء فأفحمتهم جميعا. كشفت أمام الجميع ضلالات الكهّان والشعرء والفلاسفة الوثنيين وبيّنت، بالشواهد، التناقضات في أقوالهم وتعاليمهم كما أكدت أن ما يسميه القوم آلهة إن هو سوى أبالسة مضلّلة تتخذ من شهوات الناس ورغائبهم ستارا لها. ولكي تدعم أقوالهم بحجة أكبر عرضت لبعض ما ورد في نبوءات ما يعرف ب”السيبّللا”، وهي التي أعتبرها المسيحيون الأوائل إشارات ولو غامضة إلى التجسّد الإلهي والآم ابن الله الخلاصية، وأبرزت بطلان الخرافات والأساطير الوثنية بشأن تكوين العالم، قائلة بأن العالم خلقه من العدم الإله الواحد الأزلي وإن الأنسان قد أعطي الخلاص من الخوف والموت بتجسّد ابن الله الوحيد.
ثم بعد أخذ ورد لم يجد الحكماء والفلاسفة المشتركون في المناظرة بدأ من التسليم بصوابية ما نطقت به الصبية الصغيرة. ويبدو أن الروح القدس الذي تكلّم في كاترينا سمع فيهم، فكان أن أعلنوا كلهم الإيمان بالمسيح الذي تؤمن به أمة الله. ويقال إن الأمبراطور أمر بإلقائهم طعاما للنار. والكنيسة تحصيهم اليوم في عداد قديسيها.
أما كاترينا فعلق الأمبراطور بهواها ولعله كان مستعدا أن يغضّ الطرف عن إيمانها لو رضخت له وقبلت الزواج منه، ولكنها صدّته. إذ ذاك غضب لكرامته الجريح وأمر بها جنده فجلدوها وألقوها في السجن علّها تلين.
وسمعت الأمبراطورة بكاترينا فتحّرك قلبها، فأتتها زائرة برفقة ضابط اسمه برفيريوس. فلما تعرفت بها وبانت لها نعمة الله عليها آمنت بالمسيح، وآمن معها برفيروس نفسه والجنود الذين كانوا في إمرته.
ثم إن الأمبراطور عاد إلى المدينة بعد سفر قصير ليكتشف أن أمرأته قد وقعت هي أيضا في ضلالات المسيحيين فأمر بقطع هامتها، هي وبرفيريوس الضابط وسائر الجنود الذين معه. فعل ذلك مخافة أن يفلت زمام الأمر من يده ولأنه رغب في أن يتخلص من زوجته السابقة ليصفو له الجو مع كاترينا.
وحاول الأمبراطور ثانية وثالثة أن يستميل فتاة اليه بالحسنى فلم تشأ. إذ ذاك تحوّل كل ميله إليها إلى حقد عليها. ويقال إنه ابتدع دولابا مسننا بشفرات حادة لتعذيبها. ولما شاء جعل كاترينا على الدولاب تفكّك وتكّسر وتناثرت قطعه. وإذ ظن الأمبراطور أن ذلك كان بتأثير السحر الذي كانت الفتاة تتعاطاه أمر بإعدامها، فقطع الجلاّد رأسها.
هذا وقد وجدّ نسّاك رفاتها على قمة جبل سيناء في أوائل القرن الثامن للميلاد. ومنذ ذلك الحين صار دير سيناء يعرف بدير القدّيسة كاترينا. أما كيف انتقلت رفات القدّيسة إلى قمة الجبل فليس واضحا تماما. ثمة من يقول إن النسّاك عرفوا بأمرها إثر رؤيا وإنها انتقلت إلى هناك من الأسكندرية، حيث استشهدت، بواسطة ملائكة.
من جهة أخرى، يذكر أنه لا سجلات باقية بشأن القدّيسة كاترينا ولا ذكر لها قبل القرن الثامن للميلاد. والقدّيس سمعان المترجم، في القرن العاشر للميلاد، هو من كتب السيرة التي نعرف.

القدّيس العظيم في الشهداء مركوريوس
صله من مقاطعة آسيا، في الجهة الغربيّة من آسيا الصغرى. كان جنديًّا في أيام الأمبراطورين داكيوس وفاليريانوس، ولعله كان ضابطًا. حدث أثناء حملة ضد البرابرة أن ظهر له ملاك من نور ووضع يده سيفًا وقال له: “بهذا السيف تغلب”. فامتلأ مركوريوس حماسًا واندفع صوب معسكر الأعداء فلم يقف في وجهه أحد، وظلّ مندفعًا إلى أن بلغ قائد البرابرة ريغاس فقتله. وإذ انتشر بين البرابرة خبر سقوط زعيمهم انهزموا هاربين. أمّا مركوريوس فاستدعاه الأمبراطور وأكرمه وأعطاه لقبًا رفيعًا وولاّه على قسم من جيشه رغم صغر سنّه، إلا أن أحد الحسّاد نقل إلى الأمبراطور أن مركوريوس مسيحي فاستدعاه الأمبراطور وطلب منه أن يذبح للأوثان فأبى واعترف بالمسيحن وعبثًا حاول الأمبراطور ردّه عمّا اعتبره ضلالاً فأسلمه لعذابات مروعة وألقاه في السجن، وأخيرًا نقله إلى قيصرية الكبادوك حيث تمّ إعدامه بقطع الهامة. لم يكن قد تجاوز الخامسة والعشرين وكثيرون من المرضى شفوا ببركة رفاته.

الطروبارية
+ اليوم مقدّمة مسرّة الله وابتداء الكرازة بخلاص البشر، لأن البتول قد ظهرت في هيكل الله علانية وسبقت مبشرة للجميع بالمسيح فلنهتف نحوها بصوت عظيم قائلين: افرحي يا كمال تدبير الخالق!
+ لنمدح عروس المسيح الكلية المديح كاترينا الإلهية حافظة سينا، التي هي عوننا وسندنا، لأنها بقوَّة الروح قد أفحمت نبلاء المنافقين ببهاء، والآن إذ كُلِّلت كشهيدة، فهي تستمد للجميع الرحمة العظمى

٢٤ تشرين الثاني – القدّيس الشهيد في الكهنة أكليمنضس أسقف رومية – القدّيس أبينا البار ملخس القنسريني – القدّيس بطرس أسقف الاسكندريّة

القدّيس ملخس
ولد القدّيس ملخس في مستوطنة سورية قريبة من مدينة الموصل العراقيّة الحاليةز رغب ذووه في تزويجه لكنه رفض ذلك لأنّه رغب في الحياة الرهبانيّة، وهكذا ترك اهله ودخل الدير مترهّبًا. وبعد بضع سنوات مات ابوه ولمّا بلغه الخبر أراد العودة ليكون بجانب أمّه، وفي طريق العودة أغار قطّاع الطرق عليه واخذوه عبدًا وباعوه مع فتاة أخرى كعبدين لرجل إعرابيّ الذي حاول تزويجهما لبعضهما لكن ملخس رفض واتفق مع الفتاة على القبول بالزواج صوريًّا.
وفي يوم قرّرا الفرار والعودة إلى الدير فهربا واختبأ في مغارة لفترة ثم عاد هو إلى الدير فيما أودعت هي في دير للعذارى.

القدّيس أكليمنضوس
هو أسقف رومية الثالث بعد الرسول بطرس. خلف كلاً من لينس وأنكلتس. أفسافيوس القيصري، صاحب “تاريخ الكنيسة، يذكر أنه كان على كرسي رومية بين العامين 92 و101 للميلاد، وترتليانوس يقول أنّ الرسول بطرس سامه بنفسه. هذا فيما يعتقد البعض أنّه هو إيّاه أكليمنضوس المذكور في رسالة الرسول بولس إلى أهل فيليبي (4 :3). فإن صحّ هذا الزعم كان أكليمنضوس من الذين عملوا وجاهدوا مع الرسول في خدمة الكلمة و “أسماؤهم مكتوبة في سفر الحياة “.
جاء عنه في بعض المصادر أنّه كان وديعا متواضعا يعرف الكتب المقدسة وحكمة الإغريق جيّدا وكيف يتوجه إلى اليهود والأمّيين في آن ويقنعهم.
وإلى القديس أكليمنضوس تنسب، منذ أقدم الأزمنة، رسالة إلى الكنيسة التي في كورنثوس. هذه الرسالة اعتبرها الأقدمون في مصر وسورية جزءا من الكتاب المقدس. منها نستخلص أنّ مشاغبين في كورنثوس أنتفضوا على الشيوخ في الكنيسة فأطاحوا بهم حسدا وهم أبرياء لا عيب فيهم. وقد نتج عن هذا الوضع حالة من الفوضى والإنقسام بدت معه كنيسة كورنثوس مهدّدة بالشرذمة والإنقراض. يقول كاتب الرسالة : “يا إخوة إنّ المصائب والويلات التي أصابتنا فجأة … قضايا مشينة لا مبرّر لها، سببّها بعض الأشخاص الدعييّن الوقحين … نأت العدالة والسلام منذ أن ترك كل واحد خوف الله وضعف منه نور الإيمان … لا أحد يحيا حياة جديرة بالمسيح. كل يمشي حسب رغبات قلبه الشرير تاركا المجال للحسد الظالم الكافر الذي أدخل الموت إلى العالم … أيّها الأخوة نكتب لكم لنصحكم … فلنتواضع … طارحين جانبا كلّ عجرفة وخيلاء وحماقة … خاضعين لله لا تابعين لرجال الكبرياء والفوضويين البغيضين … ما هو الأولى أن نصطدم بإرادات رجال جهال متعجرفين يتباهون ويتكبرون بكلامهم، أو أن نصطدم بإرادة الله؟ … لنخجلن من الرب يسوع الذي أعطانا دمه. لنحترمن رؤساءنا ونكرمن شيوخنا … من الخطايا الكبرى أن نبعد عن الأسقفية أولئك الذين يحملون كل فضائلها بقداسة ونقاوة … إننا نرى أنكم قد أعفيتم من الخدمة بعض من حملها بشرف وإخلاص وعاشها بكرامة واستحقاق … عار جدا أن نسمع أن كنيسة كورنثوس القديمة الراسخة قد قامت ضد متقدميها بسبب شخص أو شخصين … فلنسرع في إقصاء الشر عن نفوسنا. . .أنتم يامن كنتم سببا للفوضى أخضعوا لشيوخكم … تعلموا الطاعة … أفضل أن تكونوا صغارا في قطيع المسيح من أن تكونوا مشهورين خارج الرجاء المسيحي … اقبلوا نصيحتنا فلن تندموا … أولئك الذين يقاومون كلام الله الذي يوجهه لكم بواسطتنا … يرمون نفوسهم في خطر عظيم … نحن أبرياء من خطيئتهم … أرسلنا لكم رجالا حكماء … سيكونون شهودا بيننا وبينكم. فعلنا ذلك لتروا أهتمامنا في أن نرى السلام موطدا بينكم … فأرسلوهم لنا بسرعة حتى يبشرونا بأن السلام والأتفاق … قد حلاّ بينكم لكي نفرح نحن أيضا لثباتكم …”
هذا وقد جاء في أخبار أساقفة رومية أن أكليمنضوس بقي على الكرسي تسع سنوات وشهرين وعشرة أيام وأنه عيّن كتبة، سبعة في العدد، وزّعهم على أنحاء رومية ليدّون كل منهم أعمال الشهداء في ناحيته. كذلك قيل إنه أنشأ مصافا للعذارى أهتم بعبادة وخدمة القريب.
ويبدو أن قديسنا أصاب في البشارة وهداية الوثنيين نجاحا كبيرا أثار القلق في نفوس ذوي السلطان فنفوه إلى بلاد القرم، ناحية البحر الأسود. وهناك أكتشف اكليمنضوس وجود كبير من المسيحيين يناهز الألفين محكوم عليهم بالأشغال الشاقة في مقالع المرمر. وقد جعل الله أكليمنضوس تعزية لهؤلاء الأشقياء فقوّاهم ونفخ فيهم الغيرة على الإيمان بالرب يسوع المسيح. وإذ كان الماء عزيزا عندهم صلّى فأخرج الرب الإله من الصحراء ماء. وكان لهذه الأعجوبة صدى طيب لا بين المسيحيين وحسب بل بين الوثنيين أيضا. هؤلاء بدأوا يتدفقون عليه ويستمعون إلى كلامه ويهتدون بأعداد وافرة حتى قيل أن أكليمنضوس نجح في غضون سنة واحدة في بناء خمس وسبعين كنيسة.
ومن جديد تنبّهت السلطة المدنية إلى الخطر الناجم عن أنشطة أكليمنضوس وهداياته الجماعية فألقت القبض عليه وأعملت فيه تعذيبا ثم ربط جلادوها مرساة في عنقه وطرحوه في البحر. الكنيسة اللاتينية تعيّد له في 23 تشرين الثاني، فيما تعيّد له الكنائس السلافية في الخامس والعشرين منه. هذا وقد وجد القدّيس كيرللس، معمّد الشعوب السلافية، رفاته في القرن التاسع للميلاد ونقل قسما منها إلى رومية في زمن البابا أدريانوس الثاني.

القدّيس بطرس أسقف الإسكندرية
يبدو من المعلومات المتوفرة عنه أنّه كان رجل علم، حكيمًا، تسلّم مدرسة الإسكندرية في العام 300م.أفسافيوس القيصرين في تاريخه تحدّث عنه بإكبار.
ولمّا انطلقت موجة الاضطهاد جديدة على المسيحيين في زمن الأمبراطور ذيوكليسيانوس في العام 303م فضّل القدّيس بطرس الاختباء على تعريض نفسه للموت لأنّه لم يشأ أن يترك قطيعه دون رعاية والظرف عصيب. غير أن أسقف الطيبة وضع يده على كرسي الاسكندرية وقام بسيامة كهنة على المنطقة على اعتبار أن أسقفها خان الأمانة وفرّ هاربًا تاركًا الشعب لمصيره وفي غضون أشهر جرى القبض عليه وخيّر بين التضحية للأوثان او الموت فاختار التضحية ومع ذلك استمرّ في حركته إلى أن عقد مجمع محلي برئاسة بطرس في الاسكندرية في العام 305 او 306م فجرّده من أسقفيته بعدما أدانه بتهمة ارتكاب جرائم والتضحية للأوثان.
واستمرّ بطرس في رعاية قطيعه إلى أن جرى القبض عليه وقطع الولاة رأسه، يذكر أن أعدادًا كبيرة من المؤمنين قضت في اضطهاد ذلك الزمان.

الطروبارية
+ اليوم مقدّمة مسرّة الله وابتداء الكرازة بخلاص البشر، لأن البتول قد ظهرت في هيكل الله علانية وسبقت مبشرة للجميع بالمسيح فلنهتف نحوها بصوت عظيم قائلين: افرحي يا كمال تدبير الخالق!
+ يا إله آبائنا الصانع معنا دائمًا بحسب وداعت، لا تُبعد عنّا رحمتك، بل بتوسّلاتهم دبّر بالسلامة حياتنا.

٢٣ تشرين الثاني – أبينا الجليل في القدّيسين غريغوريوس أسقف أغريغنتية – القدّيس ألكسندر نفسكي – أبينا الجليل في القدّيسين أمفيلوخيوس أسقف إيقونية

ألقدّيس ألكسندر
القدّيس ألكسندر هو روسي ويعتبر حامي الشعب الروسي في زمانه. هو أمير نوفغورود. امتاز بفضيلته وحكمته وجرأته. كان محبًّا للصلاة، دائم التأمّل في الكتاب المقدّس. سلك بالعدل واهتمّ بالفقراء. صدّ السويديين والليتوانيين والفرسان التوتونيين الذين توخّوا السيطرة على الإمارات الروسيّة، يومذاك، وتحويل الشعب الروسي إلى الكثلكة. سُمّي نفسكي نسبة إلى نهر نيفا حيث تمت له النصرة على السويديين. ولمّا كانت البلاد الروسيّة عمومًا تحت حكم التتار عرف بنعمة الله وحكمته وجرأته كيف يجعلهم يقبلونه ويثبّتونه أميرًا على نوفغورود وكييف. سعى لإفتداء المساجين لدى التتار وتخفيف الضرائب التي كانوا يفرضونها والحؤول دون تنفيذ سياسة التجنيد الإجباري في حق الشعب الروسيّ. أبى أن يضحي للأوثان ويعبر بالنار على طريقة التتار. بدل أن يعاقبه الخان التتاريّ بالموت أطلق سبيله بإكرام. رقد في الربّ وهو في الثالثة والأربعين بعدما ترهّب واقتبل الإسكيم الرهبانيّ الكبير وهو على فراش الموت. تبيّن بعد أكثر من مئة سنة من موته أن جسده لم يكن قد انحلّ بعد.

أبينا الجليل في القدّيسين أمفيلوخيوس أسقف إيقونية
هو أحد أبرز الآباء الذين اشتركوا في المجمع المسكوني الثاني المنعقد في القسطنطنية (381م). ولد في بلدة كبّادوكية اسمها قيصرية الثانية بين العامين 340 و345 للميلاد من عائلة أرستقراطية، وهو أبن عمة القدّيس غريغوريوس ومشيره ورفيق جهاده. تلقّى من العلم نصيبًا وافرًا، درس على المعلم الوثني المعروف ليبانيوس الإنطاكي وامتهن المحاماة في القسطنطنية ابتداء من العام 364م، وامتاز بحكمته واستقامته وبمحبته ودماثته وكان خطيبًا مفوّهًا. كان مرهف الحس تجاه الظلم فاندفع في طلب العدالةفكان حماسيًّا جامحًا، كلّ ذلك هيأ له سبل النجاح والشهرة، لكن الحسّاد وصغيري النفوس كثر فتحكوا ضدّه وحاولوا الإساءة إليه واستغلال دفاعه عن مجرم متستر محتال لتشويه سمعته، وقد كان للقدّيس غريغوريوس دور فاعل في خلاصه من ورطته، فأصيب القدّيس بصدمة وترك مهنته بعدما خبر استحالة إحقاق العدال بين الناس، فانصرف إلى الحياة التقدّيسيّة ومال إلى الحياة النسكيّة، لكنه قبل الخروج إلى الصحراء لازم البيت ليعتني بوالده العجوز المريض لأنّه لم يكن من يستطيع القيام بالأمر غيره، في هذه الأثناء تعرّف بالقدّيس باسيليوس الكبير فأحبّه وصار صديقًا وتلميذًا له. ولمّا اختير القدّيس باسيليوس رئيس أساقفة قيصرية الكبادوك بدأ أمفيلوخيوس يقلّل من زيارته له خوفًا من أن يدعوه للخدمة الرعائيّة في الكنيسة، غير أن شغور كرسي إيقونية (مدينة في آسيا الصغرى) دفع بباسيليوس إلى الطلب منه أن يستلم الرعاية لكنه رفض وهرب وتحت إصرار باسيليوس قبل أمفيلوحيوس بالأمر خاصة أن هرطقة أريوس كانت تنتشر بشكل كبير وأراد باسيليوس أساقفة مستقيمي الرأي يثق بهم.
أعاد القدّيس النظام إلى أبرشيته وضبط أمورها كما تصدّى للهرطقة الآريوسيّة وغيرها من الهرطقات. وقد شارك في المجمع المسكوني الثاني وساهم في إعلان ألوهية الروح القدس ووحدة جوهره مع الأب والأبن.
عاش القدّيس أمفيلوخيوس حتّى أواخر القرن الرابع للميلاد. آخر ذك له ورد في مناسبة المجمع المنعقد في القسطنطنية سنة 394م وعرض لشؤون أبرشية بصرى في بلاد حوران. رقد بسلام في الربّ بعدما وطّد استقامة الراي وحب الفضيلة في شعبه مخلّفًا مواعظ وشعرًا وكتابات قيمة لم يبق منها إلا القليل.

أبينا الجليل في القدّيسين غريغوريوس أسقف أغريغنتية
نشأ القدّيس غريغوريوس في إحدى مدن صقيلية الإيطالية. وكان أبواه خاريطين وثيودوتي تقيين، وقد نذاره لله في”مهد الأقمطة ” وعهدا به إلى عرّابه بوطاميانوس الأسقف وهو في سن الثامنة. وما أن بلغ الثانية عشرة حتى صار قارئا. كان يومذاك قد حفظ كتاب المزامير غيبا. وإذ كان الله قد منّ عليه بصوت عذب فإن قراءته للكتاب المقدس كانت بهجة لنفوس سامعيه. غير أن أهتمامه الأول كان لا في تلاوة الكتاب المقدس بل في التأمل فيه ليل نهار. لذلك استعان بالصوم والصلاة. ولما بلغ الثامنة عشرة من عمره استبد به شعور جامح دفعه لزيارة الأماكن المقدسة فغادر إليها متوخيا فهما أفضل لأسرار الكتاب المقدس.
من صقلية إلى أورشليم وبتدبير من الله ألتقى غريغوريوس في تونس، في طريقه إلى أورشليم، ثلاثة رهبان كانوا متوجهين إلى هناك فأخذوه معهم.
عبر المسافرون بطرابلس الغرب وبعض مدن مصر ولم يصلوا إلى القدس إلا بعد أربعة أشهر من إنطلاقهم لأن الرحلة كانت على الأقدام. ويبدو أن غريغوريوس حافظ خلالها على نظام غذائي صارم فلم يكن يتناول الطعام سوى مرة واحدة كل يومين أوثلاثة، كما أستمر منشغلا بتأملاته في الكتاب المقدس.
أقام غريغوريوس في الأرض المقدسة ست سنوات قضى أربعا منها راهبا في الصحراء برعاية شيخ روحاني مجرّب. وقد كان قبلة الأنظار. كثيرون مجّدوا الله عليه لصرامته في النسك وكماله المبكر في فضائل الطاعة والصبر واليقظة واستنارته في فهم غوامض الكتاب المقدس. وقد نما غريغوريوس في النعمة والقامة إلى حد جعل عارفيه يلقبونه ب”الذهبي الفم” الثاني .

وعرج على إنطاكية ومن القدس أنتقل قديسنا إلى إنطاكية فالقسطنطينية حيث نزل في دير على إسم القدّيسين سرجيوس وباخوس. همّ غريغوريوس في هذا الدير كان الصلاة والتأمل في مؤلفات القدّيس يوحنا الذهبي الفم.ويبدو أنه أعتاد السلوك يومذاك كغريب عن جسده حتى لم يكن يتناول إلا قليلا من الخضار، ويومي السبت والأحد فقط.
أطلاع القدّيس غريغوريوس على كتابات الآباء كان واسعا ومدهشا. أحضره بطريرك القسطنطينية مرة لديه لإمتحانه. وفيما بدأ البطريرك بتلاوة مقطع غامض للقديس غريغوريوس اللاهوتي ليشرحه له أكمله قدّيسنا غيبا وقدّم بشأنه تفسيرا جليا.
هذا وقد كان للقدّيس غريغوريوس، أثناء إقامته في القسطنطينية، دور مهم في دحض هرطقة المشيئة الواحدة ورد العديدين من الذين تبنوها إلى الإيمان القويم.
بعد القسطنطينية توجّه قديسنا إلى رومية حيث أقام فترة من الزمن إلى أن جرى أختياره أسقفا على مدينة أغريغنتية القريبة من بريتاريوم، موطن قدّيسنا الأول في صقيلية. وقد منّ عليه الله منذ ذلك الحين بموهبة صنع العجائب.
إشاعة كاذبة بشأنه كأسقف أنصرف غريغوريوس بغيرة إلهية وهمة لا تعرف الكلال إلى تنظيم أبرشيته وسيامة الكهنة والشمامسة وأفتقاد رعاياه والسهر على المساكين والأهتمام بالتعليم الديني للصغار، وغير ذلك من شؤون الرعاية، فأحبّه الناس وتعلقوا به. وقد جرت على يده حوادث شفاء كثيرة كتطهير البرص وإبراء الصم والبكم والمشلولين وطردالأرواح الشريرة. وإذ لم ترق نجاحاته لعدو الخير حرّك بعض ضعفاء النفوس الحاسدة الذين منهم كاهن يدعى سابينوس وشماس يدعى كريشنسيوس فبدأوا يثيرون ضده إشاعات مفادها أن فيه شيطانا لأنهم وجدوه لا يأكل ولا يشرب، وأن ما يأتيه من عجائب شفاء للمرضى إنما هو من عمل السحر والشعوذة. وقد تمادى الحاسدون في تأمرهم عليه إلى حدّ دفعوا معه بإمرأة هوى إلى تمثيل دور قذر لتشويه صورته وسمعته. الرواية، في هذا الشأن، تقول أن المرأة تسللت إلى داره يوما فيما كان يقيم الذبيحة الإلهية في الكنيسة. وما إن عاد برفقة بعض الناس الذين كان منهم سابينوس الكاهن وكريشنسيوس الشماس إلى دار المطرانية حتى خرجت المرأة من غرفة نومه في حال مثيرة للشبهات. وطبعا صعق الحاضرون، وأخذ الكاهن والشماس المتآمران يعيّران الأسقف ويحركان الحاضرين ضده، فيما وقف غريغوريوس صامتا هادئا وكأنه مستعد أن يتحمل نتأئج شائنة لم يرتكبها. كحمل بريء من العيب سيق إلى الذبح ولم يفتح فاه.
ألقي غريغوريوس في السجن، وبات الناس كأنهم مقتنعون بأنه مذنب. ثم جرى نقله إلى رومية حيث بدا البابا هناك مقتنعا هو أيضا بثبات التهمة عليه. لذلك حبسه سنتين كاملتين من دون محاكمة. أخيرا تألفت هيئة خاصة للنظر في قضيته. وإذ حضرت المرأة الزانية للشهادة، أستبد بها روح شرير فأخذت ترغي وتزبد. ولما حارت المحكمة في أمرها صلّى القدّيس غريغوريوس من أجلها فخرج منها الروح الخبيث. إذ ذاك أعترفت، وبدموع، أنها أتهمت رجل الله زورا وأنها فعلت ذلك بدافع الرشوة. ثم كشفت عمن كانوا وراء المؤامرة فبانت الحقيقة وأعيد لغريغوريوس الأعتبار فيما كان نصيب المفترين الخزي. تقول الرواية في هذا الشأن أن أكثر من مئة شخص وجدت وجوههم سوداء كالفحم لذنبهم وجرى نفيهم.
بعد ذلك عاد القدّيس غريغوريوس إلى أبرشيته وسط تهليل الشعب المؤمن وقد استمر في خدمتها إلى أن رقد بسلام في الرب في أواخر القرن السادس أو أوائل القرن السابع للميلاد.

الطروبارية
+ اليوم مقدّمة مسرّة الله وابتداء الكرازة بخلاص البشر، لأن البتول قد ظهرت في هيكل الله علانية وسبقت مبشرة للجميع بالمسيح فلنهتف نحوها بصوت عظيم قائلين: افرحي يا كمال تدبير الخالق!
+ يا إله آبائنا الصانع معنا دائمًا بحسب وداعت، لا تُبعد عنّا رحمتك، بل بتوسّلاتهم دبّر بالسلامة حياتنا.

٢٢ تشرين الثاني – القدّيسين فيليمون وأبفيّة وأرخبّس وأونيسيموس الرسل – القدّيس أبينا البار عبّاس العربي – القدّيسة الشهيدة كيكيليا والذين معها

القدّيس أبينا البار عبّاس العربي
اهتدى القدّيس عبّاس إلى المسيحية بفضل راهب قدّيس يدعى ماروز. وقد صار راهبًا وانضوى تحت لواء الناسك الكبير أفسافيوس السوري. قضى في جهاد الرهبنة ثمان وثلاثين سنة. امتاز خلالها بسلوكه وكأنّه مبتدىء. كان يمشي حافي القدمين، يقيم في الظل في الشتاء وفي الشمس في الصيف. لا يتناول من الطعام والماء إلا أقله رغم الحر الشديد. ولا يجلس إلا ما ندر رغم السلسلة الحديدية التي كانت حول حقويه. معظم ليله ونهاره كان يقضيه واقفًا أو راكعًا يصلي. امتاز بوداعة فائقة. وقد جعلوه رئيسًا على الدير الذي كان فيه، كان مثالاً طيّبًا لجميع الإخوّة ولم يفارق فرح القيامة محياه. يومًا.

القدّيسة كيكيليا ورفاقها
كانت كيكيليا من عائلة نبيلة من رومية. آمنت بالمسيح في السر عن والديها، وهي صبية، وقيل أنّها لغيرتها كانت تلبس المسوح تحت ثيابها. وجاء يوم أراد فيه ذووها زفّها إلى أحد الشبّان الوثنيين اللامعين. وإذ لم يكن في طاقة دها أن تمانعهم رضخت وأسلمت أمرها لله بعدما كانت قد أخذت على نفسها أن تبقى عذراء للمسيح. وليلة زفافها، بعد انصراف الناس، اعترفت لزوجها فالريانوس بسرّها أنّها نذرت نفسها للربّ وأن ملاكها يحرسها حتّى لا تمس ولما طلب معرفة هذا الملاك بشرته بالمسيح فآمن واعتمد وبشّر أخاه وهداه، وسلك الثلاثة في البتولية.
في تلك الأثناء اندلعت موجة عنف جديدة على المسيحيين في رومية واستشهد عدد لا بأس به منهم. ولمّا كان الخوف سيد الموقف والناس يتوارون والسلطات تحظر دفن الشهداء، لكن فالريانو وأخوه أخذا يتسلّلان ليلاً إلى حيث كانت أجساد القدّيسين الشهداء ملقاة ليأخذاها ويدفناها بإكرام. كما عمدا إلى توزيع الحسنات على المسيحيين المحتاجين في مخابئهم، وفي يوم داهمتهما الشرطة وألقت القبض عليهما وساقتهما أمام الحاكم مكسيموس للاستجواب.
حاول الحاكم حمل المجاهدين على تغيير موقفهما والتضحية للأوثان إنقاذًا لحياتهما فأبيا. فما كان من الحاكم سوى أن نفذ بهما حكم الإعدام بقطع الهامة، ولكن حدث أمر غريب فلقد عاين الحاكم والوثنيون الحاضرون العجب فالملائكة أتوا وحملوا نفسي فالريانوس وأخاه وصعدا بهما إلى السماء، أمام هذا المشهد آمن مكسيموس ومن وعه بالمسيح واعتمدوا.
أمّا كيكيليا فجاءت وحملت جسد زوجها وأخيه ودفنتهما، وهذا العمل أثار الشبهة فلاحظتها عيون الحكّام وأعتبروا أنّها تخّل بالأمن وتبشر بالمسيح وتمكّنت في ليلة واحدة من هداية أربعمئة نفس إلى المسيح، إذ ذاك قبض عليها الوالي وبعد استجوابها أنزل بها عذابات مرّة وبالنهاية قطع رأسها. وكان استشهاد الثلاثة في العام 230 م، في زمن الأمبراطور الكسندروس ساويروس.
إن رفات القدّيسة مودعة اليوم في الكنيسة المعروفة باسمها في مدينة روما، وينظر الغرب إليها كشفيعة للمرتلين والموسيقيين الكنسيين، ويعود سبب ذلك أنّها فيما كانت الآلات الموسيقيّة تعزف الفرح يوم زفافها كانت هي ترتل وتسبح الله في قلبها.

الرسل القديسون فيلمون وأبفيّة وأرخبس وأونيسيموس
القدّيس فيليمون هو إياه من وجّه إليه القديس بولس رسالته المصنّفة ثالثة عشرة في سلسلة رسائله. تقع الرسالة في فصل واحد وخمس وعشرين آية. منها نفهم أن فيليمون مسيحي أهتدى على يد السول بولس نفسه (19) وأنه كان ذا يسر وجعل الكنيسة بيته(2)، وكان غيورا عليها، محبا للقدّيسين. ويقول له الرسول بهذا المعنى :” إن لنا فرحا كثيرا وتعزية بسبب محبتّك لأن أحشاء القدّيسين قد استراحت بك أيها الأخ “(7).
ثم تعرض الرسالة لمشكلة يتوسط بولس الرسول لدى فيليمون لحلّها.
أونيسيموس كان عبدا لفيليمون ولسبب ما غادره هربا فوصل إلى رومية حيث تعرّف بالرسول المصطفى الذي كان في القيود. وقد تمكّن القدّيس بولس من هداية أونيسيموس إلى المسيح وأحبّه. وهو يدعوه أبنه وأحشاءه (10 ،12).وإذ تبيّن للرسول كم كان أونيسيموس نافعا له أراد أن يبقيه عنده لكي يخدمه “في قيود الإنجيل” (13). لكنه لم يفعل بدون رأي فيليمون،سيّده. لذا ردّه إليه (12) سائلا إياه أن يقبله بالصفح كما لو كان أونيسيموس هو بولس الرسول بعينه (17). وإذ يبدو من الرسالة أن أونيسيموس سبق أن ارتكب ظلما في حقّ سيّده الأول، فيليمون، لعله سرقة أو أختلاس أو دين، فإن بولس الرسول يخاطب فيليمون كشريك له وعامل معه في خدمة الإنجيل هكذا :”إن كان قد ظلمك بشيء أو لك عليه دين فاحسب ذلك عليّ.أنا بولس كتبت بيدي. أنا أوفي، حتى لا أقول لك أنك مديون لي بنفسك أيضا “(18 -19 ).
والأمر اللافت في الرسالة أن بولس الرسول لا يردّ أونيسيموس إلى فيليمون كعبد بل كأخ محبوب في المسيح. “لا كعبد في ما بعد بل أفضل من عبد، أخا محبوبا، ولا سيّما إليّ فكم بالحري إليك في الجسد والرب جميعا “(16).
هذا والرسالة موّجهة أيضا إلى شخصين آخرين، غير فيليمون، هما أبفيّة وأرخبس، وقد كتبها بولس الرسول من رومية بيد أونيسيموس الخادم نفسه.
إلى ذلك جاء في التراث أن فيليمون كان من كولوسي من أعمال فريجية وأن أبفيّة هي أمرأته وأرخبّس ولده. كما جاء أن فيليمون صار أسقفا على غزّة الفلسطينية فيما صار أرخبس أسقفا على كولوسي. وإذ أراد فيليمون أن يدعم خدمة الكلمة في كولوسي حيث أبدى الوثنيون مقاومة شرسة قام إليها واشترك فيها بعمل بشاري حثيث. فلما كان عيد ارتاميس وكان الوثنيون في المدينة يحتفلون، اهتاج هؤلاء وهجموا على بيت فيليمون فألقوا عليه وعلى زوجته وأبنه الأيدي.
وإذ حاولوا إرغامهم على تقديم الذبائح للأوثان وفشلوا ضربوهم ووخزوهم بالإبر ثم أخيرا رجموهم. وهكذا أكمل الثلاثة خدمتهم شهداء للمسيح.
أما أونيسيموس الذي تعيّد له الكنيسة في الخامس عشر من شهر شباط فبّشر بالإنجيل بعناد في روما بعد إستشهاد الرسول بولس. وقد تمكّن من هداية العديدين إلى المسيح وكان من بينهم زوجة شقيق حاكم روما بالذات. وقد تعرض أونيسيموس للسجن والتعذيب، وأخيرا مجّد الله بالموت ضربا.

الطروبارية
+ اليوم مقدّمة مسرّة الله وابتداء الكرازة بخلاص البشر، لأن البتول قد ظهرت في هيكل الله علانية وسبقت مبشرة للجميع بالمسيح فلنهتف نحوها بصوت عظيم قائلين: افرحي يا كمال تدبير الخالق!
+ أيها الرسل القدّيسون، تشفّعوا إلى الإله الرّحيم، أن يُنعم بغفران الزلاّت لنفوسنا.

٢١ تشرين الثاني – دخول والدة الإله الفائقة القداسة مريم

يرقى هذا العيد السيّدي في الشرق عندنا إلى ما بين القرنين السادس والثامن للميلاد، فيما عرف طريقه إلى الغرب في القرن الرابع عشر.
أرتبط العيد منذ القديم بقصّة حملت المعاني العميقة للعيد وطابعه المميّز.
أما القصّة فتفيد بأن الزوجين الفاضلين يواكيم وحنّة بعدما كانا عاقرين ومنّ عليهما الرب اللإله بثمرة البطن، مريم، أخذاها إلى الهيكل لتقيم فيه وفاء لنذر كانا قد قطعاه على نفسيهما. مريم، يومها، كانت قد بلغت الثالثة من العمر. فدعا يواكيم بعض العذارى العبرانيات عريقات الجنس ليواكبنها بالمصابيح. وقد تقدمتهن مريم دونما خوف أو تردد وما أن وصلت إلى باحة الهيكل، حيث كان رئيس الكهنة زكريا بن برخيا والشيوخ بانتظارها، حتى ألقت بنفسها بين ذراعيه فباركها
بعد ذلك، وبخلاف كل الأعراف، أدخل رئيس الكهنة الطفلة مريم إلى قدس الأقداس حيث لا يسوغ إلا لرئيس الكهنة الدخول في السنة للتكفير عن خطاياه وخطايا الشعب، وليس من دون دم ذبيحة. وقد أجلس زكريا مريم على درجة المذبح الثالثة، فحلّت عليها نعمة العلّي، وعاد يواكيم وحنّة إلى بيتهما وبقيت العذراء مريم في قدس الأقداس.
أمضت مريم في الهيكل تسع سنوات. لم تحيا إلا لله وحده، تتأمل جماله. وبالصلاة الدائمة واليقظة أنجزت نقاوة القلب واستحالت مرآة صافية تعكس مجد الله. وقد تزيّت بزي الفضائل البهي كمثل عروس تتهيأ لتستقبل في ذاتها العريس السماوي الذي هو المسيح. ولمّا كان ذهنها قد تنقى بالوحدة والصلاة فقد أمكنها أن تدرك المعنى العميق لأسرار الكتاب المقدّس. ومريم هي مظلة كلمة الله وتابوت العهد الجديد وإناء المن السماوي وعصا هرون المفرعة ولوح شريعة النعمة. فيها تنجلي النبوءات المعتمة. فالسلّم الذي يصل السماء بالأرض، ذاك الذي شاهده يعقوب في الحلم، هو إياه مريم. وهي أيضا عمود الغمام الذي أعلن مجد الله والسحابة الخفيفة التي حكى عنها أشعياء النبي.
وهي الجبل الذي عاينه دانيال النبي غير مقطوع منه بيد. وهي الباب المغلق الذي عبر منه الله ليلقى الناس كما جاء في حزقيال النبي. وهي العين الحيّة المختومة التي أفاضت علينا مياه الحياة الأبدية.
وبعدما بلغت مريم الثانية عشرة خرجت من قدس الأقداس وأودعت يوسف العفيف إلى كمال الساعة.
هذه قصة دخول والدة الإله إلى الهيكل وقد أقترنت بأسمى ما تراه الكنيسة في مريم. كل لاهوت والدة الإله مسكوب في هذه القصة. لذا نبحث في تفاصيلها عما تشير إليه. ولنا في خدمتي الغروب الكبير والسحر، اليوم، مستودع لذلك.

فبصلوات والدة الإله أيها الرب يسوع المسيح، إلهنا، إرحمنا وخلّصنا، آمين.

الطروبارية
+ اليوم مقدّمة مسرّة الله وابتداء الكرازة بخلاص البشر، لأن البتول قد ظهرت في هيكل الله علانية وسبقت مبشرة للجميع بالمسيح فلنهتف نحوها بصوت عظيم قائلين: افرحي يا كمال تدبير الخالق!

٢٠ تشرين الثاني – تذكار تقدمة عيد دخول سيدتنا والدة الإله الفائقة القداسة إلى الهيكل – والقدّيس داسيوس – أبوينا الجليلين في القديسين بروكلس وغريغوريوس البانياسي.

القدّيس داسيوس
كان القدّيس داسيوس جنديًّا في زمن الأمبراطور مكسيميانوس في مدينة بلغارية اسمها سيليستريا. كانت للوثنيين في تلك المدينة عادة شيطانيّة أن يقدّموا كلّ سنة جنديًّا فتيًّا ذبيحة للإله خرونوس (التي تعني الزمن) في عيده. وكان الضحية يزّين بأجمل الأثواب ويقضى له آخر ما تشتهيه نفسه. وقعت القرعة على داسيوس فجيء به محملاّ وسئل عما ترغب به نفسه، أجاب: “إذا لم يكن من الموت بد فخير لي أن أموت مسيحيًّا، باسم الربّ يسوع المسيح”. أثار قوله لغطًا بين الناس. أنف الوثنيون أن يقدموه ذبيحة. ساقوه للمحاكمة فاعترف بالمسيح ربًّا وإلهًا. عذّبوه ثم قطعوا رأسه بناء لأوامر ملكيّة.

أبينا الجليل في القدّيسين بروكلس رئيس أساقفة القسطنطنيّة
هو تلميذ القدّيس يوحنا الذهبي الفم، اشتهر كمعلمه بكونه واعظًا ممتازًا. الدارسون يصنّفونه بين أفضل وعّاظ القرن الخامس الميلاديّ. ولد في القسطنطنية حوالي العام 390م وسيم أسقفًا على كيزيكوس في العام 426م، لكنّه لم يتمكّن من دخول أبرشيته بسبب خلاف بين بطريرك القسطنطنية الذي سامه وسكان كيزيكوس، فلازم العاصمة المتملكة وتنقّل بين كنائسها واعظًا نظير معلمه، إلى أن جرى اختياره بطريركًا في العام 434م.
امتاز القدّيس بروكلس برزانته وتواضعه واعتداله. كما كان وديعًا وراعيًّا غيوّرًا. عُرف بجرأته وتمسكه بالإيمان القويم والدفاع عنه قبل وصوله إلى سدّة البطريركيّة بزمن. وله في أيام بطريرك القسطنطنية الهرطوقي نسطوريوس موقف حفظه التاريخ. ففي العام 428 ألقى في حضور نسطوريوس عظة ميلاديّة مدح فيها العذراء وسمّاها والدة الإله، رغن اتراض نسطوريوس. هذا وقد حرص على وحدة الكنيسة فحاول معالجة ما خلّفته هرطقة نسطوريوس من نتائج، وهذا زاد من تعلّق الأرثوذكس به وإلتفافهم حوله.
وإليه يعزى نقل رفات القدّيس يوحنا الذهبي الفم من كومانا في بلاد البنطس إلى القسطنطنية في 27 من شهر كانون الثاني من العام 438م.
في أيامه جرى إدخال التريصاجيون في صلب القداس الإلهيّ. وفي أيامه ضربت سلسلة من الزلازل البلاد في العام 447م فخلّفت دمارًا وموتًا وهجرة للآلاف من أماكن سكنهم، والتاريخ يشهد أي أب كان القدّيس بروكلس في احتضانه المنكوبين حتّى زاد على أصوامه أصوامًا ليكون له في المجاعة نصيب.
في سنة الزلازل بالذات رقد في الربّ بعدما خدم وقاد كنيسته أي كنيسة القسطنطنية على مدى أثني عشر عامًا وثلاثة أشهر.

تذكار أبينا البار غريغوريوس البانياسي
تفيد مصادر قديمة أنه من مدينة بانياس التي هي إحدى المدن العشر الواقعة إلى الشرق من بحيرة طبّرية، فيما تفيد مصادر أخرى أنه من إحدى المدن العشر الواقعة ضمن حدود مقاطعة إيصافريا، إلى الغرب من كيليكيا.
أبصر غريغوريوس النور في النصف الثاني من القرن الثامن للميلاد من أبوين تقيين هما سرجيوس وماريا. الدور الأكبر في تنشئته للمسيح كان لأمه. أبدى ميلا لدراسة الكتب المقدّسة والتردّد على الكنيسة وهو بعد في الثامنة من عمره.
وما أن بلغ سن الرشد حتى رغب إليه ذووه في الزواج فأبى لأن رغبة قلبه كانت أن يصير راهبا. وإذ لم يجسر أن يصارح والديه بالأمر فرّ من البيت سرا ولجأ إلى أحد الديورة فإلى ثان فثالث حيث أقام مرتاح القلب أربعة عشر عاما. ويبدو أنه فاق أقرانه في فضائل الحياة المشتركة، لا سيما في الطاعة والتواضع.
بعد ذلك سمح له رئيس الدير بالإنصراف إلى الحياة النسكية فأقام في مغارة في الجوار.
وفي هذه المغارة واجه غريغوريوس سيلا من التجارب القاسية. فكانت الشياطين تظهر له في شكل آفاع وحيوانات سامة لتدخل الرعب إلى نفسه وتحمله على ترك الموضع. لكن رجاء غريغوريوس بالله كان عظيما فلم تزعزعه مؤامرات العدو ولا عطلت عليه صلاته. لم يترك إبليس حيلة إلا لجأ إليها ليقلع هذا المجاهد من مكانه. وإذ أشعل عليه شهوة الجسد تضرّع غريغوريوس إلى الرب بدموع وانكسار عظيم فرفع عنه وسق تجربة الجسد. ومنذ ذلك الحين لم يعد لتوترات البدن تأثير عليه، وأخذ يخطو صوب اللاهوى بخطى حثيثة ثابتة .
وفيما كان مرة جليس المغارة، مجتمع النفس، في هدأة وصلاة عميقين، إذا به يخطف ونور يسطع من السماء مصحوبا برائحة طيب ويملأ المغارة. وبقيت الحال على هذا المنوال بضعة أيام. وقيل أنتقل في الروح إلى الفردوس وعرف ما سيعرفه المختارون في حلول القيامة العامة. أضحى كأنه خارج الزمن. ولما جاء تلميذه لخدمته، بعد ذلك بأربعة أيام، بدا له كأنه لم يمرّ عليه أكثر من ساعة واحدة في النور.
وشاءه الرب بعد ذلك أن يخرج إلى العالم لتظهر للناس فضائله وإستقامة رأيه. فانتقل إلى أفسس فإلى تراقيا فتسالونيكي فكورنثوس فكلابريا فروما. وفي روما أعتزل في قلاية ثلاثة أشهر دون أن يدري بأمره أحد. ولما خرج طرد بصلاته شيطانا تلبّس بإنسان فتدفّق عليه الناس يوقّرونه كقدّيس، ففّر إلى سيراكوزا حيث حبس نفسه في برج مهجور لينعم بالسكينة. هنا أيضا شنّ عليه الشياطين هجمات عديدة فردّها بقوة الصلاة. وإذ علم بوجود زانية شقيّة في الجوار ذهب إليها وهداها وجعلها تقتبل الحياة الملائكية وتحوّل بيتها من بيت للفجور، إلى بيت للصلاة، إلى دير. وأيضا جرت على يده عجائب أخرى وطرد شياطين كثيرة. ومن جديد بدأ الناس يشقّون طريقهم إليه ويتكاثرون. فهرب. عاد إلى تسالونيكي وأقام في كنيسة مهجورة على اسم القدّيس ميناس، كان لا يخرج منها إلا متى جاع. وقد جعل الله له جارا يزوّده ببعض الطعام متى خرج.
وفي غضون سنوات معدودة بدأ يستقبل تلاميذ ويجترح العجائب على نطاق واسع.
وقبل أن يغادر إلى السماء فرض وصبر على مرضه رغم أنه كان قادرا على أن يطلب من الرب الإله رفعه عنه. شاء أن يكون في الضعف والألم ليكون رجاؤه في السماويات كاملا.
أخيرا تمكن من دخول القسطنطينية بعدما كانت مقفلة في وجهه بسبب الحرب التي شنّها بعض الأباطرة على الأيقونات ومكرميها. في القسطنطينية عرف غريغوريوس بيوم رقاده سلفا وفيها أنتقل إلى جوار ربّه بسلام .

الطروبارية
+ الآن حنة تسبق فتخطب للكل فرحاً عوض الحزن، بإفراعها الثمرة أعني بها الدائمة البتولية وحدها، التي تقدِّمها إلى هيكل الرب بفرحٍ متمِّمة النذور، بما أنها بالحقيقة هيكل كلمة الله وأمٌّ نقية.
+ يا إله آبائنا الصانعَ دائماً بحسبِ وداعتكْ لا تبعد عنّا رحمتك، بل بتوسلاتهم دبّر بالسلامة حياتنا.

١٩ تشرين الثاني – القدّيس عوبديا النبي – القدّيس الشهيد أغابيوس الغزاوي – القدّيس الشهيد برلعام الإنطاكي

القدّيس أغابيوس
عاش القدّيس أغابيوس في زمن الأمبراطور ذيوكليسيانوس وحاكم غزة الفلسطينية أوربانوس.
ألقي في السجن لإيمانه بالمسيح. حاول الحاكم إقناعه بالعدول عن موقفه عدّة مرّات فلم ينجح. كان يؤتى به مع فاعلي سوء ليلقى للوحوش، ثم في اللحظة الأخيرة يعاد إلى سجنه. بقي على هذه الوتيرة ما يزيد على السنة. أخيرًا وأثناء زيارة الأمبراطور للمدينة جيء به هو وأحد المجرمين. أطلق المجرم وبقي أغابيوس. أبى أن يكفر بالمسيح، ألقي لأحد الدببة فمزقه، في اليوم التالي أسلم الروح وهو في السجن. أخذوه وقيدوا رجليه بالحجارة وألقوه في البحر.

القدّيس عوبديا النبي
هو كاتب أقصر أسفار الإثني عشر الصغار. ليست عندنا معلومات ثابتة في شأنه. ثمّة من يقول أنهّ إياّه عوبديا المذكور في سفر الملوك (18) والذي كان مدبرًا لبيت آخاب الملك. ذاك كان يخشى الربّ جداًّ منذ صباه.” وحينما قطعت إيزابيل (الملكة) وأنبياء الرب، أخذ عوبديا مئة نبيّ وخبأهم خمسين رجلاً في مغارة وعالهم بخبز وماء “. أرسله الملك إلى العيون والأودية ليبحث عن عشب للخيل والبغال لأنّ الجفاف في الأرض كان عظيما والبهائم مهددة بالموت. وفي الطريق إلتقى إيلياّ النبيّ. وإكرامًا لعوبديا ارتضى إيليّا أن يتراءى لآخاب الملك.
في كلّ حالّ، يقع سفر عوبديا في إصحاح واحد يتضمّن إحدى وعشرين آية. وإذا ما أخذنا بأن النص ّنشأ بعد سقوط أورشليم بقليل فإنّ زمن نشأته يكون قريبا من السنة 587 قبل الميلاد. ورغم قصره فرسالته جزيلة القيمة. إذ بعدما سقطت أورشليم وخرب الهيكل وجلا الشعب، بكلام آخر بعدما اشتدّت ظلمة الليل على أكثر ما تكون الظلمة بين الناس، إذا بسفر عوبديا ينبئنا بفيض النور: “يوم الربّ قريب “(15). “ويكون الملك الرب “(21) “أما جبل صهيون فيكون له خلاص “(17 ). “ويكون المكان قدسًا “.
ولا يبرىء السيد الربّ الأخ المستكبر الذي تآمر على أخيه، آدوم عيسو على يعقوب، واستغل ضعفه وشمت به في مصيبته وسلبه. لذا هكذا قال السيد الرب :”. . .إنّك حقير جدا، لقد أغواك الاعتداد بنفسك أيها الساكن في نخاريب الصخر والذي مسكنه المرتفعات والقائل في قلبه : من ينزلني إلى الأرض؟”أنك ولو أرتفعت كالعقاب وجعلت عشك بين الكواكب من هناك أنزلك، يقول الرب” (24)
وليس الأخ المستكبر وحده من “يرتد عناؤه على رأسه ويسقط شره على هامته”(مزمور) بل كل الأمم الذين أجتمعوا على الرب وعلى مسيحه وشعبه. “لأن يوم الرب قريب على جمع الأمم.وكما فعلت يفعل بك ويعود أنتقامك على رأسك” (15). “ويكونون كأنهم لم يكونوا” (16).
أمّا شعب الله فيرث الذين ورثوه (17) ويكونا نارا وأعداؤه قشا “فيضرمونهم ويأكلونهم ” ولا يبقون حيا منهم لأن الرب تكلّم (18).
فلو قرأنا السفر لا كحدث تاريخي وحسب، بل بالأحرى كحدث روحي تجري فصوله فينا، على منوال آبائنا أن آدوم،الذي يعني تراب الأرض، هو كل واحد منا، هو ترابيتنا، هو إنساننا العتيق بكل إستكباره وملذاته ومفاسده ومحاسده، إذن لبانت للسفر في حياتنا معانيه العميقة .

القدّيس الشهيد برلعام الإنطاكي
كان برلعام فلاحًا بسيطًا متمسّكًا بالإيمان بالربّ يسوع عندما اندلعت موجة جديدة من العنف في وجه المسيحيين في أيام الأمبراطورين ذيوكلسيانوس ومكسيميانوس، أوائل القرن الرابع الميلاديّ. جيء به إلى والي انطاكية فاعترف بالمسيح سيّدًا وأبى أن يذبح للأوثان أو يقدم لها البخور، فجرى الحوار التالي بينهما،
• الوالي: “لما أنت مسيحيّ؟
• القدّيس: لأنّي أعبد المسيح
• فسخر منه الوالي وقال: ومن هو المسيح؟
• هو ربّ السماء والأرض
• ومن قال ذلك؟
• الكاهن!
• هذا كلام بطال، المسيح مجرم صلبه الوالي الروماني في أورشليم، وحدها آلهتنا حقيقيّة
• بل المسيح وحده الإله”.
فجلدوه وعذبوه من جديد ثم طرحوه في السجن وبعد أيام أخرجوه فوجدوه ثابتًا في إيمانه بالربّ يسوع فأخضعوه لأنواع جديدة من التعذيب. علّقوه وشدوا أطرافه في كلّ اتجاه فتخلّعت عظامه، تركوه وعادوا إليه بعد حين فرأوه صابرًا راسخًا لا يتزعزع.
وفي اليوم التالي قفزت فكرة إلى رأس الحاكم بعدما احتار في أمره، فجعله أمام مذبح الوثن وألزمه بمد يده، ثم وضع في يده جمرة وألقى فوق الجمرة بخورًا لأنّه قال لا بد أن يرمي برلعام الجمرة من يده مرغمًا فتقع عند مذبح الوثن فيكون قد قدّم البخور للبعل عنوة.
انصبت الأنظار على يد برلعام، بعد قليل أخذ الدخان ورائحة اللحم المحترق ينبعثان منها ويده لا تتحرّك، استمرّ المشهد وسط دهشة الحاضرين حينًا، وإذا الأصابع تتساقط، الواحد بعد الآخر، رمادًا والكف تحترق ولا تمتد يد برلعام بحركة صوب الوثن البتة.
وإذا انتهى المشهد سقط جانبًا وأسلم الروح شهيدًا للمسيح.
قال القدّيس باسيليوس عنه: “كانت له يمين أصلب من النار”. والذهبي الفم: “تطلّع الملائكة من العلاء وعاين رؤساء الملائكة المشهد العزيز الفائق في الحقيقة على طبيعة البشر، من لا يشتهي النظر إلى إنسان أبدى مثل هذا الجهد النسكي ولم يشعر بما يشعر به سائر، إنسان كان هو المذبح والذبيحة والكاهن؟!”.

الطروبارية
+ إننا معيّدون لتذكار نبيّك عوبديا، وبه نبتهل إليك يا رب، فخلّص نفوسنا.
+ شهيدك يا ربُّ بجهاده، نال منك الإكليل غير البالي يا إلهنا، لأنه أحرز قوّتك فحطّم المغتصبين، وسحق بأس الشياطين الّتي لا قوَّة لها. فبتوسّلات شهيدك برلعام أيّها المسيح الإله خلّص نفوسنا

١٨ تشرين الثاني – القدّيس الشهيد أفلاطون – القدّيسين الشهيدين رومانوس وبارولا الأنطاكيين – القدّيس توما الحمصيّ

القدّيسين رومانوس وبارولا
القدّيس رومانوس من أصل انطاكي أو ربما فلسطيني. كان شمّاسًا وطاردًا للأرواح الشريرة في الكنيسة. كان ي أنطاكية عندما اندلعت موجة جديدة من الاضطهاد على المسيحيين في زمن الأمبراطور ذيوكليسيانوس. لم يطق رومانوس أن يرى عددصا من المسيحيين يتهافتون على حاكمية أنطاكية ليكفروا بالمسيح ويقدّموا العبادة للأوثان خوفًا على أنفسهم. وإذ دبّت فيه الغيرة الإلهيّة شرع يطوف عليهم في بيوتهم وحوانيتهم يقويّهم ويشدّد عزائمهم، فوصل خبره إلى الحاكم الذي أمر بإلقاء القبض عليه، وفيما كان الجنود يبحثون عنه إذا بع يعترض الحاكم في طريقه إلى هيكل الأوثان لتقديم ذبائحه قائلاص له: “تخطىء ايّها الحاكم، إذ تذهب إلى الأصنام. فالأصنام ليست آلهة. وحده المسيح هو الإله الحقيقي”. فبهت الحاكم من جسارة هذا الوقح. وإذ عاد إلى نفسه وهمس أحد الجنود في أذنه بأنّه هو المطلوب بتهمة تحريض المسيحيين على عصيان الأوامر الملكيذة، امر للحال بإلقاء القبض عليه وسوقه إلى الديوان. في الديوان، أخذ الحاكم يقرّع رومانوس على عمله الشائن فكان جوابه أنّه يفتخر بأن يعصى الأوامر الجائرة للملوك وبان يحضّ المسيحيين على عصيانها لأن الله أولى من الناس بالطاعة.
فأشار الحاكم إلى جنوده بأن يجلدوه فجلدوه بعنف وعذّبوه بشتى أنواع التعذيب لكن رومانوس لم يتزعزع عن إيمانه بل بالعكس قال للحاكم: “ليس الصنم شيئًا، والوثنية حماقة. المسيح هو ربّ المجد. واضطهاد ذيوكليسيانوس للمسيحيين ظلم واستبداد”. عدّ الحاكم كلام رومانوس تجديفًا على الملك فأمر به جنده من جديد فضربوه لكن رومانوس التفت شهيد المسيح إلى إسكلبياذوسوقال له: “أترى هذا الولد هناك؟” فادار الحاكم وجهه فأبصر ولدًا ممسكًا بيد أمه وسط جمع من الناس، فقال له رومانوس: “هذا الولد يفهم أكثر منك لأنه يعرف من هو الإله الحقيقي وأنت لا تعرف. سله فيجيبك!”. فاختلط الأمر على الحاكم إزاء الجمع وارتبك وصرخ بالولد إليه فجيء به للحال فسأله: “قل لي يا ولد هل هناك إله واحد أم آلهة متعدّدة؟” فأجاب الولد وكان اسمه بارولا: “بل هناك إله واحد خالق السماء والأرض”. فسأله الحاكم: طوهل أنت مسيحي؟” فأجاب: “نعم أنا مسيحي وأؤمن بالربّ يسوع المسيح”. فتطلّع الحاكم بغضب إلى أمّ الولد ووبخّها على إفسادها إياه وسوء تربيتها له. ثم اقترب جندي من الولد وانهال عليه ضربصا قصاصًا له. فخرجت الأمذ عن صمتها وأثنت على ولدها وأخذت تشجعه، فاشتدّ غيظ الحاكم وأمر بقطع رأس الولد أمام أمّه، كما أمر بتعذيب رومانوس حتّى الموت.

القدّيس توما الحمصيّ
كان القدّيس توما راهبًا في أحد الأديرة القريبة من حمص، على بعد أرلعة كيلومترات منها إلى الجهة الشمالية الغربيّة. كان رسول الدير إلى مدينة انطاكية يقضي حاجاته ويجمع ما له من محاصيل فيها. اعتاد أن يتردّد على أحدى الكنائس لتحصيل ما لديره عليها. وكان هناك مدبّر للكنيسة اسمه أناستاسيوس، فحدث مرّة أن ضاق أناستاسيوس بتوما الراهب ذرعًا فصفعه أمام الحاضرين فاستهجن الجميع ما فعله، فهدّأهم توما قائلاً: “لن يصفع أناستاسيوس أحدًا بعد اليوم ولا أنا سأتلقى صفعة”. في اليوم التالي مات أناستاسيوس وقفل توما عائدًا إلى ديره. الطاعون يومها كان متفشّيًا في تلك الناحية.
فما أن وصل توما إلى دفني التي هي ضاحية انطاكية، حتّى أصابه المرض فمات ودفن في مقبرة للغرباء باعتبار أنّه غريب عن المدينة، وفي اليوم جيء بجثة امرأة وألقين فوق جثة توما، ولمّا عاد حفّارو القبور في اليوم التالي وجدوا جثة المرأة خارج القبر، فتساءلوا عن السبب وبقي الأمر لغزًا، لكنهم وضعوا الجثة في مقبرة أخرى. ثم بعد أيام جيء بجثة امرأة أخرى وألقيت فوق جثة توما فلفظتها المقبرة خارجها. إذ ذاك أدرك العمّال أن توما الراهب لم يكن ليقبل أن تدفن فوقه امرأة. وللحال أنفذوا الخبر إلى بطريرك انطاكية فجاء ورافقه كهنة وشمامسة ورفعوا جسد توما بكلّ إكرام وساروا به إلى مدفن انطاكية الكائن على طريق دفني، وكان هذا هو المدفن الكبير الذي جرى وضع القدّيسين والشهداء فيه منهم القدّيس أغناطيوس الإنطاكي. وحالما انتهت مراسم الدفن توقّف الطاعون. فقال البطريرك أن توما كان رجلاً بارًا، لذا أحصي مع القدّيسين وأخذت الكنيسة الإنطاكيذة مذ ذاك تقيم له عيدًا سنويًّا. ومرّت الأيام ولسبب غير معروف سقط ذكره، لذلك لا نعرف تاريخًا محدّدًا لعيده. أمّا الثامن عشر من شهر تشرين الثاني فتاريخ استعرناه من السنكسار اللاتيني ولعله اعتباطي وهذا يعود إلى القرن السادس عشر.

القدّيس الشهيد أفلاطون
عاش القدّيس أفلاطون في مدينة أنقرة الغلاطية في زمن الأمبراطور مكسيميانوس (285 -305 م). وهو شقيق القدّيس الشهيد أنطيوخوس الذي تعيّد له الكنيسة في السادس عشر من شهر تمّوز.
نشأ وترعرع مسيحيًّا، وقيل طبّع والده في قلبه حب الفضيلة والعطف على المساكين. فلمّا شبّ جاهر بإيمانه وأخذ يبشر بالمسيح علانية ويشجب عبادة الأصنام، إلى أن ثارت موجة إضطهاد على المسيحيين، فألقى أغريبينوس، حاكم أنقرة، القبض عليه وأحضره لديه. اعترف أفلاطون بإيمانه بالمسيح جسارة. ولمّا رآه الحاكم ثابتًا على موقفه إلى درجة التحدي، حنق عليه وسلّمه للتعذيب.
قام الجنود، أوّل الأمر، بضربه ضربًا مبرحًا. وإذ دنا منه الحاكم وحثّه على إنقاذ نفسه من الموت وتقديم العبادة للأوثان أجاب :”هناك موتان :موت زمني وموت أبدي. هناك حياتان :حياة زائلة وحياة باقية”. فأمر الحاكم بالتشديد عليه .
مدّد أفلاطون على سرير من الحديد المحّمى وتفنّن المعذبون في تمزيقه وإحراقه بالجمر في مواضع مختلفة من بدنه. فصرخ أفلاطون فيهم :”عذّبوني ما شئتم لتظهر وحشيّتكم للعيان ويظهر احتمالي تمسّكًا بالمسيح إلهي!”. ويُقال أنّ عددًا كبيرا من الوثنيّين اعتنقوا الإيمان نتيجة ذلك.
وعندما كلّم الحاكم أفلاطون عن سميّه الفيلسوف العظيم أنّه كان وثنيًّا، أجاب شهيد المسيح :”لست كأفلاطون ولا هو مثلي إلاّ بالاسم فقط. فأمّا أنا فأتعلّم وأعلّم الحكمة التي من المسيح، وأمّا هو فيعلّم الحكمة التي هي حماقة عند الله”.
بعد ذلك ألقى أفلاطون في السجن فأقام ثمانية عشر يومًا محرومًا من كلّ طعام وشراب. وإذ تعجّب سجّانوه أنّه ما زال حيًّا قال لهم :”أنتم تشبعون من الخبز وأنا من الصلاة. أنتم تسرّون بالخمرة وأنا بالمسيح، الكرمة الحقيقيّة”. “حياتي هي المسيح والموت ربح” (فيلبي 21:1) .
وأخيرًا وبعدما استنفد الحاكم وجلاّدوه طرق الاقناع بالإكراه والتعذيب، قطعوا رأسه.
وقد شرّف الله شهيده بالعديد من العجائب. كما أضحى شفيع الأسرى بشهادة المجمع المسكوني السابع (787 م).

الطروبارية
+ شهيداك يا ربُّ بجهادهما، نالا منك الإكاليل غير البالية يا إلهنا، لأنهما أحرزا قوّتك فحطّما المغتصبين، وسحقا بأس الشياطين الّتي لا قوَّة لها. فبتوسّلات رومانوس وأفلاطون أيّها المسيح الإله خلّص نفوسنا.

١٧ تشرين الثاني – أبينا البار لونجينوس – أبينا الجليل في القدّيسين غريغوريوس العجائبيّ رئيس أساقفة قيصرية الجديدة – أبينا البار لعازر راسم الإيقونات – أبينا الجليل في القدّيسين جنّاديوس، بطريرك القسطنطنيّ

القدّيسين البار لعازر – أبينا جنّاديوس – البار لونجينوس
ترهّب القدّيس لعازر شابًا صغيرًا. تمسّك بالايمان القويم. نفاه عدو الإيقونات الأمبراطور ثيوفيلوس إلى دير للسابق. استمرّ في رسم الإيقونات رغم الاضطهاد. بعض أيقوناته أضحى عجائبيًّا. سيم كاهنًا، قيل أن الله غفر لثيوفيلوس الملك بسبب صلاته من أجله. أوفده الأمبراطور ميخائيل الثالث والبطريرك أغناطيوس القسطنطينيّ مرتين إلى روما لإعادة اللحمة والسلام بين الكنيستين الشرقيّة والغربيّة. رقد بسلام في الربّ في روما بعد مرض ونقلت رفاته إلى ديره في غلاطا.
خلف القدّيس جنّاديوس البطريرك أناتوليوس عام 458م عرف بتقوله واستقامته. قيل أنّه كان لامعًا في الكلام، واسع الاطلاع، حاد الذكاء. اهتّم بضبط شؤون الكهنة بعدما كانت السيمونية قد تفشّت. عقد لذلك مجتمعًا في القسطنطنية بين العامين 458 و459. له مؤلف في موضوع السيمونية هو الوحيد المحفوظ بكامله من كتاباته. هو الذي فرض الأحد كيوم عطلة. اهتمّ بالمحافظة على التوازن في العلاقة بين الكنيسة والسلطة المدنيذة. مدافع قوي عن الايمان الأرثوذكسيّ. تنسب إليه بضع عجائب. له مؤلفات عديدة لا نعرف إلا شواهد منها هنا وهناك في كتابات المتأخرين. اهتمّ بصورة خاصة بدراسة الكتاب المقدّس. كتابته تدلّ على أنّه كان ينتمي إلى المدرسة الكتابيّة الانطاكيّة. رقد في قبرص، قيل أنّه ضلّ طريقه وسط عاصفة ثلجيّة ثم اهتدى إلى بيت قرعه فلم يفتح له، وفي اليوم التالي وجدوه ميتًا عند الباب بردًا.
يُقال إن القدّيس لونجينوس من بلاد الثغر (كيليكية) وإنّه أمضى زمانًا في سورية قبل أن ينتقل إلى صحارى مصر. عاش في القرن الرابع أو الخامس للميلاد. ينس إليه عدد من الأقوال يستخلص منها أنّه كانت له موهبة طرد الأرواح الشريرة وشفاء المرضى.
قل جاءته امرأة تشكو من سرطان في صدرها ولم تكن لها به سابق معرفة. فسألته أين يقيم الأب اونجينوس يا أبت؟ فأجابها: وماذا تريدين من هذا المخادع الغشّاش؟ لا تذهبي إليه، ثم سألها ما بها فأخبرته عن حالها، فبارك موضع الداء وأطلقها قائلاً: إذهبي والربّ يشفيك، لأن لونجينوس لا يمكنه أن ينفعك البتة. فمضت مصدّقة ما قاله لها، وللحال شفيت. وسأله مرّة راهب يطلب مزيدًا من العزلة قائلاً: “أريد أن أعيش في غربة”. فقال لونجينوس: “إذا لم تحفظ لسانك فلن تكون غريبًا أينما حلّلت. إحفظ لسانك هنا فتصير غريبًا”.
وسأله نفس الراهب: “أريد أن أهرب من الناس”. فأجابه: “إذا لم تحقق الفضيلة وأنت بين الناس أولاً فلن تستطيع بمفردك وأنت في البرية أن تحقّقها”.
وقال أيضًا: “المرأة تعرف أنّها قد حبلت متّى توقّف ينبوع دمها. هكذا النفس فغنّها تحبل بالروح القدس عندما تتوقّف الأهواء التي تجري من تحتها. فإذا كانت تساكن الأهواء، فكيف تقدر أن تتظاهر بعدم الهوى؟ أعط دمًا وخذ روحًا”.

أبينا الجليل في القدّيسين غريغوريوس العجائبيّ رئيس أساقفة قيصرية الجديدة
أبصر غريغوريوس، وكان أسمه في الأساس ثيودوروس، النور في مدينة قيصرية الجديدة في بلاد البنطس حوالى العام 213 للميلاد. كان والداه وثنيين وكان له أخ وأخت. وقد سمح له وضع عائلته بتلقي نصيب لا بأس به من العلم، فدرس الآداب والفقه والخطابة. تمتع بمواهب جمة وامتاز بالحكمة والوداعة ومال إلى الهدوء والتأمل.
كان في صباه غير ما كان عليه أترابه. وكثيرا ما حاولوا أجتذابه إليهم أو حتى إرباكه فلم ينجحوا في تحويله عن خط سيره. مرة دفعوا بواحدة من الغواني فدنت منه أمام الملأ وطالبته بما لها عليه من متعة مزعومة قضتها له، فلم يجبها ولا دافع عن نفسه بل أعطاها ما تريد وتركها تذهب.
توفي والده وهو صغير السن وشاءت والدته لمّا رأته فيه من ذكاء حاد وميل إلى العلم أن ترسله إلى مدرسة بيروت التشريعية الشهيرة في ذلك الزمان. ولمّا كانت أخته على أهبة الزواج من وكيل حاكم فلسطين فقد رافقها هو وأخوه، أثينودوروس، إلى قيصرية على أمل الأنتقال منها إلى بيروت بعد ذلك. ولكنه تعرّف في قيصرية إلى المعلم المشهور أوريجنوس فأخذ بعلمه ومنطقه وتقواه وأثر البقاء في قيصرية.
لازم غريغوريوس و أخوه أوريجنوس خمس سنوات واعتمدا منه. وقيل أنهما لحقا به إلى الأسكندرية لبعض الوقت بعدما جّد حاكم فلسطين في طلبه إثر موجة جديدة من الأضطهاد على المسيحيين.
واخيرا عاد غريغوريوس إلى موطنه فلقيه قومه بالترحاب وأنهالت عليه عروض التوظيف. ولكن، كانت عين غريغوريوس في غير مكان فترك الحياة العامة واهتمامات الدنيا وانصرف إلى البرية ينشد التسك والصلاة والتأمل في الكتاب المقدّس. ويقال أنه لازم الفقر بضع سنوات.
وإن هو سوى زمان قليل حتى ذاع صيت فضائله وبلغ أذنّي فيديموس، أسقف أماسيا التي تقع قيصرية الجديدة في إطارها، فاراد أن يجعله أسقفا على مسقط رأسه رغم أنه كان بعد في الثلاثين. قيصرية الجديدة كانت يومها وثنية الا سبعة عشر شخصا أقتبلوا المسيحية. فلما علم غريغوريوس بعزم الأسقف ترك مكانه وتوغل في البرّية هربا. إلا أن ذلك لم يثن فيديموس عن قصده ولا منعه من تنفيذ رغبته. فقد لجأ إلى طريقة قلّما ألفها تاريخ الكنيسة أو أقرّتها الأعراف، إذ عمّد إلى سيامته غيابيا وأنفذ له علما وخبرا بذلك. في هذه الاثناء جاء غريغوريوس صوت من السماء يقول له :”أذعن لإرادة رئيسك وأسقفك فيديموس. إنها هي إياها إرادة الله”. فترك منسكه للحال وتوجه إلى أماسيا حيث وضع نفسه في تصرف أسقف المدينة .
كأسقف على قيصرية الجديدة أبدى غريغوريوس غيرة وهمّة كبيرين. وقد منّ عليه الله بمواهب جمّة، فتمكّن بالمحبة والصلاة والكلمة وصنع العجائب من هداية أهل المدينة والجوار. ويقال أن عدد الوثنيين في المدينة كان مساويا، عند وفاته، لعدد المسيحيين وقت دخوله إليها أسقفا : سبعة عشر .هذا علما بأن زمن ولايته كان زمن حرب وطاعون واضطهاد.
أما عجائبه التي أورد قسما كبيرا منها كل من القدّيسين باسيليوس الكبير وغريغوريوس النيصصي فكانت غزيرة، واسعة النطاق، مدهشة. قيل أنه كان له سلطان على الأرواح النجسة والجبال والمياه وكان يشفي المرضى وكانت له موهبة النبوة ويعرف مكنونات القلوبز كما كان، بنعمة الله، قادرا على الاختفاء عنأعين مضطهديه. يروي في هذا الشأن أنه بعدما أطلق داكيوس قيصر شرارة الاضطهاد على المسيحيين حوالي العام 250 للميلاد أنصرف غريغوريوس وجمع غفير من أبناء رعيته إلى الجبال المتاخمة لقيصرية الجديدة. وحدث ذات مرة، أن جنودا رصدوه، هو وشماسه على احدى القمم فصعدوا إليه وكادوا أن يدركوه بعدما كانوا على بعد خطوات معدودة منه. ولكن ماذا جرى؟ تقدّم الجنود قليلا إلى الأمام فعاينوا شجرتين باسقتين ولم يروا أثرا فعتدوا خائبين.
وبعما همدت حملة الأضطهاد هذه، عمد غريغوريوس إلى جمع رفات الشهداء وجعل لهم أعيادا سنوية ثابتة. ولعل بعض مواطن الإبداع في ما فعله غريغوريوس كان تعيينه أعياد الشهداء في نفس الأيام التي أعتاد الوثنيون إقامة أحتفالاتهم وسمح ببعض مظاهر الفرح والتعييد الوثنية. بكلام آخر عمّد غريغوريوس الأعياد الوثنية، تمثّلها، وبالتالي ساعد على إلغائها من وجدان الناس.
من جهة اخرى يذكر القدّيس غريغوريوس النيصصي الذي كتب سيرة سميّه العجائبي أنه أول من شهد التاريخ القديم لمعاينته والدة الإله. ففي إحدى الليالي ظهرت له والدة الإله برفقة القدّيس يوحنا اللاهوتي وكشفت له سر وحدة الجوهر الإلهي والتمايز بين الأقانيم الثلاثة، الآب والأبن والروح القدس. وقد شكّل هذا الكشف ما عرف ردحا من الزمن بدستور القدّيس غريغوريوس العجائبي الذي أعتادت تلاوته كنائس قيصرية الجديدة والجوار. وهذا الدستور عينه أستعان به الآباء في المجمع المسكوني الثاني (381 م) لإخراج دستور الإيمان المعروف إلى يومنا إلى النور.
هذا الكشف جعل الآباء ينظرون إلى غريغوريوس وكأنه موسى ثان يتلقى الإعلانات الإلهية مباشرة من لدن العلي.
أما رقاد القدّيس غريغوريوس فكان بسلام في الرب بين العامين 270 و275 للميلاد. وقد قيل أنه أوصى بأن يدفن في قبر من قبور الغرباء لا في قبر خاص لأنه لم يختص نفسه بشبرأرض في حياته ولم يشأ أن يختص جسده بشبر واحد في مماته.

الطروبارية
+ أيها الأب غريغوريوس، لقد نلت لقبَك بتقويماتك، لتيقُّظك في الصلوات ومواعيظك على صنع العجائب، فتشفَّع إلى المسيح الإله أن ينير نفوسنا، لئلا ننام في الخطايا إلى الموت.

١٦ تشرين الثاني – القديس الرسول البشير متّى الإنجيلي

هو أحد الرسل الإثني عشر (متى 10 :3 ،لوقا 6: 15). له في أنجيل لوقا أسم ثان :”لاوي” (5: 27 ) وفي إنجيل مرقص “لاوي بن خلفى (2 :14).
كان عشارا، جابيا للضرائب في كفرناحوم، المدينة التي كان الرب يسوع المسيح مقيما فيها في بلاد الجليل. وفي كفرناحوم دعاه الرب يسوع وهو في مكان عمله بقوله “اتبعني ” “فترك كل شيء وقام وتبعه ” (لوقا :27 -28 ).
متّى يتحدث عن دعوة يسوع له كما لو كان يتحدث عن إنسان غريب لا يعرفه. هكذا عرض للأمر :”فيما يسوع مجتاز من هناك رأى أنسانا جالسا عند مكان الجباية اسمه متى فقال اتبعني، فقام وتبعه “(9 :9). متّى يذكر أصله جيدًا يعرف من أي جب أخرجه يسوع. وهو الوحيد بين الإنجليين الثلاثة الذي يقدم نفسه في لائحة الرسل الأثني عشر لا كمتّى وحسب بل كمتّى العشّار (3 :10).
ثم أن لاوي احتفى بالرب يسوع فصنع له في بيته ضيافة كبيرة. في هذه الضيافة التي حضرها جمع من العشّارين والخطأة تفوّه الرب يسوع بقوله المأثور :”لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى، لم آت لأدعو أبرارا بل خطأة إلى التوبة “(مرقص 2 :17، لوقا 5: 31) قال ذلك في معرض ردّه على الكتبة والفريسيين الذين تذمّروا :”ما باله يأكل ويشرب مع العشارين والخطأة” (مرقص 2 :16 ).
أمران يلفتانا في رواية متى :الأول إحجامه عن إضفاء طابع العظمة على الضيافة وعدم نسبتها إلى نفسه بشكل صريح كما نسبها مرقص ولوقا إلى لاوي مباشرة. وفي ذلك خفر. والأمر الثاني إيراده القول السيّدي، دون الإنجيليين الآخرين، بتوسع. “لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى. فاذهبوا وتعلّموا ما هو. إني أريد رحمة لا ذبيحة. لأني لم آت لأدعوا أبرارا بل خطأة إلى التوبة” (متى 9 :12 -13 ) فالقول الزائد “اذهبوا وتعلموا. إني أريد رحمة لا ذبيحة”، إلى جانب كونه يدين الكتبة والفرّيسيين، لا سيما وأن الشق الثاني منه مأخوذ من نبوءة هوشع (6 :6 )، فإن متّى حساس له وضنين به لأنه يعرف جيدا ما فعلته به رحمة الله وأنه بالنعمة مخلّص بالإيمان وهذا ليس منه، “هو عطية الله” كما يقول الرسول بولس في أفسس (2 :8).
وهذا ما يبرّر أيضا دعوة متّى العشّارين والخطأة، أصحابه، إلى العشاء، فرحمة الله مسكوبة على الجميع. أو لم يكن متّى الوحيد الذي أورد قول يسوع: “إن العشّارين والزواني يسبقونكم إلى ملكوت الله”(متى 21 :31 ).
ورافق متّى الرسول الرب يسوع في تنقلاته وبشارته وعاين عجائبه قبل الصلب وبعد القيامة. كما كان في عداد الرسل الذين كانوا يواظبون بنفس واحدة على الصلاة والطلبة مع النساء ومريم، أم يسوع، وإخوته بعد الصعود.(أعمال الرسل 1 : 13-14).

الطروبارية
+ أيها الرسول القدّيس البشير متّى، تشفّع إلى الإله الرّحيم، أن يُنعم بغفران الزلاّت لنفوسنا.

١٥ تشرين الثاني – الشهداء غوريا وصامونا وحبيب – القدّيسين الشهداء ألبيذيوس ومركلّوس وأفتوخيوس

القدّيسين ألبيذيوس ومركلّوس وأفتوخيوس
هؤلاء القدّيسون أحرقوا بالنار في زمن الأمبراطور يوليانوس الجاحد. كان ألبيذيوس أحد أعضاء مجلس الشيوخ المقربين من الأمبراطور. لكن يوليانوس جرّده من حقوقه وامتيازاته بعد أن عرف أنّه مسيحيّ ولم يشأ أن يترك الإيمان. وللحال سلّمه إلى عذابات مرّة كثقب الرجلين بالمسامير والضرب، ومن ثم ألقاه هو واثنين آخرين، مركلّوس وأفستوخيوس، في النار فأسلموا الروح.

الشهداء غوريا وصامونا وحبيب
كان غوريا وصامونا وحبيب من ناحية الرها. ولعلّهم، كما ذكر البطريرك مكاريوس الزعيم في “قدّيسون من بلادنا”، من قرى تابعة لمدينة حلب: غوريا من قرية قطما غربي عزاز، وصامونا من قرية عندان وحبيب من قرية تل عدا. وقد قضوا شهداء للمسيح بين العامين 289 و322 للميلاد.
كان غوريا وصامونا مواطنين ذا شأن، وقيل كاهنين، في زمن الأمبراطور ذوكليسيانوس (284-305 م). فلمّا شنّت السلطات حملة على المسيحيّين، كان لهذين المجاهدين دورٌ فاعل في تشديد المؤمنين وتثبيتهم في الإيمان لئلاّ يخور أحد منهم تحت وطأة التهديد فيكفر بالمسيح. وقد أمّنا الأتصال بالموقوفين وعزّياهم وحملا إليهم بعض ما يحتاجون إليه. وبقيا كذلك إلى أن انتهى خبرهما إلى الوالي أنطونيوس فألقى جنوده القبض عليهما وأوقفوهما أمامه.
فلمّا مثلا لديه هدّدهما أو يكفرا بالمسيح. فقاوماه قائلين :”إذا رضخنا لمرسوم قيصر ومتنا ولو أبقيت علينا، لا نخوننّ الإله الأوحد الذي في السماء ولا نستبدلنّه بصورة من صنع أيدي الناس. المسيح إلهنا وإيّاه نعبد لأنّه، بصلاحه، أنقذنا من الضلالة، فهو ضياؤنا وطبيبنا وحياتنا”. وإذ توعّدهما الوالي بأنه سيذيقهما أمرّ العذاب وسيسلمهما إلى الموت لو عاندا، أجاباه :”لن نموت، كما تظن، بل سنحيا. أجل، نحن نؤمن أننا إن عملنا مشيئة ذاك الذي خلقنا حيينا. لذلك تهديداتك لا تخيفنا. والتعذيبات تكون إلى حين ثمّ تعبر كأنّها لم تكن ولاتؤثّر فينا. ولكنّنا نخشى العذاب الأبديّ المدّخر للأشرار والساقطين. أمّا إلهنا فيهبنا أن نحتمل عذاباتكم التي لا تلبث أن تزول متى خرجت النفس من الجسد”.
استشاط الحاكم غيظًا، لكنّه أمر بسجنهما ريثما يفكّر في لون التعذيب الموافق لهما.
وانقضت بضعة أيّام ثم أمر بتعليقهما، كلاً بيد واحدة في الهواء خمس ساعات متواصلة، فثبتا ولم يتزعزعا. فأمر بإلقائهما في حفرة مظلمة ثلاثة أشهر ونصف الشهر، ومنع عنهما الطعام والشراب إلا الأقل من القليل. ولما أعادهما إليه من جديد وجدهما راسخين ولو أوهنهما الضيق والعذاب. “لا نعودن عن إيماننا ولا عن كلامنا. افعل ما أمر به قيصر، فلئن كان لك سلطان على أبداننا فليس لك على أرواحنا”. فأمر الوالي بإخراجهما من حضرته وتعليقهما في الهواء من الرجلين.
أخيرا، عيل صبر الحاكم فقضى بإنزال عقوبة الإعدام بهما. كان ذلك في الخامس عشر من شهر تشرين الثاني من العام 289 م. فلما بلغ المجاهدين الحكم تهلّلا. “نحن أشقى الناس ولا نستأهل أن نحصى في عداد الأبرار ولا أن نقارن بهم. لكن عزاؤنا قول المعلم:”من أضاع حياته من أجلي يجدها”(متى 10 :39 )”المجد لمن أهلنا لاحتمال العذابات لأجل اسم الرب يسوع المسيح”.
وإذ سيق غوريا وصامونا إلى مكان الإعدام ارتفع السيف فوق عنقيهما صّليا هكذا” يا أبا ربنا يسوع المسيح، تقبّل روحينا واحفظ جسدينا ليوم القيامة”. ثم قطعت هامتاهما.
وذاع خبر شهادة الاثنين بين الناس فتراكضوا غير عابئين بخطر يداهمهم وجمعوا بقاياهما، حتى الدماء التي أرويا بها التراب، وواروهما الثرى بالبخور والمزامير والتسابيح لمجد الله.
أما حبيب فقد استشهد في المدينة عينها، الرها، بعد ذلك بحوالي ثلاثة وثلاثين عاما. وخبره أنه كان شماسا يقيم مع والدته في زمن ليسينيوس. فلما حمل الأمبراطور على المسيحيين في العام 309 للميلاد، أخذ حبيب يطوف بهمة في القرى المحيطة بالرها يجمع المؤمنين ويشدّدهم ويقرأ عليهم الكتب المقدّسة. فلما بلغ خبره حاكم الرها، المدعو ليسانيوس، اغتاظ وأعطى الأمر بالبحث عن الشمّاس الجسور الوقح هذا وإلقاء القبض عليه. وإذ لم يقع الجنود له على أثر أوقفوا والدته وبعض أهل قريته. وما أن علم حبيب بما جرى حتى أيقن أن أوان الاستشهاد قد حان فجاء وأسلم نفسه.
سيق الشمّاس الغيور أمام الحاكم للاستجواب فأبدى شجاعة وثباتا فائقين، فأمر ليسانيوس بجلده دون هوادة. ثم بعد أيام علقوه وفسخوه ومزّقوا لحمه بأمشاط من حديد. فلم يخر بل قال :”كما تثمر الشجرة متى رويت كذلك تقوّي هذه التعذيبات عزيمتي” فتعجّب الوالي وسأله بلهجة الحانق العاجز :”أهذا ما يعلمك إياه دينك أن تكره جسدك وتسرّ بالآلام؟!”. فأجاب حبيب بشق النفس :”نحن لا نكره أجسادنا، لكننا نفرح إذا ما تأملنا في الحقائق غير المنظورة، ولنا ثقة بالوعد أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن للذين يحبون المسيح”.
احتار الحاكم ماذا يعمل بهذا المعاند. السيف قليل عليه. فأمر بأحراقه على نار خفيفة.
ولما أخذه الجند لتنفيذ الحكم اجتمع بعض المؤمنين، وكانت أم الشمّاس من بينهم مجللة بالبياض وكأنها في عيد. وإذ ألقاه جلاّدوه في النار لفظ، للحال، أنفاسه الأخيرة وأسلم الروح. وقد تمكن المسيحيون من إخراجه من دائرة النار، ثم حملوه وواروه التراب في نفس الموضع الذي كانت فيه بقايا غوريا وصامونا.
ومرّت أعوام قليلة وانتهى عهد الاضطهاد فبنى المسيحيون كنيسة في المكان ونقلوا رفات الشهداء الثلاثة إليها. ومنذ ذلك الوقت صارت تقام لهم ذكرى واحدة كل عام في مثل هذا اليوم.
هذا ويذكر التاريخ أن الله أجرى برفات القدّيسين الثلاثة عجائب جمّة. وإحدى هذه العجائب أنه كانت أرملة رهّاوية ابنة صغيرة السن شاءها أحد المجنّدين من الأصل الغوطي أو ربما الكردي زوجة. وإذ وجدت الأرملة نفسها مغلوبة على أمرها أعطت الرجل ابنتها بعد أن أقسم لها عند قبر الشهداء الثلاثة، غوريا وصامونا وحبيب، أن يصونها ويتخذها لنفسه زوجة شرعية. وسافر الجندي إلى بلاده. لكنه لم يف بوعده بل عامل الفتاة كأمة وجعلها لخدمة زوجته الأصيل. فلما ماتت الزوجة، دفنت الفتاة الرهاوية معها، ربما كما كانت العادة في تلك المحلة. فأخذت الفتاة في القبر تنوح وتستنجد بالشهداء الثلاثة، فظهروا لها وحملوها في لحظة، في طرفة عين، وأعادوها إلى موطنها الأول، في الرها. وهكذا وجدت الفتاة في اليوم التالي في كنيسة الشهداء.

الطروبارية
+ عجائب قديسيك الشهداء، إذ قد منحتَنا إياها سورًا لا يحارب، أيها المسيح الإله، فبتوسلاتهم شتِّت مشورات الأمم، وأيِّد صوالجة المملكة، بما أنك صالحٌ وحدك ومحبٌّ للبشر.

١٤ تشرين الثاني – القدّيس فيليبس الرسول الكليّ المديح – أبينا الجليل في القدّيسين غريغوريوس بالاماس العجائبيّ رئيس أساقفة سالونيك – القدّيسات الشهيدات السوريات

القدّيسات السوريات
في أيّام الخليفة المهدي، في حمص، رغب القائد العسكري للمنطقة، المدعو الحسن بن قحطبة، أن يضع يده على منابع للمياه المعدنيّة كانت تقع في أرض بيزنطيّة. فقام على رأس جيش قوامه ثلاثون ألف جندي بغزو تلك الناحية المسماة دوريلا. وقد أعمل نهبًا وحرقًا في البيوت الأرزاق دون أن يحقق ما خرج من أجله لأن عاد خائبًا. والغزوة أثارت حقد البيزنطيين واحتقار المسلمين في آنٍ، حتّى الروم في حمص سخروا منه، رغم كونهم تحت نير المسلمين، ودعوه “حية الماء”. وإذ أراد أن ينتقم لكرامته الجريح سعى، تحت ستار الغيرة على الدين الإسلامي، إلى فرضه فرضًا على أعداد كبيرة من المسيحيين الذي سبق أخذهم أسرى وكانوا في مصاف العبيد والإماء. وقد ورد أن عددًا كبيرًا من النساء خضعن للتعذيب وقضين لأنّهن تمسكن بإيمانهن بالمسيح. ويبدو أن ذلك كان في أيلول من العام 779 للميلاد. أسماؤهن لا نعرفها ولكن، ذكر التاريخ أن من بين الشهيدات أثنتين، واحدة كانت خادمة لدى رئيس شمامسة كنيسة حمص والأخرى خادمة لرجل يدعى أشعيا.
ملاحظة: ورد ذكر هؤلاء القدّيسات في السنكسار اللاتيني نقلاً عن حوليات القدّيس ثيوفانيس المعترف الذي تعيّد له الكنيسة في الثاني عشر من شهر آذار والذي رقد في العام 818م.

القدّيس فيليبس الرسول الكلّيّ المديح
هو أحد الرسل الإثني عشر. وكلّ الإنجيليين ذكروه ولكن يوحنا الحبيب ذكره أكثر من غيره، ربّما لأنّه كانت تربطه به روابط صداقة.يبدو من النصوص الكتابيّة أنّ فيليبّس كانت له صلة بيوحنّا المعمدان قبل أن يعترف بالربّ يسوع. وقد يكون واحدًا من تلميذي السابق اللذين سمعا معلّمهما يقول عن الربّ يسوع :”هوذا حمل الله” فتبعاه (يوحنا 1 :35 ). والتلميذ الآخر كان أندراوس المعّرف عنه في التراث بأنّه المدعوّ أولا. في كل حال، كان فيليبّس من نفس مدينة أندراوس وبطرس التي هي بيت صيدا (يوحنا 1 :44 ). والإثنان، فيليبس وأندراوس، يظهران، أحيانا، متلازمين كما في الإصحاحين السادس والثاني عشر من إنجيل يوحنّا. لذا يغلب أنّهما كانا صديقين وأنهما كانا يشكلان مع آخرين شبه حلقة تدرس الشريعة والأنبياء وتتناظر في مزايا المسيح الموعود وتنتظر تمام الوعد لإسرائيل. كما يبدو نثنائيل ذا صلة بالحلقة، فإنّ فيليبس، بعدما اهتدى إلى الربّ يسوع، أخذ يبحث عن نثنائيل، ولمّا وجده قال له :”قد وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء يسوع بن يوسف الذي من الناصرة”، ثم جاء به إلى يسوع.
فيليبس هو أوّل من دعاه الرب يسوع :”اتبعني” (يوحنّا 1 :43). والدارسون يقولون أنّ التعبير “وجد فيليبس فقال له اتبعني “يشير إلى أنّه كانت ليسوع به معرفة سابقة. ثمّ أنّ شخصيّة فيليبس في إنجيل يوحنا تبدو كشخصيّة توما : شخصيّة حارّة عفويّة واقعيّة وعمليّة تؤكّد الخبرة الذاتيّة وإعمال الحسّ أكثر مما تؤكد التصديق بالكلمة. من هنا قوله لنثنائيل لمّا أبدى اعتراضًا على أنّه لا يمكن أن يكون من الناصرة شيء صالح، “تعال وانظر”. ومن هنا أيضًا امتحان الرب يسوع له قبل تكثير الخبز وإطعام الجموع :”من أين نبتاع خبزا ليأكل هؤلاء. وإنما قال هذا ليمتحنه لأنه هو علم ما هو مزمع أن يفعل. أجابه فيليبس لا يكفيهم خبز بمئتي دينار ليأخذ كل واحد منهم شيئا يسيرا” (يوحنّا 6 :5 -7 ). ومن هنا أيضًا انتهار الرب يسوع له بعد اعتراضه على قول السيّد عن الآب “من الآن تعرفونه وقد رأيتموه”. قال له فيليبس “يا سيّد أرنا الآب وكفانا” فانتهره الرب يسوع قائلا :”أنا معكم زمانا هذه مدّته ولم تعرفني يا فيليبس. الذي رأني فقد رأى الآب فكيف تقول أنت أرنا الآب. ألست تؤمن أني أنا في الآب والآب فيّ” (يوحنا 14 ). لقد كان ذهن فيليبس لصيق الحسّيّات وكان توجه الرب يسوع أن يحرّره منها ويرفعه إلى مستوى الروحيّات، مثله مثل توما الرسول وسواه من الرسل عموما، في كلّ حال، على طريقة :”هات إصبعك إلى هنا وأبصر يديّ وهات يدك وضعها في جنبي ولا تكن غير مؤمن بل مؤمنا. . . لأنّك رأيتني آمنت طوبى للذين آمنوا ولم يروا “(يوحنا 20 :27 – 29).
هذا أبرز ما توافينا به الأناجيل عن القدّيس فيليبس الرسول.
امّا بعد الصعود والعنصرة، فالتراث يقول عنه أن نصيبه في البشارة وقع له في آسيا الصغرى وأنّه توجّه إليها برفقة برثلماوس الرسول وأخته في الجسد، مريمني. ويبدو أنه أصاب هناك نجاحًا كبيرا حتى أنّه هدى للمسيح امرأة حاكم آسيا المدعو نيكانور. ولكن ألقى عليه الوثنيون القبض في هيرابوليس في فيرجيا فجروّه وصلبوه رأسا على عقب. وإذ أسلم الروح اهتزت الأرض كما من غضب الله فتخشّع الوثنيون الحاضرون وأعلنوا إيمانهم بالمسيح. وقد رقد فيليبس، فيما يظن، في الثمانينات من القرن الأول، ونقلت رفاته، فيما بعد، إلى رومية.

أبينا الجليل في القدّيسين غريغوريوس بالاماس العجائبيّ رئيس أساقفة سالونيك
ولد القدّيس غريغوريوس في القسطنطينية سنة 1296، ابن عائلة نبيلة قريبة من البلاط.
نشأ فيها على التقوى والنسك وممارسة الصلاة النقية الدائمة. انكب على العلم منذ صغره ورغب في الرهبنة.
بعد وفاة والده التحقت ام غريغريوس واختاه بدير في القسطنطينية وسافر سنة 1316 مع اخويه الى جبل آثوس. قضى حوالى 15 سنة راهبا في الجبل المقدس وقرب تسالونيكي يمارس الصلاة الدائمة والنسك الشديد.رئس دير اسفيغمانو وارشد الرهبان فيه وعددهم مئتا راهب. كان معهم بسيط السلوك، حر الفكر، متواضعا، مسامحا التائب، مرشدا بالقول والعمل، قائدا الاخوة على طريق الفضيلة.
استقال من رئاسة الدير بسبب توقه الى الحياة الهدوئية وعاد الى منسكه في الجبل المقدس. كتب آنذاك عدة كتابات روحية: سيرة القديس بطرس الآثوسي، ومقال طويل عن دخول السيدة الى الهيكل وبعض العظات.
سمع عن نشاط برلعام الكالابري وكتب سنة 1336 البراهين حول الروح القدس . كان برلعام يونانيا من جنوبي ايطاليا قصد القسطنطينية لدراسة الفلاسفة اليونانيين ومحبة بالتقوى الحقيقية على حد قوله.
عاش القديس غريغوريوس نسكه على مبدأ الهدوئية : الهدوء الخارجي اي تحرر الحواس والجسد من تأثيرات العالم والهدوء الداخلي اي تحرر القلب والذهن من الاهواء والافكار وتدريب الذهن على عدم قبول اي فكر او تجربة باطلة فيكتسب سلام القلب وآنذاك يكشف الله له ذاته. يحصل هذا بالصلاة الدائمة والتدرب على الهدوء.
حارب برلعام الهدوئيين، فكتب القديس غريغوريوس كتابات اسمها “الثالوثيات” يتناول فيها موضوع خلافه العقائدي مع برلعام ويدافع عن الهدوئيين. كان برلعام يقول ان العقل البشري لا يمكن ان يفهم اي شيء عن الله لذلك لا جدوى للبحث اللاهوتي، وقدم هذا التفكير حجة ضد اللاتين في قولهم ان الروح القدس ينبثق من الابن وسببا لاتحاد الكنائس. جواب بالاماس ان الله يُفهم لانه اعلن عن نفسه بيسوع المسيح ولان الروح القدس يعمل ليصل الانسان الى معرفة الله.
حكم المجمع المقدس القسطنطيني على برلعام، لكن قام ضد بالاماس اعداء غيره منهم بطريرك القسططينية فنفي وسجن حتى سنة 1341، كتب في منفاه عدة كتب. وافق مجمع 1347 ومجمع 1351 على لاهوت القديس غريغوريوس وانتشر فكره في الكنيسة.
كان قد انتخب اسقفا على تسالونيكي فقضى وقته في الوعظ والرعاية حتى وفاته في 14 تشرين الثاني 1359.
في سنة 1368 قرر البطريرك فيلوثاوس تكريس الاحد الثاني من الصوم عيدا له وكتب الخدم الطقسية للعيد.

الطروبارية
+ أيها الرسول القدّيس فيلبس، تشفّع إلى الإله الرّحيم، أن يُنعم بغفران الزلاّت لنفوسنا.
+ يا كوكبَ الرأي المستقيم، وسندَ الكنيسة ومعلّمَها، يا جمالَ المتوحّدين ونصيراً لا يُحارَب للمتكلّمين باللاّهوت، غريغوريوس العجائبيّ، فخرَ تسالونيكي وكاروزَ النّعمة، ابتهل على الدوام في خلاصِ نفوسنا.

١٣ تشرين الثاني – أبينا الجليل في القدّيسين يوحنا الذهبي الفم رئيس أساقفة القسطنطنيّة

أبصر النور في أنطاكية سنة 345. كان والده سكوندوس قائد القوات الرومانية في سورية. ووالدته القديسة أنثوسة. توفي والده في السنة الرابعة لزواجه وكان لديه ابنة وابن. فرفضت والدته أن تتزوج بعد ترملها. وتفرغت لتربية ولديها، تربية مسيحية خالصة. فكانت تربيتهم تنضح بعفة وطهارة وإخلاص.
درس يوحنا اللغة والبيان في مدرسة الفيلسوف ليبانيوس أشهر فلاسفة عصره. فأجاد القديس يوحنا اليونانية التي ساعدته في مواعظه وشروحاته. ودرس الفلسفة في أنطاكية أيضاً. امتهن يوحنا المحاماة وبهر أقرانه بفصاحته وبلاغته. ثم رغب فجأة بتركها. وكان ملاتيوس أسقف أنطاكية يراقب تقدم يوحنا في العلم والفضيلة. فلما تيقن من زهده أحاله في دار الأسقفية ثلاث سنوات ثم منحه سر المعمودية ورقاه إلى درجة القارئ. وكان بعض المسيحيون في ذلك الوقت يهابون سرّ المعمودية خوفاً من عواقب الوقوع في الخطيئة بعدها. فآثروا تأجيل ممارسة هذا السر حتى سن متأخرة. وأراد يوحنا أن يخرج للصحراء للتعبد والصلاة والتأمل. إلا أن أمه طلبت منه أن يؤجل هذا حتى ترقد بالرب إذ لم يكن لها معيل غيره. فرضخ لطلبها، ويقول القديس في هذا الصدد: “ما كدنا -هو وباسيليوس- نبدأ بتنفيذ ما رمنا حتى تدخلت أمي، المحبوبة جداً، ضد المشروع. لقد أمسكت بيدي وقادتني إلى غرفتها الخاصة. وأجلستني، وجسلت قربي، على الفراش ذاته حيث شاهدتُ النور لأول مرة. وهنا فاضت دموعها وكانت زفراتها تقطع نياط قلبي وعباراتها العذبة الحنونة تمعن في التقطيع… ومما قالته لي: انتظر فراقي لهذا العالم، ربما يكون قريباً. لقد بلغت سناً لا يُنتظر معه إلا الموت. وعندما تعيدني إلى التراب، وتجمعني إلى أبيك، اذهب حيث تشاء؛ سافر إلى البعيد البعيد، إرم بنفسك في لجة اختيارك فعندئذ ليس من يمنعك. ولكن طالما أمك تتنفس وتتألم لا تتركها ولا تغضب الرب إلهك إذ تلقيني بلا مبرّر وبلا فائدة في لجج من الآلام أنا التي لم أصنع لك شراً. وتابعت: يا بني إذا استطعت أن تنسب لي أني أزيد همومك الحياتية فأنت حرّ من شرائع الطبيعة. دُسها برجليك ولا تأخذ بعين الاعتبار شيئاً واهرب مني كعدوة تنصب لك الكمين… إذا كنتُ صنعتُ بك شراً!!”. وكان هذا الحادث بمثابة نقطة الثقل في حياته. فجعل من غرفته في المنزل قلاّية. وعاش حياة الراهب والابن في الوقت نفسه. فتقشف وكرس وقته للصلاة.
ثم أنشأ بالاشتراك مع باسيليوس صديقه أخوية نسكية ضمت بعض رفاقهما في التلمذة أمثال وفي سنة 373 غضب والنس جاش على الأرثوذكسيين فأكره النساك على الخدمة العسكرية والمدنية. واعتبر بعض المسيحيين أن تقشفات النساك ضرب من الجنون. فضحك الوثنيون على الطرفين. فأخذت الكآبة في نفس يوحنا كل مأخذ. فعلم أحد أصدقاءه بهذا. فحض يوحنا أن يقيم كلامه حصناً يدرأ نار الاضطهاد فتردد يوحنا ثم أنشأ ثلاثة كتب في إطراء السيرة النسكية. ومن ثم ذهب إلى وادي العاصي وأوى إلى مغارة وعاد إلى أنطاكية بعد ست سنوات. مريض، فجسمه لم يقوى على التقشف. ورجليه أصبحتا ضعيفتين. لمّا أطل يوحنا على دار الأسقفية ابتهج الجليل في القديسين ملاتيوس وجاء به ورسمه شماساً رغم معارضته. فأوكلت إليه مهمة مساعدة المحتاجين، فوزع الصدقات وزار المرضى والحزانى…. ودعي ملاتيوس لحضور المجمع المسكوني الثاني في القسطنطينية وترأس أعماله فأوكل السهر على شؤون الكنيسة إلى يوحنا. ثم توفي ملاتيوس أثناء انعقاد المجمع، فرسم فلابيانوس خليفة له، الذي سامه كاهناً سنة 386. سعى لإصلاح المجتمع. وحرك الأغنياء أن يمدوا يد المعونة للكنيسة والتي بدورها راحت تبني المشافي والمآوي.
في السنة 378 شرعت الحكومة المركزية تتهيأ للاحتفال بمرور عشر سنوات على حكم الامبراطور ففرضت الضرائب لأجل هذا الاحتفال. فاستثقل الأنطاكيون هذه الترتيبات المالية الجديدة وأبدى جباة الضرائب عنفاً شديداً واشتدت وطأة الظلم على الفقراء. فأخذوا يتجولون في الشوارع و يشتمون الامبراطور وأسرته. وحطموا تماثيلهم النحاسية ولا سيما الامبراطورة بلاكلَّة التي كانت قد غمرت الأنطاكيين بالإحسانات. وتقطر قلب فلابيانوس وخشيَ سطوة الأمبراطور وأشفق على خرافه من أن يؤخذ البريء بذنب الجريء. وقر قراره أن يطرق بابا الأمبراطور نفسه ويلتمس العفو منه بعد أن طلب منه ذلك القديس الذهبي الفم وترجاه.
ووصل فلابيانوس إلى القسطنطينية وهرع إلى البلاط. وكان قد عانى من التعب أشده. فلما أبصره ثيودوسيوس تصدع قلبه أسفاً فذكر الامتيازات والإحسانات التي غمر بها أنطاكية وقال أهذا هو عرفان الجميل؟ وعاد فلابيانوس إلى أنطاكية حاملاً العفو المنشود واحتفل بعيد الفصح المجيد فانبرى الذهبي الفم يرد آيات الشكر والتسبيح لأن شعب أنطاكية كان ميتاً فعاش وضالاً فوجد. وفي السنة (398-404) توفي نكتاريوس أسقف القسطنطينية في السابع عشر من أيلول من عام 396 فأصبح كرسي رومة الجديدة كرة شقاق بين الشعب ورجال الكهنوت. وهذا هو الذي عهد إليه منصبه أن يرفض توسلات أولي الأطماع وأن يفتح أذنه إلى وحي ضمير المؤمنين وصوت الشعب المسيحي الحقيقي. وكان افتروبيوس المسؤول عن الكم قد عرف الذهبي الفم في أثناء رحلاته إلى الشرق فأُعجب بفصاحته وقدر فضله فلم يجد أجدر منه بإعادة شعب العاصمة إلى الفضائل المسيحية. فإنه عند المجاهرة باسم الذهبي الفم استصوب الجميع هذا الاختيار. وعرف تعلّق الأنطاكيين بمرشحه. فكتب إلى فيكتور استيروس والي الشرق أن يرسل يوحنا خفية دون إطلاع أحد من الأنطاكيين على ذلك. فبادر الوالي إلى التنفيذ ووجد أن أيسر الطرق هو الاحتيال بإخراج يوحنا إلى ظاهر البلد ليتمكن من تسفيره سراً. فدعا الوالي الكاهن يوحنا إلى زيارة كنيسة الشهداء حيث مدفون أجساد الشهداء في خارج أسوار المدينة. وكان هذا في أواخر تشرين الثاني. فعد يوحنا هذه الرحلة واجباً مقدساً ورضي بها. وذهب الذهبي الفم إلى المكان الذي اتفقا على أن يلتقيا فيه. فقبل دعوة استيروس للركوب وما كادت العربة تتحرك حتى فتح الكونت “استيروس” فمه قائلاً: “بالحقيقة، ليست غايتي زيارة كنيسة الشهداء. أرجو القديس أن يغفر كذبتي”. واتجهت العربة إلى القسطنطينية. ورغب الأمبراطور ومن حوله أن يستقبلوا المرشح الأنطاكي بما استطاعوا من العظمة والأبهة والإجلال فدعا الأمبراطور إلى مجمع محلي للانتخاب وجمع أكابر العاصمة واستدعى ثيوفيلوس أسقف الإسكندرية، ليضع يده عليه ويسلمه عكاز الرعاية. وتمت سيامته أسقفاً في 26 شباط من عام 398. وأرسل يوحنا رسائل سلامية إلى رؤساء الكنائس. وفي أول يوم بعد دخوله القصر الأسقفي أحدث تغيرات. غيّر بعض الأشياء التي من شأنها إغضاب الرب. فأمر يوحنا ببيع جميع الأواني الفضية والذهبية وتوزيعها على الفقراء. وشيّد مستشفى للفقراء، وأقام بأثمانها مأوى للغرباءوبعد ذلك صرف جميع الخدام وأرسل جميع أدوات المطبخ إلى المأوي والفقراء. لم يشهد سكان القصر الأسقفي مثيلاً لما يجري أمامهم. وتكلموا باحترام مع سيد القصر قائلين: إن أسقف القسطنطينية ثاني أسقف في العالم، وعليه واجبات رسمية. عليه أن يقيم مآدب، وأدوات المطبخ لازمة. عليه أن يدعو الأمبراطور والأمبراطورة والأعيان. هكذا البروتوكول! وأبدى القديس أسفه قائلاً: إن الأسقف طبيب روحي وأب. وليس صاحب مطعم يدعو الناس ليملأوا بطونهم.
وعني القديس بإصلاح الاكليروس. فسلق بعضهم بلسانه سلقاً. وأوجب عليهم الزهد في الملبس والمأكل والقيام بالواجب المقدس. وكان لكلامه وقع شديد في قلوب السامعين فانقاد اكليروس القسطنطينية لصوته وتفقد القديس بنفسه جميع الأديرة فأثنى على المحافظين على فرائض الدعوة وأكره الذين نفخ فيهم ريح العالم على الرجوع إلى الأديرة والتقيّد بقوانينها وتقاليدها. وحرم على الكهنة قبول العذارى المصونات في بيوتهم. وأنشأ للعذارى مآوي انقطعن فيها للصلاة والفضائل ثم التفت إلى إصلاح ما فسد من أحوال الأرامل فئة الكنيسة العاملة في أوائل عهدها. وحتم أنهن إن استثقلن الترمل فليتقيدن بزواج ثان خير لهن وأولى.
ترأس الذهبي الفم مجمعاً محلياً في أيلول سنة 400. وأثناء الجلسات الأخيرة تقدم أسقف يتكلم ويشكو للذهبي الفم أوضاع الكنيسة في آسية. وكان القديس يسمع الكلام ورأسه بين يديه. وجاء الشماس ينبهه بأن وقت القداس قد حان ويدعوه للكنيسة. ولكنه رفض، بعد سماع مثل هذه الأشياء لا يقدر أن يخدم القداس. أذناه مازلتا متألمتين. كان القديس يعرف أن أفسس لا تخضع لسلطته. وأن أساقفة القسطنطينية لم يتدخلوا مطلقاً في شؤونها. ولكن الذهبي الفم يكسر الحدود دفاعاً عن كنيسة المسيح. وفتح تحقيقاً ليتأكد من صحة هذه الاتهامات. بإرساله أسقفين للبحث والتدقيق. وفي التاسع من شباط 401 أبحر إلى آسيا. وفي أفسس دعا إلى مجمع مؤلف من سبعين أسقفاً. وحضر أمامهم المتهمين. وأعلن الكهنة أنهم انخدعوا ووقعوا في الضلال وأن نيتهم حسنة!!!
وفي أثناء غيابه عن القسطنطينية حيكت ضده مؤامرة برئاسة الأساقفة، أكاكيوس صديقه، وسفيريانوس وبعض الأساقفة القادمين من أنطاكية وانضم إليهم الأمبراطورة نفسها. ولم يعطي القديس أي اهتمام لهذه المؤامرة. ونشب خلاف طارئ بين سفيريانوس وسيرابيون الشماس الأكثر إخلاصاً للذهبي الفم، وتمّ عقد مجمعاً لفحصه الأسقف فاعتبر كلامه هرطقة، وأوقف عن الخدمة. فطال لسانه هذه المرة القديس الذهبي الفم. لم يستطع مؤمني القسطنطينية احتماله. فهاج الشعب وأراد أن يقتله إلا أنه استطاع أن يفلت منهم وهرب في البحر ليلاً.
فاغتاظت افدوكسيا للأمر وطلبت من سفيريانوس العودة. إلا أن الشعب كان يريد أن يراه فقط لينتقم لإهانة القديس، فلم يكن أمام أفدوكسيا حلّ إلا أن تذهب إلى القداس وتركع أمام الذهبي الفم وتطلب منه أن يغفر لسفيريانوس خطيئته، ففعل. وعمل على تهدئة الشعب.
ولكي تنتقم الأمبراطورة من القدّيس دعت إلى عقد مجمع في القسطنطينية، فكان الهدف منه محاكمة الذهبي الفم الذي اعتقد أنّ المجمع سينعقد ليحاكم ثيوفيلوس، فعرف خبث الأمبراطورة وأن هناك اتفاق لبعض المتآمرين عليه وأمّا التهم فكانت باطلة وسخيفة، غير أنّه انتهى بخلع الذهبي الفم.
لم يخضع فوراً لحكم القضاة بل ظل يواصل أعماله الرعائية يومين كاملين.
ولم يتجرأ عمال الإمبراطور أن ينفذوا الحكم السنديانة لأن الشعب كان عازماً على مقابلة القوة بالقوة. ثم رغب القديس حباً بالسلام أن يسلم نفسه بأيدي الجنود دون علم الشعب فنقل في الليل إلى مرفأ هيرون على البوسفور فهام القديس على وجهه وظلّ تائهاً حتى وصل إلى بيت قروي قرب في ساحل بيثينية فأوى إليه. واستيقظ الشعب عند الصباح ولم يجد أسقفه فغضب. واكتظت الشوارع بالناس وأحاط بعضهم بالقصر من كل جانب وصرخوا طالبين إرجاع أبيهم المنفي. وظلوا على هذا الحال حتى المساء.اشتد خوف الإمبراطورة فكتبت بخط يدها تبدي عذرها وأوفدت أحد رجالها ليرجوه العودة. فلما عبر البوسفور أبى العودة إلى كرسيه تواً لئلا يخترق حرمة القانون الكنسي فإن خروجه كان بحكم مجمعي فكان لا بد من حكم مجمعي لعودته. فطلب من افدوكسيا دعوة إلى عقد مجمع صالح للنظر في الاتهامات المنسوبة إليه من مجمع اللصوص. ولكن الشعب لم يقبل له عذراً فسار بموكب عظيم إلى كنيسة الرسل.
وأرادت الأمبراطورة أن يكون لها تمثالاً في أكبر ساحة في العاصمة، أمام كنيسة الحكمة الإلهية. فأقيم لمناسبة الاحتفال بالتمثال ملعباً للرقص والشرب والمصارعة في الساحة المقابلة لأبواب الكنيسة. فلم يستطع الذهبي الفم صبراً. فذكّر المؤمنين أن هذه الملذات من شأنها أن تجدد قبائح الديانات الوثنية. ولا يجوز الاشتراك بها. وطلب أن يكف عن هذه الأعمال كانت الأمبراطورة تترصد الذهبي الفم. ورأت في معارضته لهذه الاحتفالات تحقير لها. فقامت بتوجيه رسائل إلى الأساقفة الذين سبق لهم وحكموا على الذهبي الفم. فحضر جميع أخصام الذهبي الفم والمتآمرين عليه. ومضت عشرة أشهر والمدينة في قلق واضطراب والقديس لا يتزعزع. فاحتال أخصامه. ثم طلبوا طرد الذهبي الفم قبل عيد القيامة (17 نيسان) لأنه محجوج من المجمع. فأتى أركاديوس هذه المنكرة وأوجب على القديس الخروج من كنيسته. فقال الأسقف القديس: لقد استلمت الكنيسة من يسوع المسيح ولا أستطيع أن أقصر في خدمتها. فإن أردت أن أترك هذه الحظيرة المقدسة فاطردني قهراً. فطرد يوم سبت النور من الكنيسة وحذر عليه الخروج من قلايته. وطرد من الكنائس أيضاً جميع الكهنة الذين كانوا في شركة الأسقف القديس. وكانت العادة حينئذ تقضي بأن يبقى المسيحيون ساهرين بالصلوات حتى صياح الديك معدين طالبي المعمودية -الموعوظين- إلى قبول هذه النعمة. فلجأوا جميعهم إلى الحمام الكبير الذي شيّده قسطنطين وحولوه إلى كنيسة. فسعى المتآمرون في فض هذا الاجتماع. فدخل الجند الحمام والسيوف بأيديهم مصلتة واخترقوا الحشد حتى وصلوا إلى جرن المعمودية فضربوا الكهنة والشيوخ والنساء واختلسوا الآنية المقدسة. فخرج المؤمنون خارج الأسوار واحتفلوا بالتعميد وأقاموا الذبيحة في ميدان قسطنطين. وبعد العنصرة بخمسة أيام أي في التاسع من حزيران سنة 404. سار اكاكيوس وأعوانه إلى الأمبراطور وقالوا: إن الله لم يجعل في الأرض سلطاناً فوق سلطانك. وليس لك أن تتظاهر بأنك أكثر وداعة من الكهنة وأعظم قداسة من الأساقفة. وقد حملنا على رؤوسنا وزر عزل الأسقف يوحنا. فحذار مما ينجم عن إهمال التنفيذ. فأوفد أركاديوس أحد كبراء البلاط إلى الذهبي الفم، يسأله أن يهجر كنيسته ورعيته بالراحة العمومية. فأصغى القديس وقام إلى المنفى، فالموت. وصلّى وودع “ملاك الكنيسة” ثم ذهب إلى مصلى المعمودية ليودع الماسات الفاضلات اولمبياذة الأرملة القديسة وبناذية وبروكلة وسلفينة وقال لهن: لا تدعن شيئاً يخمد حرارة محبتكن للكنيسة.
وخرج القديس خفية. وقبض عليه رجال الشرطة وعبروا به البحر إلى نيقية حيث ألقوه في السجن. واستبطأ الشعب خروج راعيهم فارتفعت جلبتهم في كنيسة الحكمة. وأقام القديس في نيقية أربعين يوم وفي الرابع من آب سنة 404 قامت قوة من الحرس الأمبراطوري إلى نيقية لتنقل القديس إلى منفاه. وقضى أمر النفي بوجوب مواصلة السفر نهاراً وليلاً إجهاداً وتعجيلاً. وما كاد الذهبي الفم يصل إلى مداخل قيصرية قدوقية حتى وقع لا يعي حراكاً. فوق حراسه عن المسير وأذنوا له بشيء من الراحة. بيد أن فارتيوس أسقف قيصرية شدد النكير فاضطر الذهبي الفم أن “يخرج وينفض غبار رجليه”. وبعد سفر دام ستة وخمسين يوماً وصل الأسقف القديس إلى منفاه في بلدة كوكوس في شمالي طوروس. وعلى الرغم من إقفارها وحقارتها فإن الذهبي الفم ابتهج بمرآها لأنه أحب الانقطاع والراحة ولأن أهلها كانوا قد أوفدوا الرسل إلى قيصرية يسألونه قبول دعوتهم في بيوتهم.
في السنة (407) وتوفي الأسقف البديل فتأمل الأرثوذكسيون أن يعود يوحنا إلى رعيته. ولكن المتآمرين أقاموا اتيكوس السبسطي أسقفاً على القسطنطينية. فأبى بعض الأساقفة الإشتراك معه وتنحى الشعب عنه، فاستشاط غيظاً. فنال من الامبراطور أمراً بنقل يوحنا من كوكوس إلى بيتوس على الساحل الشرقي من البحر الأسود. وعهد ذلك إلى بعض الجنود فقطعوا به آسية الصغرى من غربها الجنوبي إلى شرقها الشمالي بعنف وصلابة وبدون راحة. إذ كانت مهمتهما أن يرهقا القديس حتى يسقط ميتاً على الطريق. واندهش أحد الضابطين من صلابة القديس حتى مال إلى الاعتقاد بأن عجيبة حدثت. وحاول أن يحسن معاملة القديس إلا أن الضابط الثاني لا يلين. إذا لم يمت القديس في الطريق فأن المكافأة “تطير”. وكان الذهبي الفم عارفاً أنه يمشي إلى الموت، وهذا مشتاه.
لقد بلغ الثامنة والخمسين من العمر. وهو جلد على عظم. وكان مستعداً لمتابعة الجهاد، لكن محبة الله رأت أن يرتاح هذا المناضل العتيد. وفي 13 أيلول من سنة 407 كان القديس نائم، فأرسل الله إليه القديس باسيليكوس الشهيد الذي تُقام كنيسة على اسمه من منطقة كومان. وقال الشهيد للقديس الذهبي الفم: “تشجع يا أخي يوحنا، غداً سنكون مع بعض”، ثم حضر الشهيد عند كاهن الكنيسة وقال له: “هيء مكاناً لأخي يوحنا لأنه آتٍ ولن يتأخر”.
وأيقظ الضابطان الذهبي الفم لمتابعة المسير ليلاً. واستعطفهما القديس أن يتمهلا عليه حتى بزوغ الفجر لأنه سيموت في الصباح. وضحك الضابطان وأرغماه على المسير. ومع الفجر شعر القديس بأن موته قد دنا. وطلب من الضابطين أن يرجعا به إلى كنيسة القديس باسيليكوس، لأنهم لم يقطعوا مسافة طويلة. وقبل الضابطان هذه المرة. وفي طريق العودة كان الذهبي الفم يسير بنشاط وهمة. كمن يأتي إلى محبوبه. وخلع ثيابه وارتدى قميصاً أبيضاً طويلاً. واستلقى على بلاط الكنيسة. وتناول جسد الرب ودمه الكريمين. ثم قال: “المجد لله على كل شيء. آمين”. ومات الذهبي الفم.

الطروبارية
+ لقد أشرقت النعمة من فمك مثل النار وأضأت المسكونة ووضعت للعالم كنوز عدم محبة الفضة وأظهرت لنا سمو الاتضاعفيا أيّها الأب المؤدب بأقواله يوحنا الذهبي الفمتشفع إلى الكلمة المسيح الإله أن يخلّص نفوسنا.

١٢ تشرين الثاني – أبينا في القدّيسين يوحنا الرحيم رئيس أساقفة الإسكندرية – القدّيس مارتينوس، أسقف تاراسين، شمال روما.

أبينا الجليل في القدّيسين يوحنّا الرحيم رئيس أساقفة الأسكندرية
وُلد القدّيس يوحنّا في العام 555 للميلاد في بلدة أماثوس القبرصيّة وفيها رقد في العام 619م. كان والده أبيفانوس أحد المتنفذين في الحكم في جزيرة قبرص :هذا كانت له على ابنه سطوة. تلقّى نصيبًا من العلم لا بأس به، ويبدو أنه نشأ على مخافة الله. ولمّا بلغ، زوّجه والده عنوةً، فأنجب جملة أولاد. لكن ، كانت له مع ربّه غير قصّة ولله في قدّيسيه غير أحكام، فقد رقدت زوجته وكذا أولاده في زهرة العمر وتركوه وحيدًا إلى ربّه.
ثمّ فجأة ظهر قصد الله فيه. ففي العام 609 أو ربما 610 للميلاد انتزع نيقيتا، قريب الأمبراطور هرقل، الأسكندرية أثر الفوضى التي دبّت في الأمبراطورية بعد المؤامرة التي دبّرها فوقا. وإذا بيوحنّا، الرجل العاميّ، يبرز كبطريرك على المدينة. ظروف إرتقائه السدّة المرقسيّة لا نعرفها ولا تفاصيل إنتقاله عبر الدرج الإكليريكي. موسكوس وصوفرونيوس ذكرا أنّه كان أخًا لنيقيتا بالتبنّي فيما ورد في نصّ ليونتيوس أنّه صار عرّابا لأولاد الحاكم الجديد. في كلّ حال صار قدّيسنا بطريركًا على الإسكندريّة واتّخذ اسم يوحنّا الخامس. وقد أظهرت الأيّام أنّه رغم ما غلف اختياره من أمور غير عاديّة فإنّ ما جرى كان بتدبير من الله.
بلاد مصر يومها كان أكثرها من أصحاب الطبيعة الواحدة. وثمّة من يقول أنّه عندما اعتلى يوحنّا الأسقفية لم يكن في الإسكندريّة غير سبع كنائس أرثوذكسيّة. بيد أنّه عندما غادرها كان العدد قد بلغ السبعين.
يُروى عنه أنّه قبل تصيّيره جمع خدّام البطريركية وعمّال الخزينة وأمرهم بإجراء مسح في المدينة لمن أسماهم “أسياده” وأن لا يغفلوا أحدا. ولما تساءلوا مستغربين من عساهم يكونون “أسياد” البطريرك هؤلاء أجابهم :”إنّ الذين تدعونهم أنتم فقراء وشحّاذين، هؤلاء أعلنهم لي سادة ومجرّبين، لأنّهم وحدهم القادرون على مساعدتنا، وهم الذين يمنحوننا ملكوت السماوات”. وللحال انطلق الخدّام يبحثون عن “الفقراء الأسياد”. ولمّا أنجزوا المهمّة أتوه بلائحة فيها سبعة الآف وخمسماية اسم. هؤلاء أمر يوحنّا لهم بما كان مدّخرًا في صندوق البطريركية، ثمانية الآف ذهبيّة وأن يتولى الشمامسة سدّ حاجاتهم من دخل البطريركيّة، يومًا فيوما. فقط إذ ذاك دخل الكنيسة في موكب وتمّ تصييره بطريركا.
وكان لا بدّ من أن يُثير تصرّف البطريرك الجديد تساؤلات ومخاوف وانتقادات لا سيّما بعدما انتشر خبره وأضحى للمساكين والمضنوكين والمتعبين ملاذا وعزاء : كيف يفي بوعوده؟ من أين يُعيل جحافل هذه أعدادها؟ الكلام هيّن ولكن كيف يفعلون؟ فكان لسان حال يوحنّا وكان جوابه، وسيرته كلّها كانت الجواب :”حتى ولو نزل العالم كلّه إلى الإسكندريّة مستحسنًا، مستجبرًا لما ضيّق على الكنيسة المقدّسة ولا أنضب كنوز الله التي لا تنضب”. بمثل هذه الثقة سلك يوحنّا، وغالبًا ما اعتاد أن يردّد في صلاته :”سنرى، يا سيدي، لأيّ منا تكون الغلبة: لك في العطاء أم لي في التوزيع على الفقراء، لأنّي أعترف أنّه ليس لي ما ليس من رأفتك وبها أستعين”.
هذا هو الرجل الذي تجاسر فضارع الله. خدمتنا الليتورجية تسمّيه “نهر عمل الخير الذي لا ينفذ”. لم يرد سائلاً أبدًا. لم يكن القياس بالنسبة إليه أن يعطي إذا كان لديه بل أن من يرسله الله أليك يعطيك أن تعطيه لأن الذي قال :”كل من سألك فأعطه” (لوقا 6 :30 ) “ومن أراد أن يقترض منك فلا تردّه “قال ايضا “اسألوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، إقرعوا يُفتح لكم”. أو حقولا من أجل اسمي يأخذ مئة ضعف . . . (متى 19 :29).
في إحدى قطع صلاة المساء الخاصّة بهذا النهار، ترتّل الكنيسة المقدّسة على “يا ربّ إليك صرخت” الأنشودة التالية:
“يا يوحنّا المستحقّ التعجّب، لقد أعطاك الربّ جميع مطالب قلبِك لأنّك قد حفظت كلّ الشرائع الخلاصيّة وأحببت الله إلى الغاية، والقريب مثل نفسك، وكفيت السائلين، فلذلك نحتفل بك اليوم أيّها المغبّط من الله “.
هذا القول في شأن قدّيس الله، يوحنّا المكنّى بـ”الرحيم “، خلاصة سيرة وعلّة إكرام حتّى حسبته الكنيسة أحد أساقفتها النموذجييّن الذين أودعت ذكرهم افشين “خلّص يا ربّ شعبك وبارك ميراثك …”، ترجمة كلّ من ليونتيوس، أسقف نيابوليس القبرصي، ويوحنّا موسكوس الدمشقيّ صاحب “المرج الروحيّ” مكمّلا بالقدّيس صوفرونيوس الدمشقي الأورشليمي.

أبينا البار نيلس السينائيّ
ولد القديس نيلس في مدينة أنقرة في غلاطية وقد كان تلميذاً للقديس يوحنا الذهبي الفم لما كان واعظاً في أنطاكية.عائلته مرموقة وثرية. وقد منّ عليه الله بمواهب طبيعية جمة مما أتاح له أن يتبوأ مركز المفتش العام لمدينة القسطنطينية أيام الإمبراطور ثيودوسيوس (379 -395م). ولم يطل به المقام حتى أدرك خواء الحياة في العالم لاسيما بعدما وضعه منصبه وجهاً لوجه أمام صور لا يألفها العامة من حياة الإثم والرذيلة في العاصمة، فاتفق وزوجته على الخروج من العالم والانصراف إلى الحياة الرهبانية. وقد كان له ولدان، صبي وبنت، فأما البنت فأخذتها أمها وانضمت إلى أحد الأديرة المصرية وأما الصبي الذي كان يدعى ثيوذولوس فرافق أباه إلى بريّة سيناء. كانت حياة نيلس في سيناء قاسية جداً. فقد حفر بيديه وبالتعاون مع ابنه مغارة استقرا فيها واكتفيا من الطعام بالأعشاب البرية المرّة دون الخبز. كل وقتهما اعتادا قضاءه في الصلاة ودراسة الكتب المقدسة والتأمل والعمل. ومع أن نيلس كان قد خرج من العالم إلا أنه بقي على اتصال بعدد كبير من المؤمنين ممن كانوا يسألونه الصلاة ويوجهّون إليه الأسئلة في أصول الحياة الروحية. وكان هو يجيب بأعداد كبيرة من الرسائل حتى لتنسب إليه ألف رسالة وجّهها إلى أساقفة وكهنة ونساّك وأمراء وحكّام وعاميين. ويبدو أنه أجاد أكثر ما أجاد في كشف حيل الأبالسة وتعزية المضنوكين واستنهاض ذوي الهمم الخائرة في الطريق إلى الله. وكان إلى ذلك يخوض في ما غمض من أقوال الكتاب المقدس ويعرض للإيمان الأرثوذكسي داحضاً الآريوسية وسواها من الهرطقات التي كانت شائعة في ذلك الزمان. ولما كتب إليه الإمبراطور البيزنطي طالباً بركته وأن يصلّي من أجله لم يتورّع عن اتهامه بالظلم للمعاملة السيئة التي عامل بها القديس يوحنا الذهبي الفم. وكانت للقديس نيلس أيضاً كتابات نسكية قيمة أبانت سعة معرفته الروحية وعمقها.
وشاء الرب الإله أن يفتقده بابنه فوقع في أسر قبائل عربية أغارت على المكان. وقد كان عبء الحادث ثقيلاً جداً عليه حتى لم تعرف نفسه طعم الراحة لاسيما بعدما ورد خبر أن الغزاة مزمعون على تقديمه ذبيحة للإلهة فينوس. لكن الله لم يشأ لعبده أن يتثقّل أكثر من ذلك فجاءه من أخبره أن ثيوذولوس قد بيع عبداً. فخرج نيلس يبحث عن ابنه إلى أن وجده في بلدة اسمها ألوز كان أسقفها قد ابتاع ثيوذولوس وأخذ في إعداده لخدمة الكنيسة. فلما حضر قديسنا لدى الأسقف فرح هذا الأخير به وحاول إقناعه بالبقاء في البلدة واقتبال الكهنوت. لكن نيلس وثيوذولوس كانا مشدودين إلى برية سيناء، فرضخ الأسقف للأمر الواقع وتركهما يعودان إلى هناك بعدما وضع يده عليهما وصيّرهما كاهنين. وقضى نيلس بقية أيامه في سيناء إلى أن رقد في الرب عام 450 للميلاد عن عمر ناهز الثمانين، وكان، وقد أمضى ستين عاما ً في النسك.
ولعله من المفيد لنا أن نطلع على بعض ما علّمه القديس نيلس، لاسيما في موضوع حياة الصلاة. فمن أقواله: “إن الأهواء الجسدية أساسها في الرغبات الجسدية، وللجمها لا بد من الإمساك، أما الأهواء الروحية فأساسها في الرغبات الروحية وضد هذه لا بد من الصلاة”. وفي الدموع قال: “قبل كل شيء صلِّ لتعطى الدموع فيرقق البكاء القساوة التي في نفسك وتعترف بخطاياك أمام الرب. إذ ذاك تنال منه غفران الزلات”. وقال في الصلاة: “إذا كنت ترغب في الصلاة الحق فتنحلّ عن الكل لترث الكل”. وتساءل: “لماذا ترغب الأبالسة في أن تحرّك فينا الشراهة والزنى والجشع والغضب والحقد وسائر الأهواء؟” فأجاب: “لكي ينوء الذهن تحت ثقلها جميعاً فيعجز عن الصلاة كما ينبغي. كل الحرب بيننا وبين الأرواح النجسة تستهدف الصلاة الروحية. فالصلاة الروحية هي أكثر ما يؤذي الشياطين فلا يطيقونها، أما لنا فهي خلاصية وموافقة”. وقال أيضاً: “إذا كنت لاهوتياً صلّيت صلاة حقيقية وإذا صلّيت صلاة حقيقية كنت لاهوتياً”. وعن الراهب قال: “الراهب هو ذاك الذي يترك الناس ليتحد بهم جميعاً. هو ذاك الذي يرى نفسه في كل إنسان”. وعن حاجات الجسد والاتكال على الله: “توكّل على الله في حاجات الجسد، إذ ذاك يتضح أنك توكّلت عليه في حاجاتك الروحية أيضاً”.
وعن أصول الصلاة قال: “تستدعي الصلاة أن يكون الذهن خالياً من كل فكر ولا يقبل ما ليس من الصلاة حتى ولو كان في ذاته فكراً صالحاً. فعلى الذهن أن يترك كل شيء في الصلاة ليناجي الله وحده”.

القدّيس مارتينوس
كان القدّيس مارتينوس مدافعًا عن الإيمان الأرثوذكسي ضد الآريوسيين. قبضوا عليه وضربوه بوحشية وطردوه من مدينة السواري الواقعة على البحر الأدرياتيكي. لجأ إلى مدينة ميلانو حيث لقي نفس المعاملة السيئة من الأسقف الهرطوقي فيها. ويقال أنّه فرّ بعد ذلك إلى جزيرة قاحلة عاش فيها على الأعشاب البرية. ثم صار أسقفًا على تاراسين ولمع في الفضائل الرسوليّة. مما يروى عنه أنّه كان ينفق كلّ ما لديه لإطعام الفقراء. وما كان ليطيق رؤية مسكين إلا أعطاه ما معه حتّى ثيابه. رقد بسلام بالربّ بعد مسيرة طويلة من حياة القداسة.

الطروبارية
+ بصبرك قد نلت ثوابك أيّها الأب البارّ، معتكفًا على الصلوات بغير انقطاع،محبّاً المساكين وكافياً إيّاهم، فتشفع إلى المسيح الإله، يا يوحنّا الرحيم، أن يخلّص نفوسنا.
+ للبرّية غير المثمرة بمجاري دموعك أمرعتَ، وبالتنهُّدات التي من الأعماق أثمرتَ بأتعابك إلى مئة ضعفٍ.فصرتَ كوكباً للمسكونة متلألئاً بالعجائب، يا أبانا البار نيُلس،فتشفع إلى المسيح الإله أن يخلص نفوسنا.

١١ تشرين الثاني – القدّيس الشهيد ميناس المصريّ – القدّيس أبينا البار ثاودورس الاسطوديتي المعترف – القدّيسين الشهيدين فيكتور وستيفاني

القدّيسين فيكتور وستيفاني
كان القدّيس فيكتور عسكريًّا من أصل إيطالي في ثكنة من ثكنات دمشق في زمن الأمبراطور انطونينوس.
وشى به بعض رفقائه أنّه مسيحي فألقى الحاكم العسكريّ، سباستيان، القبض عليه واخضعه للإستجواب، فاعترف بالمسيح ولم ينكر، وأبدى ثباتًا ولم يهن أحاله الحاكم على التعذيب، فحطم الجلاّدون أصابع يديه وعذّبوه أشدّ عذاب فلم ينكر إيمانه أخيرًا علّقوه بالمقلوب حتّى أسلم الروح.
وحدث أن أرملة تقية حضرت جهادات الشهيد وعاينت ثباته فتحرّكت نفسها وتقدّمت من الحاكم واعترفت بالمسيح، فأخذها الجنود وعذّبوها بشكلٍ كبير فأسلمت الروح تحت العذاب دون أن يتزعزع إيمانها.

القدّيس أبينا البار ثاودورس الاسطوديتي المعترف
ولد القديس ثيودوروس عام 759 في عائلة نبيلة تقيّة: فأمّه تيوكتيستا وأحد أعمامه، أفلاطون، وكان رئيس دير ساكّوديون في بيتينيا، هما مُكرَّمان كَقدّيسين. وكان عمَّهُ هو مَن وجَّهَهُ إلى الحياة الرهبانيّة، التي اعتنقها في الثانية والعشرين من عمره. سيمَ كاهنًا على يد البطريرك تاراسيوس، ولكنه قطع فيما بعد علاقته به بِسبب الضعف الذي أظهره في مسألة زواج الزنى الذي عقده الإمبراطور قسطنطين السادس. فكانت النتيجة نَفي ثيودوروس عام 796 إلى تسالونيكي. وتمَّت المصالحة مع السلطة في العام التالي في عهد الإمبراطورة إيريني، التي دفعت بطيبتها ثيودوروس وأفلاطون إلى الانتقال إلى دير ستوديوس المديني، مع معظم جماعة ساكّوديون الرهبانيّة، لِتجنُّب هجمات العرب. وهكذا بدأ “الإصلاح الستوديتي” الهام.
رغم ذلك، لم تعرف حياة ثيودوروس الشخصيّة السكينة. فقد أصبح بِنشاطِه المعهود زعيم المقاومة ضدّ سياسة ليون الخامس الأرمنيّ المُعادية لِتكريم الأيقونات، حيث اعترضت السلطة الإمبراطوريّة من جديد على الصُوَر والأيقونات في الكنائس. وأدّى زيّاح الأيقونات الذي نظّمه رهبان الستوديوس إلى ردّة فِعل الحَرَس. وبين عامَي 815 و821، تعرّض ثيودوروس للجلد والسجن والنفي إلى أماكن عدّة في آسيا الصغرى. واستطاع في نهاية الأمر أن يعود إلى القسطنطينيّة، ولكن ليس إلى ديره. فَاستقرَّ مع رهبانه على الضفّة الأخرى من مضيق البوسفور. ومات على ما يبدو في برينكيبوس في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 826، وهو اليوم الذي يُحيي فيه السنكسار البيزنطيّ ذِكراه. تميَّزَ ثيودوروس في تاريخ الكنيسة كَأحد المُصلحين الكِبار للحياة الرهبانيّة وأيضًا كَمُدافِع عن الصُوَر المُقدَّسة خلال الحقبة الثانية من عهد مُعاداة الأيقونات، وذلك إلى جانب بطريرك القسطنطينيّة، القديس نيقفوروس. فهمَ ثيودوروس أنَّ قضيّة تكريم الأيقونات تستدعي حقيقة التجسّد نفسها. يقارن ثيودوروس في كتبه الثلاثة (Antirretikoiالدحض)، بين العلاقات الأبديّة بين أقانيم الثالوث الأقدس، حيثُ لا يدمِّر وجود كلّ أقنوم هذه الوحدة، والعلاقات بين طبيعتَي المسيح، اللتين لا تُعرِّضان شخص “اللوغوس” الأوحد فيه لِأيّ شبهة. ويُوضِح قائلا: يعني إبطال تكريم أيقونات المسيح مَحو عمله الفادي، بِما أنّ “الكلمة” الأبديّ غير المرئيّ، في اتّخاذه الطبيعة الإنسانيّة، ظهر في الجسد البشريّ المرئيّ، وقدّس بِهذه الطريقة كلّ الكون المرئي. تجعلنا الأيقونات، التي تقدّسها البركة الليتورجيّة وصلوات المؤمنين، نتَّحِد بِشخص المسيح وبِقدّيسيه وبواسطتهم بِالآب السماوي، وهي تشهد لِدخول الواقع الإلهيّ في كونِنا المرئيّ والمادّي.
يرتبط ثيودوروس ورهبانه، وكلّهم شهودٌ شُجعان في زمن اضطهادات مُعاداة الأيقونات، ارتباطًا وثيقًا بإصلاح الحياة الرهبانيّة في العالم البيزنطي. وقد فرضَت أهميّتهم نفسها بِسبب ظرفٍ خارجي: عَدَدهم. ففيما كانت أديار ذاك الزمان لا تضمّ أكثر من 30 أو 40 راهبًا، نعلمُ من “حياة ثيودوروس” عن وجود أكثر من ألف راهب ستوديتي بالإجمال. يُعلمنا ثيودوروس نفسه بوجود حوالي 300 راهب في ديره هو؛ نرى إذًا حماسة الإيمان الذي ولد في نطاق هذا الرجل المُثقَّف والتي صاغها الإيمان نفسه. وبدت مؤثِّرة، أكثر من العدد، الروح الجديدة التي نفحها المؤسِّس في الحياة الرهبانيّة. فهو يُشدِّد في كتاباته على الضرورة القصوى للرجوع الواعي إلى تعاليم الآباء، وخاصةً إلى القديس باسيليوس، المشرِّع الأوّل لِلحياة الرهبانيّة وإلى القديس دوروتيوس الغزّاوي، وهو أحد الآباء الروحيّين المشهورين في الصحراء الفلسطينيّة. يتمثَّل إسهام ثيودوروس المُميَّز في التشديد على ضرورة التنظيم والطاعة من قِبَل الرهبان. وكان هؤلاء مُشتَّتين خلال الاضطهادات، واعتاد كلٌّ منهم على العيش وفق رأيه. أمّا وقد أصبح من المُمكن إستعادة الحياة المُشتركة، فقد وجب بذل أقصى الجهد لِلعودة إلى الدير كجماعةٍ مُنظَّمةٍ حقيقيّة، وعائلة حقيقيّة، أو، كما يقول بنفسه، “جسد المسيح” الحقيقي. في جماعة كهذه يتحقَّق بطريقة حسّيّة واقع الكنيسة في شموليّتها.
كان لدى ثيودوروس اقتناع عميق آخر: على الرهبان التقيُّد بالواجبات المسيحيّة بِقوّة وصرامة أكبر من تلك المتوجّبة على العلمانيّين. لِهذا فَهُم يردّدون نذرًا خاصّا، يختصّ بالـ hagiasmata (التكريسات)، تكاد تُمثِّل “معموديّة جديدة”، يرمز إليها ارتداء ثوب الرهبنة. لكن ما يميِّز أكثر الرهبان بالنسبة لِلعلمانيّين، هو نذر الفقر والعِفّة والطاعة.
ويتوجّه ثيودوروس إلى الرهبان، متكلّمًا بِشكلٍ واقعي وأحيانًا شبه فَتّان عن الفقر، الذي كان منذ البداية عنصرًا هامًا في الرهبانيّة في السير على خُطى يسوع وهكذا يدلّنا أيضًا جميعنا على الدرب. ويصلُح التخلّي عن امتلاك الأشياء الماديّة، والتحرّر منها، وكذلك الرزانة والبساطة، بِشكلٍ جذريّ لِلرهبان فقط، لكن روح التخلّي هذا يتساوى لدى الجميع. بالفِعل، لا يجب أن نتعلّق بالمُمتلكات الماديّة، بل يجب أن نتعلّم التخلّي والبساطة والتقشُّف والرزانة. هكذا فقط يمكن أن ينمو مجتمع مُتضامن ونتخطّى مشكلة الفقر الكبيرة في هذا العالم. بِهذا المعنى تُشير العلامة الجذريّة للرهبان الفقراء بشكل جوهريّ إلى دربٍ يصلح أيضًا لنا جميعًا.
لا يُخفي ثيودوروس خبرته الشخصيّة حين يستعرض التجارب ضد العِفّة، وهو يؤكِّد على درب الصراع الداخليّ للتوصّل إلى السيطرة على الذات واحترام جسدنا وجسد الآخر كَهيكل لله. ولكن التخلّيات الأساسيّة بالنسبة له هي تلك التي تتطلّبها الطاعة، لأنّ لكلّ راهب طريقته الخاصّة في العيش، ويؤدّي في الواقع انخراط ثلاثمئة راهب في الجماعة الكبيرة إلى طريقة جديدة في العيش، يصفها بِـ “استشهاد الطاعة”. وهنا أيضًا لا يُعطي الرهبان إلا مثالاً عمّا هو ضروريّ لأنفسنا، لأنّ الإنسان يميل، بعد الخطيئة الأصليّة، إلى القيام بما تُمليه عليه إرادته، فَالمبدأ الأوّل هو حياة العالم، وكلّ ما عداه يجب أن يخضع لإرادته. ولكن بِهذه الطريقة، إذا تَبِعَ كلّ واحدٍ نفسه فقط، فلا يُمكن أن يعمل النسيج الاجتماعي. وحده تعلّم الانخراط في الحريّة المشتركة، في المُشاركة والخضوع لها، وتعلُّم الشرعيّة أي الخضوع والطاعة لِقواعد الخير المشترك والحياة المشتركة، يمكنه أن يشفي المجتمع والإنسان على السواء من تكبّر اعتبار نفسهم محور العالم. هكذا يُساعد القديس ثيودوروس رهبانه وفي المحصّلة يساعدنا أيضًا، بِاستبطان دقيق، على فهم الحياة الحقّة، ومقاومة تجربة وضع إرادتنا كَقاعدة سامية لِلحياة وعلى المحافظة على الهوية الشخصيّة الحقيقيّة – التي هي دومًا هويّة مُرتبطة بالآخرين – وعلى طمأنينة القلب هناك بالنسبة لِثيودوروس الستوديتي فضيلة مهمّة مُساوية لِلطاعة والتواضع ألا وهي الـ philergia، أي “الحبّ في العمل”، الذي يرى فيه معيارًا لاختبار نوعيّة التقوى الشخصيّة: فهو يؤكّد أنّ مَن يكون مُتَّقِدًا في التزاماته الماديّة، ويعمل بِمثابرة، يكون كذلك أيضًا في الأمور الروحيّة. لا يقبل ثيودوروس إذًا أن يُعفي الراهب نفسه، بِحجّة الصلاة والتأمّل، من العمل، حتّى العمل اليدويّ، الذي هو في الحقيقة، بِرأيه ورأي كلّ التقليد الرهبانيّ، وسيلةٌ لإيجاد الله. لا يخاف ثيودوروس من أن يتكلّم عن العمل كـ “تضحية الراهب”، و”ليتورجيّته”، لا بل إنّه يصفه كقدّاس تصبح بواسطته الحياة الرهبانيّة حياةً ملائكيّة. وهكذا بالضبط ينبغي أن يصبح عالم العمل أكثر إنسانيّةً، فَيصبح الإنسان بواسطة العمل أكثر إنسانًا، وأكثر قربًا من الله.
هناك نتيجة لِهذه النظرة الفريدة تستحقّ أن نذكرها: بما أنَّ الثروات المُتأتّية من العمل المُشترك هي ثمرة نوعٍ من أنواع “الليتورجيا”، فلا يجب أن تُستخدم في سبيل راحة الرهبان، بل أن تُخصًّص لِمساعدة الفقراء. يمكننا هنا كلّنا أن ندرك ضرورة أن تكون ثمار العمل خيرًا لِلجميع. بالطبع، لم يكن عمل الستوديتيّين يدويًّا فقط، فقد كانت لهم أهميّة كبيرة في التطوّر الدينيّ والثقافيّ لِلحضارة البيزنطيّة كَخطّاطين ورسّامين وشُعراء ومُربّي شباب وأساتذة مدارس وأُمناء مكتبات. ورغم مُمارسته نشاطًا خارجيًّا واسع النطاق، لم يكن ثيودوروس يسهو عمّا كان يعتبرهُ بالفِعل مُتَّصِلاً بِعمله كَرئيس دير: وهو أن يكون الأب الروحيّ لِرهبانه. وكان يعلم كم كان حاسمًا في حياته تأثير أمّه الصالحة أو عمّه القديس أفلاطون، الذي وصفهُ بلقبٍ ذي مغزى: “الأب”. لِهذا كان يَقوم بالإرشاد الروحيّ لِلرهبان. ويذكر كاتب سيرته أنّه كان يجلس كلّ يوم، بعد صلاة المساء أمام الإيقونوسطاس ليصغي إلى ما يُسرّ به الجميع إليه. وكان يرشد روحيًّا أيضًا الكثير من الأشخاص خارج الدير. ويُبرِز “الإرث الروحيّ” و”الرسائل” طبعَهُ المُنفتح والعطوف هذا، ما يدلّ إلى أنَّ أبوّته قد خلقت صداقات روحيّة حقيقيّة سواء في الإطار الرهبانيّ أو في خارجه. لقد اتُّبِعَ “القانون”، المعروف باسم الـ Hypotyposis، والذي جُمِعَ بعد وفاة ثيودوروس بِقليل، مع بعض التعديلات، على جبل آثوس، حين أسَّسَ القديس أثناسيوس الآثوسي هناك عام 962 دير اللافرا الكبير، وفي روس كييف، عندما أقرّه القديس ثيودوسيوس في بداية الألفيّة الثانية في دير المغاوِر.
يبدو “القانون”، إذا ما فهمناه بمعناه العميق، عصريًّا بِشكلٍ فريد. هناك اليوم تيّارات كثيرة تُكيدُ لِوحدة الإيمان المُشترك وتدفع نحو نوعٍ من الفرديّة الروحيّة الخطيرة والتكبّر الروحيّ. من الضروريّ الاجتهاد في الدفاع عن الوحدة الكاملة لِجسد المسيح وتنميتها، فَيتعايش بها بانسجام سلام النظام والعلاقات الشخصيّة الصريحة في الروح القدس. في الختام، قد يكون من المُفيد استعادة بعض العناصر الأساسيّة من عقيدة ثيودوروس الروحيّة. محبّةُ الربّ المُتجسِّد ومحبّة رؤيته في الليتورجيا وفي الأيقونات. أمانةٌ لِلمعموديّة والتزام في حياة الشراكة بجسد المسيح، المفهومة أيضًا كَشراكة بين المسيحيّين. روحُ فقر ورزانة وتخلٍّ؛ عِفَّةٌ وسيطرة على النفس، تواضع وطاعة ضدّ أولويّة الإرادة الذاتيّة، التي تدمّر النسيج الاجتماعيّ وسلام النفوس. شغفٌ بالعمل المادّي والروحيّ. صداقةٌ روحيّة تتولّد من تنقية ضميرنا ونفسنا وحياتنا. لِنُحاول أن نتبع هذه التعاليم التي تدلُّنا بالفعل إلى طريق الحياة الحقيقيّة.

القدّيس الشهيد ميناس المصري
ولد القدّيس ميناس المصريّ في أواسط القرن الثالث للميلاد، واستشهد في أيّام الأمبراطور مكسيميانوس (296م-304م). شغف بالعسكريّة منذ حداثته، فلمّا اشتدّ عوده انخرط فيها. وقد كان قويّ البنية، مغوارًا، رجل انضباط. عرف المسيح فبات، إلى ذلك، حكيمًا زاهدا.
وفي ذلك الزمان جمع القائد الرومانيّ فرميليانوس فرقًا شتّى من العسكر تمهيدًا لنقلها إلى أفريقيا الشماليّة، وقد زودّها بتوجيهات من ضمنها أن على الجنود أن يحذروا المسيحيّين ويلقوا القبض على الذين لا ينصاعون منهم لأحكام قيصر. وكان ميناس نازلاً، يومذاك، فرقة في فيرجيا، في آسيا الصغرى. فما أن طرقت أذنيه أوامر القيادة العسكريّة العليا حتى أُصيب بصدمة وشعر بالحنق والقرف فقام وخلع سيره وألقاه أرضًا وفرّ إلى الجبال لأنّه أعتبر مساكنة الضواري خيرًا من مساكنة عبدة الأوثان وهؤلاء أكثر بهيميّة من أولئك.
أقام ميناس في الجبال ردحًا من الزمان ناسكًا عابدا. وقد ساعده تنشئته العسكرية على ضبط أمياله ومحاربة أهوائه إلى أن بات قويا في الروح، ثابتا، راسخا مستعدا للمهمات الصعبة. ساعتئذ جاءه إعلان إلهيّ أنّه قد حان أوان الرضى وآن أوان الاستشهاد. فقام ونزل إلى المدينة، فيما كان الوثنيّون يحتفلون. ثمّ دخل بينهم وهتف :”ألا اعلموا يا قوم أنه ليس هناك غير إله واحد حقيقي :المسيح، والذين تعبدونهم ليسوا سوى قطع من الخشب الأصمّ لا حسّ فيها “. فكان لكلماته في نفوس الناس وقع الصاعقة. وحالما استعادوا رشدهم انقضّوا عليه وأشبعوه ضربا ولكمًا، ثم أسلموه إلى حاكم المدينة، فانتهزها فرصة يسلّي فيها الجموع بتعاذيب شاهد آخر للمسيح.
عمد الحاكم، بادىء ذي بدء، إلى الإستعلام :”من هذا الوقح وما مكانته؟!” فأجاب ميناس بكل جرأة وقال :”أنا من مصر واسمي ميناس. كنت ضابطًا في الجيش. ولكن لمّا رأيت عبادتكم للأصنام رددت كراماتكم وجئت اليوم أعلن بينكم أنّ المسيح هو الإله الحيّ الحقيقيّ وحده . . .”. فأمسك الحاكم نفسه بعضًا وحاول، بالتهديد والوعيد، ثم بالاستمالة والوعود، أن يزحزحه عن موقفه فأخفق. إذ ذاك أسلمه للمعذّبين فجلدوه بوحشية وفركوا جراحه بقطعة شعريّة خشنة. ثم سلخوه وأحرقوا جنبيه بالمشاعل، وبعدما تفنّنوا في تعذيبه قطعوا هامته وأضرموا النار في بقاياه ليمحوا أثره. ولكن، تمكّن مؤمنون من استخراج بعض عظامه. وقد جرى نقلها، فيما بعد، إلى الإسكندرية.
وفي التراث أنّ ظهورات القدّيس ميناس وعجائبه لا تُعدّ ولا تُحصى، وقد عرفه المؤمنون معينًا لهم في الشدائد والضيقات ومؤدّبا للكفرة والمنافقين. والصورة التي اعتاد الناس رؤيته عليها هي صورة فارس على جواد.

الطروبارية
+ أيها اللابس الجهاد ميناس، إن المسيح إلهنا الذي هو إكليل الشهداء الباقي، قد اختطفك من الجندية الوقتية، وجعلك مشتركاً في الجندية غير الفاسدة.
+ اليوم الكنيسة تكرِّم الجهادات الإلهية، جهادات ميناس اللابس الجهاد، وفكتور الشجاع وفيكنديوس الشديد العزم، بما أنهم شهداء للعبادة الحسنة، ومجاهدون متألهو العزم، وتصرخ بشوقٍ ممجِّدة المحب البشر.
+ ظهرت أيها اللاّهج بالله ثاودورس، مرشداً إلى الإيمان المستقيم، ومعلّماً لحسن العبادة والنقاوة، يا كوكب المسكونة، وجمال رؤساء الكهنة الحكيم، وبتعاليمك أنرت الكل يا معزفة الروح، فتشفّع إلى المسيح الإله أن يخلص نفوسنا.

١٠ تشرين الثاني – القدّيسين أولمباس وروديون وأراستس وسوسيباتروس وترتيوس وكوارتس وهم من الرسل السبعين – القدّيس أبينا البار أرسانيوس الكبادوكي الصانع العجائب – القديس أورستس الشهيد.

أمّا الرسل المذكورون فمنهم أولمباس وروديون أو هيروديون (رومية ص16 ع11) قد تبعا بطرس إلى رومية حيث قطع رأساهما بأمر نيرن نحو سنة 66. وأمّا الباقون فتوفوا بسلام، وكانوا قد سيموا أساقفة. أمّا سوسيباترس فعلى أيقونية، وكوارتس على بيروت، وأرستس على بانياس التي سميت فيما بعد قيصرية فيلبس بعد أن كان ايكونومس كنيسة كورنثس (رومية ص16 ع23).

القدّيس أرسانيوس
ولد القديس أرسانيوس في أواخر القرن التاسع عشر في قرية فراسة التي هي واحدة من ست قرى بقيت مسيحية في بلاد الكبادوك (تركيا) إلى العام 1924 حين هجرها سكانها الى بلاد اليونان. كان أبواه فقيرين. تَيتَّم صبياً فعاش لدى أخت لأمه. تلقى قسطاً لا بأس به من العلم. بعد ذلك انتقل إلى قيصرية الكبادوك حيث انضم وهو في السادسة والعشرين إلى دير القديس يوحنا المعمدان واتخذ اسم أرسانيوس بعدما كان اسمه ثيودوروس. ولكن لم يشأ التدبير الإلهي أن يُكمل أرسانيوس حياته راهباً في الدير, فاستدعاه المتروبوليت بائيسيوس وسامه شماساً ثم ردّه إلى فراسة ليُعنى بتعليم الأولاد المحرومين هناك القراءة والكتابة. في فراسة أقام أرسانيوس رجلاً لله خمسة وخمسين عاماً وسط شعب موجوع, مهدد, ضعيف, فكان له أبا وكاهناً وطبيباً ومحامياً ومعزياً. عرفوه باسم “الحاج أفندي” لأنه حج إلى الأرض المقدَّسة خمس مرات في حياته. كان أرسانيوس معلم الصغار والكبار معاً. كان أرسانيوس يجمع الأولاد في الكنيسة يعلمهم الصلاة وكيف يسلكون في الوصية, ويعلمهم القراءة والكتابة. أما الكبار فكان يجمعهم للصلاة ويعلّمهم الكتاب المقدس وسير القديسين وأقوال الآباء. وكانوا, هم بدورهم يقصّونها على أولادهم فلا يعود لأخبار الجن والشياطين والخرافات مكان في سهرات الناس ولا في وجدانهم. كان أرسانيوس طبيب النفوس والأجساد. يقصده الناس من اجل طلب الشفاء, كان يتلو على المرضى أفاشين ومزموراً ونصاً من الإنجيل, والنتيجة شفاء وتعزية. لم يكن ليحجب رحمة الله عن مخلوق فقد طالت الأتراك المسلمين كما طالت المسيحيين. لسان حاله كان ” إيماننا ليس للبيع”. وإن أصر أحد على إعطائه مالاً, كان يسأله أن يوزعه على الفقراء. أقام القديس أرسانيوس صندوقاً للفقراء في الكنيسة كان كل محتاج يذهب إليه ويأخذ منه قدر حاجته دونما رقيب. ولم يحدث أن اجترأ أحد على أخذ أكثر مما يحتاج لأنه كان يعرف أن عمله لن يمر دون عقاب. زرع القديس أرسانيوس خوف الله في قلوب أبنائه جميعاً. كان يقسو أحياناً، ولكن ليؤدب المتبلدين، العاطلين عن العمل أو الذين يزرعون الهرطقات أو يُعثرون الناس بأفكار غريبة. كما كان رؤوفاً على البشر، كذلك كان رؤوفاً على البهائم، حتى أن أسفاره كانت دائماً على رجليه لأنه أبى أن يمتطي حماراً. لسان حاله كان: “كيف أرتاح أنا لأُتعب الحمار, وأنا أسوأ حالا بخطاياي من البهائم؟” في العام 1924 طرد الأتراك المسيحيين في كبادوكية فقادهم أرسانيوس وكان قد أصبح شيخاً. مشى على رجليه ثلاث مئة كيلومتر. وكان يعزي ويشدد حتى وصل بهم الى اليونان سالمين. بعد أربعين يوماً من وصولهم سالمين الى اليونان رقد بالرب في العاشر من شهر تشرين الثاني من العام 1924 م. وقد دفن في جزيرة كورفو, إلى أن أخرج الأب باييسيوس رفاته في العام 1958 وأودعها دير سوروتي. وقد أُعلنت قداسته عام 1970.

القديس أورستس الشهيد
نشأ القدّيس أوريستس في مدينة تيانا من أعمال كبادوكية. كان طبيبًا ومؤمنًا بالربّ يسوع المسيح متحمّسا، في أيّام الأمبراطورين ذيوكليسيانوس ومكسيميانوس (284م-308م).
انتهى إلى الحاكم مكسيموس الذي كان فظًّا وشرّيرًا أنّه مسيحيّ فألقى القبض عليه وأحضره لديه لأستجوابه. ولما ألحّ عليه أن يكفر بالمسيح ويعبد الأوثان وإلاّ واجه مصيرًا شنيعًا كان جوابه :”لو عرفت قوّة المسيح لطرحت جانبًا أباطيل الأصنام وعبدت الإله الحقيقيّ”.
لأجل ذلك أسلمه مكسيموس للتعذيب فانهال عليه الجنود ضربًا بأعصاب البقر ثمّ أحرقوا ظهره وفركوا جراحه بالملح والخل، وطرحوه في السجن ليموت جوعًا. ثمّ في اليوم الثامن بعد ذلك أوقفوه لدى الحاكم من جديد فعاد يهدّده بتعاذيب أفظع من التي أنزلها به إلى الآن. وإذ ساقه إلى معبد للأوثان ليقدّم لها فروض الإكرام عنوة، صلّى أوريستس إلى الله فهوت الأصنام إلى الأرض وتحطّمت. ولمّا عيل صبر الحاكم أمر جنوده بأن يدقوا مسامير في كعبي هذا المعاند، ففعلوا، ثم ربطوه إلى فرس جامح وأطلقوه فأنطلق على أرض محجرة فأسلم الروح وتحطّمت عظامه وتناثر أشلاء. ولكي لا يفسح الحاكم في المجال للمؤمنين أن يكرّموا بقاياه جمع ما يمكنه منها وألقاها في النهر.

الطروبارية
+ أيّها الرسل القدّيسون، تشفّعوا إلى الإله الرحيم، أن ينعم بغفران الزلات لنفوسنا.
+ شهيدك يا ربّ بجهاده، نال منك الأكليل غير البالي يا إلهنا، لأنه أحرز قوّتك فحطّم المغتصبين، وسحق بأس الشّياطين التي لا قوّة لها، فبتوسلاته أيّها المسيح الإله، خلّص نفوسنا.
+ ظهرتَ مسكنًا للروح القدس ، يا أرسانيوس اللابس الإله، إذ قضيتَ حياتك الإلهية حسنًا. وإذ امتلكت نعمة صُنع العجائب، فأنت تُرسلُ المعونة بسرعةٍ للجميع. فابتهل أيها البارُّ إلى المسيح الإله، أن يمنحنا الرحمة العظمى.

٩ تشرين الثاني – تذكار القدّيسين الشهيدين أونيسيفوروس وبرفيريوس – والقدّيس أبينا البار نكتاريوس العجائبي أسقف المدن الخمس – والقدّيسة أمّنا البارة ثيوكتيستي – أمنا البارة مطرونية الحمصية.

القدّيسة ثيوكتيستي
نشأت القدّيسة ثيوكتيستي في جزيرة ليسبوس. نزل القراصنة الجزيرة مرّة، على غرّة، فاستولوا على ما طالته أيديهم، كما استاقوا عددًا من سكان الجزيرة أسرى طمعًا في بيعهم رقيقًا. وفي طريق العودة شطّطوا في جزيرة باروس ليفحصوا الغنيمة، هناك خطر ببال ثيوكتيستي أن تهرب، فتغلّغلت بين الأشجار الغضّة. بحث عنها القراصنة فلم يجدوها فقفلوا عائدين. أمّا ثيوكتيستي فلجأت إلى كنيسة مهجورة، كان عمرها يومذاك ثمانية عشر ربيعًا. عاشت في الجزيرة ثلاثين سنة لم تر فيها إنسانًا البتة، ولا تحدّثت إلى غير ربّها ووالدته. التقاها صياد نزل الجزيرة كانت قد استحالت شبه شبح: بيضاء الشعر، محروقة الوجه، سوداء من لهيب الشمس، وطبقة من الجلد المتموّج القاسي تغطي عظامها واعضاءها. كلّ كثافة البدن كانت قد زالت. كانت عارية وتغطّت برداء الصيّاد. سألته أن يأتيها بالقدسات، ثم بعد أيّام رقدت في الربّ بسلام. كان ذلك في العام 881 للميلاد.

القدّيسين الشهيدين أنيسيفوروس وبرفيريوس
بالرغم من أنّ ثمّة مصادر تؤكد أنّ أونيسيفوروس الشهيد هو إيّاه أونيسيفوروس الوارد ذكره مرتين في رسائل القدّيس بولس الرسول (2 تيمو 1: 16 و4 :19) وأنّ برفيريوس واحدٌ من الرسل، فإنّ الرأي عندنا هو أنّهما عاشا في غير زمن الرسول بولس، وأنّهما استُشهدا في زمن الأمبراطورين ديوكليسيانوس ومكسيميانوس. ويبدو أنهما مثلا لدى حكّام ذلك الزمان، فأعترفا بالربّ يسوع المسيح بكلّ جسارة، وإن لا إله إلاهُ ولا ملكاً حقيقيًّا سواه، وقد كابدا على الأثر ألوانًا شتى من التعذيب، فضُربا ضرباً مبرحاً وشويا شيّا. في كلّ ذلك كانا يسبّحان الله مبديَين في آلامهما غبطة من غير هذا العالم. وقد أثار مشهدهما حفيظة معذّبيهما إذ بدا لهم وكأن الشهيدين يستهينان بتدابيرهم كما لو كانت على غير جسديهما. فما كان منهم سوى أن أوثقوهما بأرجلهما إلى خيول جامحة أطلقوها، فراحت تعدو مناطحةً الريح، فيما انسحب جسدا القدّيسين سحبًا، تارةً فوق الأتربة وتارة بين الحجارة وتارة بين الأشواك. وقد أدى ذلك كلّه إلى تمزّق جسديهما تمزيقا.
وبعدما أُسدل الستار على الفصل الخير من استشهادهما، جاء بعض الأتقياء ورفعوا أشلاءهما وواروها الثرى. وثمّة من يقول أنّ رفاتهما أودعت ناحية المدن الخمس الليبيّة.

أمنا البارة مطرونية الحمصية
ولدت القدّيسة مطرونة في برجة في بمفيلية آسيا الصغرى أيّام الأمبراطور البيزنطيّ مرقيان (450م -457م). وقد عمد ذووها وهي في أوائل العقد الثاني من عمرها إلى إعطائها زوجة لرجل لامع أسمه ضومط. ويبدو أنها أنجبت منه بنتا سمّياها ثيودوتي وأنتقلت وإياه إلى مدينة القسطنطينية وهي في الخامسة عشرة من عمرها.
في القسطنطينية ألتقت مطرونة سيّدة مرفّهة راقية تدعى أفجانيا فتحابا وتصادقا لا سيما وأنه كان لهما فكر واحد وتوق واحد إلى القداسة، فكان كل منهما للآخر تعزية من الله وتشديدا.
ولاحظ ضومط أن زوجته تكثر من الخروج من البيت فساورته الشكوك بشأنها وحرّم عليها مغادرة المنزل أطلاقا. وقد آلمها زوجها أشد الألم لكنها أعتصمت بالصبر ولازمت الصلاة سائلة المعلم ألتفاتة وأن يمن عليها بتحقيق منية قلبها أن تنصرف إلى وجهه تماما.
وإن هي سوى أيام حتى أذن لها زوجها بالخروج إلى الكنيسة. وهناك ألتقت إحدى العذارى، المدعوّة سوسنة. هذه أرتضت أن تتعهد أبنتها ثيودوتي. أما مطرونة فقامت إلى ثوب للرجال تزيّت به وغيّرت هيئة وجهها وفرّت من منزل زوجها متخذة بابيلا أسما مستعارا لها ومدعية أنها خصي.
وجهة مطرونة كانت دير القدّيس باسيان في المدينة العظمى. هناك أنخرط بابيلا في مصاف طلاب الحياة الملائكية راهبا. وما لبث، بعد مدة يسيرة، أن أضحى نموذجا يحتذى في الطاعة والأتضاع والصبر والصلاة وسائر أتعاب الرهبنة.
ولكن، ما كاد يمضي بعض الوقت حتى عرف باسيان، ربما بالكشف الإلهي، أن بابيلا ليس سوى امرأة، فخاف على الشركة. ولما كان يدّخر لها أعتبارا وتقديرا كبيرين، لم يشأ أن يخلّيها صفرة اليد فاشار إليها بالذهاب إلى دير للعذارى في مدينة حمص السورية.
في حمص أستمرت مطرونة تنمو في النعمة والقامة. وكانت كلّما ترسّخت في حياة الفضيلة أزدادت حرصا على إخفاء أمرها وفضائلها. ولكن شهرتها ما لبثت أن ذاعت فقامت إلى أورشليم ومنها إلى بيروت، هربا.
وفي بيروت أتخذت مطرونة هيكلا وثنيا مهجورا ملاذا لهازوقد أثار نزولها في المكان جنون الشياطين لأنهم أعتبروا الموضع خاصا بهم. لكن، لم يتسلل الخوف، بنعمة الله، إلى نفس مطرونة، بل ثبتت صائمة مصلية وكأن هجمات الشياطين وزئيرهم عليها لا يعنيها. ولكي تتمكّن قوات الظلمة من خداعها عمدت في مرحلة لاحقة إلى إدعاء التقوى فكانت تشارك مطرونة التسابيح خلال الخدمة. غير أن العناية الإلهية كشفت لعيني هذه المجاهدة الكبيرة حيل الأبالسة ضدها. وهكذا نجت من فخاخ العدو ومجّدت الله.
ثم بعد حين بدأ بعض النسوة الوثنيات يأتينها مأخوذات بمثالها، يسألنها أن يعتمدن وينضوين تحت لوائها .
أقامت مطرونة في بيروت، هي وتسعة من التلميذات، أشهرا وربما بضع سنوات. وقد ذكر البطريرك مكاريوس الزعيم في مؤلفه “قدّيسون من بلادنا” أنها “أستنبعت بصلاتها الماء العذب الموجود الآن في مدينة بيروت”. والحديث هو من القرن السابع عشر.
ومن بيروت عادت مطرونة إلى القسطنطينية حيث أقامت في قلاية قريبة من دير القدّيس باسيان. ثم أستدعت، بعد حين، راهباتها في بيروت. ويبدو أن صيتها ذاع، من جديد، في وقت قصير فأخذت النسوة التقيات، لا سيما من طبقة النبلاء، يتدفقن عليها لينتفعن من إرشادها وينلن بركتها. وقد تركت عدة نبيلات العالم وأتين إليها مقتبلات حياة الفقر والطاعة تحت جناحيها. هؤلاء النسوة حملن معهن أموالا وعطايا جزيلة أستخدمتها القدّيسة في بناء دير ما لبث أن أضحى أهم الأديرة في المدينة.
عاشت مطرونة ما يقرب من مئة عام. ويبدو أنها حافظت على مستوى نسكها حتى الأخير. وقد عرفت بيوم وفاتها سلفا فعزّت بناتها بأخبار الفردوس الذي منّ عليها الرب الاله بمشاهدته. ثم ودعتهن ورقدت بسلام.

القدّيس أبينا البار نكتاريوس العجائبيّ أسقف المدن الخمس (ليبيا)
ولد القديس نكتاريوس واسمه (انستاس كيفالاس) في تراقيا الجنوبية في 1/10/1846م. نشأ في عائلة كبيرة وفقيرة، وكانت والدته وجدته تغلقان الستائر كل ليلة كيلا ينظر الأتراك القنديل مضاء في غرفة الأولاد، حيث كان الجميع يجثون أمام الأيقونات الشريفة ويصلّون. كانت جدته تحبه كثيراً لانه كان يشبه الملاك، شديد الرغبة على متابعة دروسه ويستهوي الإنجيل والمزامير، وكانت تساعده كثيراً في تعلم الصلاة وأعطته صليباً خشبياً كان أغلى ما يملك.
في الثالثة عشر من عمره سافر إلى القسطنطينية كي يتعلم، وعمل حمالاً ثم عاملاً كي يؤمن لقمة العيش، ثم بدأ يعمل في حقل الكنيسة، فصار يُعلّم الصغار الحروف الأبجدية ويتابع تعليمه بنفس الوقت ليصبح مدرساً. لم تكن مغريات المال تلفت انتباهه. ساعدته الدراسة والحياة الداخلية والصلاة على اكتشاف رغبته في الحياة النسكية، فوجد السعادة والراحة الحقيقيتين في أحضان الكنيسة.

التعليم والرهبنة والكهنوت:
ذهب إلى جزيرة خيوس وقضى فيها عشر سنوات يعلّم فيليتي. وفي عام 1876م أصبح راهباً، فقد تعلم من تعليم الكنيسة التقليدي أن الراهب الأرثوذكسي ما هو إلا منارة ونور مضيء في الظلمات، ودعي بالأخ لعازر. أمضى ثلاث سنوات في الدير عاشها في النسك والتقشف فاستنارت روحه من نور المسيح وأصبح ينهل منه التواضع والمحبة والعطاء.
ثم رُسم شماساً وأعطي أسم “نكتاريوس”، وبمساعدة أحد النبلاء الأثرياء سافر إلى أثينا لمتابعة دراسته الثانوية. واُرسل أيضاً إلى الإسكندرية إلى البطريرك صفرونيوس، فأحبه وأرسله مرة أخرى إلى أثينا ليكمل تعليمه الجامعي. وإذ كانت الحياة صعبة في تلك الحقبة من الزمن، كان يتخلى عن طعامه لإنقاذ أحد أولئك الذين مات المسيح لاجلهم. وبعد حصوله على الشهادة الجامعية عاد إلى الإسكندرية، حيث سامه البطريرك بنفسه كاهناً عام 1886م. وتلقى بعد خمسة اشهر رتبة الارشمندريت في القاهرة. عين في عدة مناصب، حيث عمل بجهد في حقل الرب ليزرع الكلمة الإلهية. كما جمّل كنيسة القديس نيقولاوس بالأيقونات الشريفة، وكانت معظم مساعيه لجمع التبرعات للفقراء الذين كان يعطيهم كل ماله. وفي عام 1886م، انتخب أسقفا للمدن الخمس (منطقة ليبيا). إذ حيكت ضده وشايات من الأوساط الاكليريكية، صدّقها البطريرك صفرونيوس، دون أن يسمح له الدفاع عن نفسه تم تنحيته وطرده من الإسكندرية. لاحقه الاضطهاد من جميع الجهات، وحده الشعب بقي إلى جانبه، جمهوراً عاجزاً لا اسم له ولا سلطة. ومع ذلك بقي القديس يصلي من اجل البطريرك حتى أخر عمره.

العودة إلى بلاده:
بداية قضى وقته في أثينا بالقراءة اللاهوتية. عاش مضطهداً بفقر مدقع، صوّاماً، صبوراً. عُيّن واعظاً في مدينة شالكيس في جزيرة أيبوس بعد أن طرق جميع الأبواب مستجدياً العمل في الكنيسة بإلحاح وصبر. وعندما أُوكلت إليه عدة مدن اختار مدينة كيمي لإقامته، وعمل في الوعظ والخدم الليتورجية. وكان يقوم بزيارة تفقدية للمعوزين والمرضى المنعزلين.
وفي عام 1893م. نُقل إلى مدينة لميا، ثم عيّن مديراً للمدرسة اللاهوتية في أثينا المعروفة ب”ريزاريو”. وبالرغم من معاناته الكثيرة مع أعضاء المكتب التنفيذي للمدرسة، إلا انه كان يحتمل كل الانتقادات بصمت وبفضله تأسست أعداد كافية من الاكليريكيين المؤهلين ليس عملياً فقط بل وروحياً أيضاً لخدمة الكنيسة الأرثوذكسية.
كان متواضعاً لدرجة انه كان يقوم بتنظيف مراحيض المدرسة يومياً وقبل شروق الشمس لمدة شهرين عن العامل المريض خوفاً عليه من أن يفقد وظيفته. كان يهتم بالدروس وبمشكلات المدرسة إلى جانب الأشخاص الذين يأتونه للاعتراف، مع تأليف الكتب اللاهوتية، وإقامة الخدم الليتورجية غير المتوقعة التي تُطلب منه، ومساعدة كل من يطرق بابه. وكان شديد الدفاع عن الأرثوذكسية ضد التيارات المعارضة والمنتقدة لها. كان يهتم شخصياً بزراعة حديقة المدرسة بالنباتات والأزهار، لانه كان يحب التأمل بفن الخالق وحكمته ويقول: “تفتح يدك فيمتلئ الكل خيراً”. قام خلال عمله في المدرسة بزيارة الجبل المقدس(آثوس) وهناك وصفه أحد النساك متنبأ بأنه: “أسقف المدن الخمس الذي صنّف منذ زمن طويل من بين الأساقفة القديسين”.
كان يرى السيد دائماً أمامه أثناء الصلاة. وكثيراً ما كان يقص على والدة الإله جميع مشاكله بالتفصيل، ويصلي من اجل العالم أجمع ومن اجل طلابه ويتوسل إلى أم الإله من اجل الرهبنة الأرثوذكسية لتنمو وتزدهر. كما كانت الجموع في أثينا والبيرية تتزاحم للمشاركة في القداس والاستماع إلى مواعظه أينما ذهب. وتوالت عليه الأحداث…كانت معظمها حوادث مؤلمة جعلته يشعر بالتعب.

تأسيس الدير:
التفت حوله مجموعة من الفتيات يرغبن باعتناق الحياة الرهبانية، فاخترن ديراً قديماً في زانطا في جزيرة آيينا ا لتي حالما وصل إليها شفى شاباً مصاباً بروح شريرة وقال له بعدها: “لن تزعجك هذه الاغماءات بعد اليوم يا ولدي، ثابر على الدرس لان هذا سيعود عليك بالفائدة في المستقبل”. وشفى امرأة مصابة بنزف الدم. وبعد القداس الإلهي الذي أقيم في كاتدرائية الجزيرة تلى طلبات من اجل المطر-بعد انقطاع دام ثلاث سنوات- هطلت بعدها الأمطار بغزارة، فكان يردد: “المجد للرب…المجد للرب”.
بقي يراسل فتياته ويهتم بهن روحياً ومادياً. ولم يكن يشغل عقله بتدبير الأمور المالية لانه كان يقول: “أن الأعمال الروحية المرتكزة على الوسائل المادية أو القدرات الإنسانية لا تحقق”. وكان يتصدق بكل ما يحصل عليه من مال: من عمله والتبرعات ونشر كتبه ومؤلفاته التي كثيراً ما كان يوزعها مجاناً. فقد كان على ثقة تامة بان الله سيرسل عوضها. وقد كتب في إحدى رسائله للراهبات: “أن كل ألم نحتمله بالصبر هو درجة ترفعنا نحو الكمال”.
وبعد أن استقال من وظيفتة في المدرسة الاكليريكية عام 1908م. شيد له مسكناً خارج الدير. وقام بتخصيص غرفة لتعليم الفتيات الأميات، وحوّل غرفة إلى مشغل إسكافي-تلك المهنة التي تعلمها عندما كان راهباً في خيوس- ليصلح الخفاف الممزقة التي كانت تنتعلها الراهبات ويعلمهن المهنة.
وكان بنيّته إنشاء مدرسة تحضيرية للشابات لتلقي التعليم الأخلاقي والديني وبعض الأعمال اليدوية والمنزلية لانه كان يرى بأن سر تقدم الشعوب كامن بين يدي الشابات أمهات المستقبل.غالباً ما كان يمضي الليل ساهراً رغم تعبه للدراسة والكتابة، وقد كان شديد الدفاع عن الكنيسة الأرثوذكسية الكثيرة الوداعة باعتبارها الفلك الوحيد الذي يضم القدرة الإلهية والحقيقة، وتملك قوة كبيرة للخلاص، ويحارب ضد هجمات العدو الكثيرة منهم الماسونيين والماديين المعاصرين والسياسات والهراطقة واصحاب البدع.
بعد عشر سنوات من تأسيس الدير غضب ثوكليطس متروبوليت أثينا بسبب الحسد، فتراجع عن موافقته الشفهية عن بناء الدير واصبح يهدد بهدمه. فكان على قديسنا أن يشرب كأس الصبر حتى المنتهى، إذ لم يحظ عمله بالاعتراف الرسمي إلا بعد وفاته.

رقاده:
عانى من مرض خطير في البروستات زماناً طويلاً، وكان عرضة لآلام فظيعة تخترق قلبه، تشتد حدة مع مرور الوقت، وادخل إلى المستشفى وبقي شهرين لم يتسنى للأطباء خلال هذه الفترة إجراء عملية جراحية له. وبتاريخ 9/11/1920م (شرقي) الموافق 22/11(غربي) سمعته الراهبة المرافقة له يقول: هل توجه الكلام إلى يا رب. واسلم روحه القديسة والصبورة إلى معلمه الحبيب.
حصلت عجاب كثيرة بعد رقاده منها شفاء أمراض مستعصية وطرد الشياطين. وبقي جسده سليماً لمدة عشرين عاماً يفوح منه عطر لا يوصف. بعد هذه المدة استحال جسده إلى تراب فاستطاع الناس أن يأخذوا منه الذخائر، ولا زال العطر يفوح من عظامه إلى ألان، بل إن كل غرض يلامس عظامه يصبح مصدراً للعطر.
هذا القديس الذي لم يحظ بالمجد في حياته، بل كما قال مرة لتلميذه كوستي(الذي رافقه وخدمه طوال حياته): “المجد ليس للذين في وسط الجهاد بانتظار الدينونة. أن المجد هو في مكانا ما في الأعالي، في الكنيسة الظافرة”. لقد مُجّد القديس العظيم في الكنيسة الظافرة. وهو ألان ماثل أمام العرش الإلهي عرش الثالوث الأقدس الذي لم يكن يلفظه طوال حياته دون تأثر أو رهبة، يشفع في كل من يطلبه، حيث انه شفيع مرضى السرطان، لانه شفى بعض الحالات في حياته ولا يزال بعد رقاده يشفي الكثيرين إلى ألان.
مختارات من أقواله
قال في الأرثوذكسية:
أيتها الأرثوذكسية، تعصف بكِ آلاف الأرياح، وتحاربك آلاف القوات المظلمة وتثور، تريد اقتلاعك من العالم وتكافح لانتزاعك من قلوب الناس. أرادوا أن يجعلوا منك أملاً مفقوداً، متحفاً وماضياً مأساوياً وتاريخاً مرّ عليه الزمن وانتهى. إلا أن الله القدير، الثالوث القدوس المحسن الكليّ الوداعة والحكمة، هو الذي يسيطر على هذه الفوضى، ويرميك في زاوية أبعد ما يمكن عن التوقع ويغطّيك كوردة تحت صخرة. إنه يحافظ عليك في نفوس أبسط الناس، الذين ليس لهم أية سلطة أو معرفة دنيوية. وها أنتِ باقية حتى اليوم. ها أنت لا تزالين حيّة موجودة تغذّين الأجيال الناشئة، وتفلحين كل بقعة جيدة من الأرض، وتوزعين قوة وحياة وسماءً ونوراً وتفتحين للناس أبواب الأبدية.

المسيحية:
ليس الدين المسيحي نظاماً فلسفياً يتجادل حوله الناس المتعلّمون والمتدربون في العلوم الماورائية، فيعتنقونه أو يرفضونه بحسب الرأي الذي شكّله كل منهم. إنه الإيمان المؤسّس في نفوس الناس والذي ينبغي أن ينتشر للكل ويُحفَظ في ضمائرهم…
في المسيحية حقائق فوق فهمنا العقلي، ولا يستطيع عقل الإنسان المحدود أن يستوعبها. إن ذهننا يدركها، ويقتنع بها، ويشهد لوجودها الفائق الطبيعة…
إن المسيحية هي دين الإعلان. يعلِن الإله مجدَه فقط للذين تكمّلوا بالفضيلة. تعلِّم المسيحية الكمالَ من خلال الفضيلة وتطلب من أتباعها أن يكونوا قديسين وكاملين. تستهجن المسيحية مَن هم تحت تأثير الخيال وتقاومهم. إن مَن هو كامل فعلاً يصير بالمعونة الإلهية خارج الجسد والعالم، ويدخل عالماً روحياً آخراً؛ وبالطبع، ليس بالخيال بل بتألق النعمة. بدون النعمة وبدون الإعلان لا يستطيع الإنسان، حتى الأكثر فضيلة بين البشر، أن يتعالى عن الجسد والعالم.
يعلن الله نفسه للمتواضع الذي يحيا بحسب الفضيلة. إن الذين يركبون جناح الخيال يحاولون الطيران مثل أكيروس ويصلون إلى النهاية نفسها. إن الذين يؤوون الأوهام لا يصلّون؛ لأن الذي يصلّي يرفع عقله وقلبه إلى الله، بينما الذي يتحوّل إلى الخيالات يقود نفسه إلى الانحراف. إن الذين يدمنون الخيال ينسحبون من نعمة الله ومن عالم الوحي الإلهي. فهم قد تركوا القلب الذي تستعلَن فيه النعمة وأخضعوا أنفسهم للوهم المجرّد من كل نعمة. إن القلب هو الوحيد الذي يتسلّم معرفة الأمور التي لا تُفهَم بالحواس، لأن الله، الذي يسكن في القلب ويتحرّك فيه، يتكلّم إليه ويكشف له جوهر الأمور المرجوة.
أطلبْ الرب كل يوم. ولكن اطلبه في قلبك وليس خارجه. وعندما تجده قف برعدة وخوف كما الشاروبيم والسارافيم لأن قلبك قد أضحى عرشاً لله. ولكن لكي تجد الله، كُنْ متواضعاً كالغبار أمام الرب، لأن الرب يمقت المتكبر، بينما يزور متواضعي القلب، ولهذا هو يقول: “إلى مَن سوف أنظر، إلاّ لمَن هو عادل ومتواضع القلب؟”
ينير النور الإلهي القلبَ النقي والذهن النقي، لأنهما قابلان لتلقي النور؛ بينما القلوب والأذهان الدنِسة، فيما هي غير قابلة لتلقي الاستنارة، فهي تمقت كثيراً نور المعرفة، نور الحقيقة. إنها تحب الظلام… الرب يحب أصحاب القلب النقي ويستمع إلى صلواتهم ويمنحهم طلباته التي تؤدي إلى الخلاص، ويكشف نفسه لهم ويعلمهم أسرار الطبيعة الإلهية.

الكنيسة:
إن كلمة “كنيسة”، بحسب النظرة الأرثوذكسية الدقيقة، لها معنيان. أحدهما يعبّر عن شخصيتها العقائدية والدينية، أي، عن جوهرها الداخلي، الجوهر الروحي بشكل خاص، فيما الثاني يعبّر عن شخصيتها الخارجية. وهكذا، بحسب الإيمان الأرثوذكسي، تُعرَّف الكنيسة بطريقة مزدوجة: كمؤسسة دِينية وكجماعة دينية.
إذاً، يمكن تحديد الكنيسة كمؤسسة دينية على هذا الشكل: الكنيسة هي مؤسسة إلهية دينية من العهد الجديد، بناها مخلصنا يسوع المسيح من خلال تدبير التجسد، مؤسَّسَةً على إيمان يوم العنصرة بنزول الروح الكلي قدسه على تلاميذ المسيح المخلّص ورسله القديسين، الذين جعلهم أدوات للنعمة الإلهية لتخليد عمله الخلاصي. لقد أوكِل لهذه المؤسسة ملء الحقائق المعلَنة. فيها يعمل الروح القدس من خلال الأسرار، وفيها يتجدد الذي يقاربون المسيح بإيمان، وفيها حُفظَ كلا التعليم والتقليد الرسوليين، المكتوبين وغير المكتوبين.
كما يمكن تحديد الكنيسة كجماعة دينية على هذا الشكل: الكنيسة هي مجتمع من البشر المتّحِدين بوحدة الروح في رباط السلام.
إن النظرة الصحيحة للكنيسة تُصنّفها إلى مجاهدة ومنتصرة. فالكنيسة مجاهدة طالما أنها تكافح ضد الشر لكي يسود الخير، وهي منتصرة في السماوات حيث يسكن جوق الأبرار الذين جاهدوا وتكمّلوا في الإيمان بالله وبالبِر.

الطروبارية
+ هلموا أيها المؤمنونَ نُكرِّمُ نكتاريوس، المولودَ في سلفْرِيا ورايةَ إيينا، من ظَهَرَ في الأزمنةِ الاخيرةِ ومحبَّ الفضيلةِ الأصيل بما أنَّه خادمُ المسيحِ الالهي. إذ يُنبِعُ الأشفيةَ في كلِّ الأحوالِ، للصارخين إليه بإيمانٍ: المجدُ للمسيحِ من مجَّدَكَ، المجدُ لمن جَعَلَكَ عجائبيًّا، المجدُ للصانعِ بكَ الأشفيةَ للجميع.

٨ تشرين الثاني – تذكار جامع لرئيسي الملائكة ميخائيل وجبرائيل وسائر القوات السماويّة العادمة للأجساد والقدّيسة أمّنا البارة أفروسيني الصغرى

رئيسَيْ الملائكة ميخائيل وجبرائيل وسائر القوات السماويّة العادمة الأجساد
منذ أقدم الأزمنة وللملائكة في العبادة ذكر ولها في حياة العابدين دور وأدوار حتى يكاد لا يخلو أكثر أسفار العهد العتيق من وقفة عندها إشارة إليها.
غير أنّه كان دائما ثمّة خطر أن يغفل القوم طبيعة الملائكة الشفافة التي يفترض أن تشير إلى السيد الرب دون أن تشهد لنفسها. فإذا ما وقف الناس عندها وشغفوا بها دون الإله الحي الحقيقي، سقطوا في الهرطقة. مثل ذلك ما سقط فيه العبرانيون قبل الملك حلقيا، على ما ورد في كتاب الملوك الثاني(23 : 5)، حيث نقرا أن كهنة الأصنام الذين أقامهم ملوك يهوذا كان يحرقون البخور “للبعل والشمس والقمر والأبراج ولجميع قوات السماء”. ومثل ذلك ما نبّه إليه الرسول بولس بقوله :”لا يخيبكم أحد من جعالتكم مبدعا مذهب تواضع وعبادة للملائكة”، ومثل ذلم أيضا ما أشار إليه القانون الخامس والثلاثون من مجمع اللاذقية في فريجية (343 -381 م) بشأن عبادة للملائكة شاعت في ذلك الزمان فأعلن أنه :” لا يجوز لمسيحيّين أن يتركوا كنيسة الله ويذهبوا ويبتهلوا للملائكة ويجمعوا جماعات. فكلّ هذا ممنوع. وكلّ من يمارس عبادة الأصنام في الخفية فليكن مبسلا (مقطوعا) لأنّه ترك ربنا يسوع المسيح وتبع عبادة الأوثان”. ثيودوريطس المؤرخ (393م- 466 م) قال إنّ عبادة الملائكة شاعت في فريجية وبيسيدية وطال أمدها وأنه كان فيها معابد لميخائيل رئيس الملائكة. والقدّيس أبيفانوس القبرصي قال إنه كان يوجد شيعة قديمة تدعى شيعة الملائكيين كانت تعلّم أنه يجب ألا المعونة من المسيح أو نقدّم أنفسنا لله بواسطته لأن هذا فوق ما تستحقه الطبيعة البشرية لأن يسوع المسيح نفسه هو فوق البشر. وعوض ذلك، يجب أن نطلب معونة الملائكة.
كلّ ذلك يدعو إلى تقصي الحقائق بشأن الملائكة : من هم؟ ما هي ميزانهم؟ ما هو دورهم؟ ما هي مراتبهم؟وما هي أسماؤهم؟ بكلمة، ما تعلّمه الكنيسة بشأنهم.
يذكر أن من استفاض في الخديث عن الملائكة كان، بصورة أخص، كاتب مؤلف “المراتب السماوية” المعروف، بديونيسيوس الأريوباغي المنحول.

طبيعة الملائكة:
الملائكة مخلوقات إلهية نعرّف عنها ب”الأنوار الثانية” حيث إن الإله البارىء هو النور الأول غير المخلوق. وهي ثانية لأنها تقتبل بنعمة الروح القدس اشعاعات النور الأول وتشترك في سرمديته. أبدعها الله قبل العالم المنظور الذي نعرف، وكمّلها بالقداسة، جاعلا إياها أرواحا وخدّاما كلهيب النار (انظر المزمور 103) واسمها معناه في الأصل اليوناني “رسل”. وهي حرة من ثقل الجسد،عاقلة وفي حركة دائمة لا تتوقف. تعاين الله على قدر طاقتها ولها من المشاهدة قوت لذاتها وثبات وغلة وجود.وهي وإن كانت حرة من انفعالات الجسد لكنها ليست بلا هوى كمثل الله لأنها كائنات مخلوقة. من هنا أن الملائكة وإن لم تكن لتجنح إلى الشر إلا بصعوبة، لكنها ليست بمنأى عنه إمكانا. ومن هنا ، أيضا، أن عليها أن تحسن استعمال الحرية التي يسبغها الله عليها لنحفظ ذواتها في الصلاح وتنمو في مشاهدة الأسرار الإلهية لئلا تجنح إلى الشر وتبعد عن الله. وحيث لا جسد لا توبة ترتجى.
على أن الملائكة وإن كانت بلا أجساد فهي ليست غير هيولية تماما.وحده الله كذلك، والملائكة محدودة في الزمان والمكان، ليس بإمكانها أن تكون في أكثر من مكان واحد في وقت واحد. لكن طبيعتها اللطيفة تتيح لها أجتياز العوائق كمثل الجدران والأبواب وما إليها، ومتى أوكل إليها السيد الرب بمهمة لدى الناس. وهي لذلك تتخذ شكلا جسدانيا يتيح لنا رؤيتها، كما أن خفتها وسرعتها الخارقة تؤهلها لإجتياز المسافات لتوّها.ولها من الله، متى أوفدها، علم كامل دقيق نفّاذ بكل ما تخرج من أجله. وإن تنبأت فبنعمة من عنده وأمر، وهذا ليس من فضلها.
رقباء على الأرض
والملائكة جعلها الله رقيبا على الأرض، تسود على الشعوب والأمم والكنائس وتضمن نفاذ المقاصد الإلهية وتمامها نحو البشر، جماعات وأفرادا. ولكل منا بصورة غير منظورة ملاك حارس من عند الله، عينه علينا دونما انقطاع،وهو واقف لدى الله في آن، كمثل ما ورد على لسان الرب يسوع المسيح :”إياكم أن تختقروا أحدا من هؤلاء الصغار، أقول لكم أن ملائكتهم في السماوات يشاهدون أبدا وجه أبي الذي في السماوات” (متى 18 :10-11 ). وهذا الملاك الحارس يوحي لنا بالصلاح عبر الضمير فيعيننا على إجتناب فخاخ الشيطان ويؤجج فينا نار التوبة الخلاصية إن أثمنا.

مراتبها:
والله وحده العارف بصنف الطبيعة الملائكية وحدودها. وهي واحدة من نحو الله، أما من نحونا فلا تعدّ ولا تحصى. والكلمة الإلهية بشأنها في سفر دانيال هي هذه :”. . .وتخدمه ألوف ألوف وتقف بين يديه ربوات ربوات”(دانيال 7 :10 ).وهي وإن تعذر على الآدميين أحصاؤها فالتراث يجعلها في تسع مراتب موزعو على ثلاث مثلثات كأولاها تلك الواقفة أبدا في حضرة الله والمتحدة به بصورة فورية،قبل سواها ودونما وسيط.وهذه هي السارافيم والشاروبيم والعروش. فأما السارافيم فاسمها في العبرانية “المشتعلة”، ولها حركة سرمدية ثابتة حول الحقائق الإلهية تؤهلها للإرتقاء بمن هم دونها في الرتبة إلى الله من خلال إزكاء الحرارة المطهّرة النورانية التي للفضيلة. وأما الشاروبيم فلها غير وظيفة، واسمها يشير إلى تمام معرفة الله.لذا نصوّرها ممتلئة عيونا من كل صوب دلالة على أهليتها لمشاهدة النور الإلهي. وأما العروش فهي التي يستريح الله فوقها في سكون بلا هوى.
وأما المثلث التالي فهو السيادات والقوات والسلاطين، وهو الحلقة الوسطى التي تبث مراسم السيد الإله على نحو منظوم وترقى بالأرواح الدنيا إلى الأقتداء بالله.
وأما المثلث الأخير فينجز المراتب السماوية، وقوامه الرئاسات ورؤساء الملائكة والملائكة، التي بها نبلغ المراسم الإلهية. ولما كان هذا المثلث هو الأدنى إلينا فإن الملائكة فيه هي التي تنزل علينا بهيئة جسمانية متى شاء ربها.
ثم بعد المراتب الملائكية التسع يأتي آدم في المرتبة العاشرة وبه أكتملت الخليقة.ولكن آدم سقط وأضحى تحت العبودية للموت.لذلك بادر الكلمة من العلى لأنتشاله من الجّة.والقول أنه أجتاز المراتب الملائكية إلى آدم وتجسّد وصلب وقام من بين الأموات وصعد إلى السموات. وبالكلمة المتجسد، بالرب يسوع المسيح، اجتازت بشرتنا لا إلى حيث كانت أولا وحسب، بل تخطت حتى المراتب الملائكية بأسرها، وسمت عليها لتستقر، في شخص السيد الإله الإبن المتجسد، إلى يمين الله الآب.
شيمتها
هذا وإن شيمة الملائكة قاطبة أن تصدح أبدا بالتسبيح بالنشيد المثلث التقديس (التريصاجيون) مشيرة به إلى العزة الإلهية وإلى دهشها المتواصل والمتعاظم إزاءه. ولنا في الإصحاح السادس من نبوءة اشعياء صورة عن ذلك :” رأيت السيّد جالسا غللا عرش عال رفيع، وأذياله تملأ الهيكل. ومن فوقه سرافيم قائمون، ستة أجنحة لكل واحد، بأثنين يستر وجهه، وبأثنين يستر رجليه، وبأثنين يطير، وكان هذا ينادي ذاك ويقول :” قدوّس قدوّس قدوّس، رب الصباؤوت، الأرض كلها مملوءة من مجده “.

أمّنا البارة أفروسيني الصغرى
ولدت في إحدى جزر البليوبونيز في منتصف القرن التاسع.
انتقلت يافعة إلى قرب عمّها في القسطنطنيّة. لم تشأ الزواج بل رغبت في البتولية.
فرّت واختبأت في طاحونة عتيقة ثلاثة أشهر ثم تزيّت بزي الرجال والتحقت بأحد الأديرة، حيث بقيت خمسة عشر عامًا.
أراد الرهبان رئيسًا عليهم لمسراها الممّيز فلم تشأ.
فرّت من المجد الباطل ولازمت الوحدة في رفقة ناسك مسن عشر سنوات. خرجت بعد ذلك من منسكها لتتخلّى عن لباس الرجال وتعود امرأة.
دخلت القسطنطنيّة وأسست ديرًا للعذارى. استمرّت متوحدة في قلاية تحت الأرض لا تتناول من الطعام إلا قليلة مرّة واحدة في الأسبوع.
عرف بها الزائرون فتدفّقوا على الدير ومنهم الملوك والوزراء ورجالات الدولة. غيّرت مكان إقامتها أكثر من مرّة لتهرب من المجد الباطل.
رقدت في الربّ وهي في التاسعة والستين من العمر. شهد البعض أنّه كان لصلاتها فعل عجائبيّ.

الطروبارية
+ يا زعماء الأجناد السماويّين، نتوسل إليكم دائماً نحن غير المستحقين، حتى أنّكم بطلباتكم تكتنفوننا بظلّ جناحَي مجدكم غير الهيولي، حافظين ايّانا نحن الجاثين والصارخين بغير فتور: انقذونا من الشدائد، بما أنّكم رؤساء مراتب القوات العلويّة

٧ تشرين الثاني – القدّيس الشهيد هارون ورفاقه الإثنين والثلاثين المستشهيدين في ملطية – القدّيسين الشهداء سالونيكا وأوقتس وتوريونوس

القدّيس الشهيد هارون ورفاقه
عاش القدّيس الشهيد هارون في قرية من قرى بلاد الكبادوك. كان فلاّحا تقيًّا وكانت له أمّ عمياء حرص على ملازمتها والعناية بها.
وجاء يوم صدر فيه أمر بتسخير كلّ من كان يتمتّع بالصحّة الجيّدة والقوّة البدنيّة للخدمة العسكريّة. ولمّا كان هارون معروفًا بصلابة عوده فقد جاءه عسكريّان يريدان إستياقه إلى أمام الحاكم ليسياس في مدينة ملطية الأرمنية لهذه الغاية. وإذ لم يشأ أن يغادر والدته ولا أن يكفر بمسيحه ويقدّم العبادة للأمبراطور، كما كانت عادة العسكر في ذلك الزمان،اتّخذ عصاة غليظة واندفع نحو الجنديّين ففرّا من أمامه. لكنّهما عادا بعد قليل بتعزيزات. ولمّا لم يردهارون أن يعرّض ذويه للخطر،أسلم نفسه، فقبض عليه العسكر وقفلوا عائدين به وبإثنين وثلاثين مسيحيًّا، بعضهم من أقربائه، إلى ملطية. وفي الطريق ظهر ملاك الرب لهارون وأنبأه بأنّه لن يخوض غمار حرب من أجل ملك أرضيّ بل من أجل ملك السموات والأرض وأنّه سيَحظى سريعًا بالمجد والكرامة.
ثمّ إنّ الموقوفين ألقوا في السجن فكان لهم هارون معزّيًا ومشدّدًا. ولمّا مثل أمام الحاكم قرّعه الحاكم لعصيانه الأوامر الأمبراطوريّة وأمر ببتر يدِه اليُمنى لأنّه تجرّأ فرفعها على الجنود.
ولم يتزعزع هارون أمام ما جرى، بل ثبت كجنديّ أمين للمسيح. غير أنّ واحدًا من المساجين ممّن عاينوا ما حدث، وكان قريبا لهارون، واسمه فيكتور، تملّكه الخوف فدنا من الحاكم سرًّا ووعد بإعطائه أرضًا كانت له إن هو تركه يذهب، فأطلق الحاكم سراحه.
وإن هي سوى أيّام قليلة حتى تعرّض هارون ومن معه للضرب بأعصاب البقر. ثمّ أمر الحاكم بأن يساقوا إلى الموت فقُطعت هاماتهم جميعا.
وفيما كان الشهداء يتساقطون الواحد تلو الآخر ويتكلّلون بالمجد الإلهيّ، إذ بمن غادرهم، كافرًا بالمسيح، فيكتور، نسيب هارون، يسقط صريعًا هو أيضًا، ولكن بميتة طبيعيّة، مكللا بالخزيّ والعار ومُحصى مع الهالكين.
أمّا هارون فلمّا شاء ذووه أن يَحظوا بهامته، تبرّكًا، اضطرّوا إلى دفع ثقلها ذهبًا للحصول عليها.
ما يلي أسماء الشهداء الإثنين والثلاثين، كما وردت في التراث:
هزيخيوس، نيكاندروس، أثناسيوس، ماما، باراخيوس، كلّينيكوس، ثياغينوس، نيقون، لونجينوس، ثيودوروس، فاليريوس، كسانتيكوس، أبيفانوس،مكسيميانوس، دقاتيوس، كلوديانوس،ثيوفيلوس، غيجانتيوس،دورثيوس، ثيودوتس،كستريكيوس،أنيقطيا،تميليوس،أفنتيشيس، هيلاريون، ديودوتس وعمونيتوس.

القدّيسين الشهداء سالونيكا وأوقتس وتوريونوس
كابدوا هؤلاء القدّيسين آلام الاستشهاد في أمفيبوليس المقدونية القريبة من كافالا المعاصرة. كانت سالونيكا ابنة كاهن وثني، هذا اكتشف أن ابنته قد تخلّت عن آلهة أبيها والتصقت بالربّ يسوع فحاول استردادها بكلّ الطرق الممكنة ففشل، فأشبعها ضربًا بالسياط ثم أطلقها بعدما حرمها من الميراث. عرف بقضيتها مسيحيان أوقتس وتوريونوس فوبّخا والدها على بربريته فما كان منه سوى أن وشى بهما فقبض الحاكم عليهما وعذّبهما بصورة وحشيّة ثم قطع رأسيهما كما قطع رأس سالونيكا..

الطروبارية
+ بمجاري العبرات في صلوات الأسهار أغرقت العمود، وبالتنهُّدات التي من الأعماق أثمرَت أتعابُك إلى مئة ضعفٍ، فصرت راعياً موزِّ ع الغفران للمتقدمين إليك، فيا أبانا البارَّ لعازر تشفّع إلى المسيح الإله أن يخلّص نفوسنا.
+ شهيداك يا ربّ بجاهدهما نالا منك الأكاليل غير البالية يا إلهنا، لأنّهما أحرزا قوّتك فحطّما المغتصبين، وسحقوا بأس الشياطين التي لا قوّة لها، فبتوسّلاتهما، أيّها المسيح الإله خلّص نفوسنا.

٦ تشرين الثاني – تذكار القدّيس أبينا الجليل بولس المعترف رئيس أساقفة القسطنطينية – القدّيس أبينا البار لوقا الصقلي.

القدّيس أبينا البار لوقا الصقلي
هو من مدينة طورمينا الصقلية. في الثامنة والعشرين من العمر رغب إليه ذووه أن يتزوج فلم يرد لأنّه كان يفكر في الحياة الرهبانيّة. قام في احدى الليالي وفرّ إلى الجبال، أقام هناك في عشرة حيوانات البرية، دونما طعام أربعين يومًا. ظهر له ملاك من عند الربّ وأبان له الطريق الذي ينبغي عليه السلوك فيه. التحق بدير في الجوار واقتبل الأسكيم الرهباني. لكنه خرج بعد حين برفقة راهب وسلك في نسك شديد. كان لا يقتات إلا من بعض الأعشاب البرية ولا يعطي لعينيه إلا أويقات من الراحة. يسير حافي القدمين ولا يتغطى إلا بثوب وحيد ويحفظ الصلاة المستمرّة. يقال أن الربّ منّ عليه بمواهب جمّة حتّى أنّه كان يفتّق أكثر آيات الكتاب المقدّس غموضًا وكان الناس يدهشون ويتساءلون: “كيف يعرف الكتب ولم يتعلّم”.
رقد بسلام في الربّ في قرية قريبة من كورنثوس في سن الأربعين. حال وفاته سال الطيب من قبره وشهد الناس فيضًا من العجائب.

القدّيس أبينا الجليل بولس المعترف رئيس أساقفة القسطنطينية
هذا كان من مدينة تسالونيكي، وكان في بادئ أمره قسّاً في كنيسة القسطنطينية ثم سيم أسقفاً عليها، وكان رجلاً عالماً معلماً صالحاً، حسن القيام بالأمور الإلهيّة مشهوداً له بحسن السيرة والفضيلة، وكان ذا غيرة حارة جداً في المحأمّاة عن مجمع نيقية المناضل عن الاعتقاد بمساواة الابن للآب في الجوهر حتى أنه لم يكن يبالي بالموت، ولأجل ذلك قسطنديوس ابن قسطنطين الكبير إذ كان متمسكاً بمعتقد آريوس أنزله عن الكرسي مرتين، ثم نفاه أخيراً إلى مدينة قوقوسوس في أرمينية وذلك نحو سنة 351، وهناك بسعاية الآريوسيين خنقه الذين أوصلوه إلى المنفى.

الطروبارية
+ أيها الأب البار، إنَّ اعترافك بالإيمان الإلهي، جعلك بولساً آخر للكنيسة، وغيوراً في الكهنة، ودمك يهتف إلى الرب مع دم هابيل ودم زخريا الزكي، فابتهل إلى المسيح الإله أن يمنحنا الرحمة العظمى.

٥ تشرين الثاني – القدّيس الشهيد دومنينوس الحمصي ورفقته: تيموثاوس وثيوفيلوس وثيوتيموس ودوروثيوس وافتيشيس – وكرتاريوس – القدّيسين الشهيدين غالكتيون وأبيستيمي الحمصيين – القدّيس غريغوريوس المعترف بطريرك الاسكندريّة

القدّيس الشهيد دومنينوس الحمصي ورفقته
كان القدّيس دومنينوس طبيبًا حكم عليه بالأشغال الشاقة من أجل إيمانه بالمسيح واستشهد في حمص في العام 310 للميلاد. وثمَة من يقول أنّه قضى حرقًا في فلسطين. أمّا رفقته فيظن أنّهم استشهدوا بطرق شتى.
ففيما حكم على تيموثاوس وثيوتيموس وثيوفيلوس بمواجهة المصارعين حتّى الموت، دفع دوروثيوس، الشيخ الوقور، إلى الحيوانات المفترسة، وخصي أفتيشيس وكرتاريوس وسيقوا إلى مناجم الحديد في فاينو حيث قضيا ببطىء نتيجة لهيب الشمس والتعب الشديد والحرمان.
كما أسلمت ثلاث عذارى لبيت من بيوت الدعارة، وأخضع العديدون للتعذيب ممن لم يحفظ لنا التاريخ أسماءهم.

الشهيدين غالكتيون وأبيستيمي الحمصيين
عاش هذان القدّيسان في مدينة حمص أيّام الأمبراطور الروماني داكيوس وفيها استشهدا.
كان غلقتيون من عائلة وثنية ثرية حرمت ثمرة البطن زمانا إلى أن مرّ بها راهب يستعطي أسمه أونوفريوس. هذا لما رأى امارات الحزن مرتسمة على محيا المرأة، أم غلقتيون العتيدة، سألها ما بها فأجابته أنه لا ولد لها. فقال لها ان هذا بتدبير من الله حتى لا تقدّم مولودها للشياطين وأنّها ستبقى كذلك إلى ان تؤمن بالإله الحقيقي، يسوع المسيح، الذي ينادي هو به. فتحرّك قلب المرأة فبشّرها وعمّدها. وإن هي سوى فترة قصيرة حتى حبلت. وفي زمان الولادة أنجبت صبيًّا سمّته غلقتيون وأقنعت بعلها فآمن واعتمد هو أيضًا.
وكبر الصبي وبلغ العشرين فشاء أبوه بعد وفاة أمّه أن يزفّه إلى صبية تليق به. ولمّا لم يكن متمسكا بمسيحيّته كمثل زوجته اختارها وثنيّة أسمها أبيستيمي. وإذ لم تكن عادة ذلك الزمان أن يقاوم الأبناء آباءهم في مسائل الزواج، رضخ غلقتيون للأمر الواقع. لكنّه أبى أن يقرُبَ عروسه ما لم تصر مسيحيّة أوّلاً. ولمّا أبدت هي استعدادًا علّمها فآمنت واعتمدت.
وما إن مضَت على معموديّة ابيستيمي ثمانية أيّام حتى رأت في الحلم السماء مفتوحة ومجد الذين ارتضوا أن يحفظوا أنفسهم بُتُلاً من أجل الله. فلمّا أفاقت من النوم أخبرت غلقتيون بما شاهدت، فقرّر الإثنان السلوك في البتوليّة.
ثمّ أنّ موجة جديدة عنيفة ضدّ المسيحيّين ثارت في ذلك الزمان فجرى القبض على الزوجين كليهما وقدّما إلى المحاكمة. ولما ثبت للحاكم أرسوز أنهما مسيحيان متمسكان ولا سبيل لأستعادتهما إلى الوثنية أسلمهما لعذابات مروّعة. فأشبع الأثنان ضربا وجلدا ثم عرى الجند ابيستيمي وعرّضوها للهزء.كما قطعوا لسانيهما وعمدوا إلى بتر أيديهما وأرجلهما، وأخيرا ضربوا عنقيهما.فجاء أحد خدّام أبيستيمي المتنصّرين، المدعو أفتوليوس، ورفع بقاياهما ودفنهما. وهو الذي كتب سيرتهما.

القدّيس غريغوريوس المعترف بطريرك الاسكندريّة
أختير بطريركًا على الاسكندرية قيل أن ذلك تمَّ إثر علامة من الله.
امتاز بالوداعة والتواضع والرأفة والعفة كان أبًا للأيتام ومحاميًّا عن الأرامل ومرشدًا للضالين وطبيبًا للمرضى وعزاء للمحزونين. بكلمة كان غريغوريوس صورة عن الربّ يسوع المسيح: راعيًّا صالحًا ورئيس كهنة.
أوقفه عمّال المبراطور لاون الأرمنيّ لدفاعه عن الايمان القويم. سيق إلى القسطنطنيذة مغللاً.
عندما مثل أمام الأمبراطور لم يتردّد في وصفه له بالهرطوقي والكافر. اهتاج لاون لما اعتبره وقاحة لم يسبق لأحد أن واجهه بها من قبل، وأمر به فضرب بقوّة فيما كان يردّد: “مستعد أنا أن أقطع إربًا من أجل ايقونة الربّ يسوع المسيح!”.
أُرسل إلى المنفى ورقد في الربّ بعد ذلك بثلاث سنوات.

الطروبارية
+ شهيداك يا ربّ بجاهدهما نالا منك الأكاليل غير البالية يا إلهنا، أنّهما أحرزا قوّتك فحطّما المغتصبين، وسحقا بأس الشياطين التي لا قوّة لها، فبتوسّلاتهما، أيّها المسيح الإله خلّص نفوسنا.

٤ تشرين الثاني – أبينا البار ابوانيكيوس الكبير والقدّيسين الشّهيدين نيكاندرس أسقف ميراوارميوس القس.

أمّا الشّهيدان فإذ هَدَيَا إلى الإيمان بالمسيح كثيرين من غير المؤمنين وُشيَ بهما إلى لبيانيوس حاكم المدينة، فعذبهما كثيراً ثم أمر بدفنهما حيين في قبر وعلى هذه الصورة أسلما الروح في يدي الله. وأمّا البار فقد ولد في بيثنية نحو سنة 740 وكان أبوه يدعى ميرتريكس وأمه انسطاسو. فلما بلغ في السن أشده دخل في العسكرية واشتهر فيها فاستحق بشجاعته كرأمّات ملوكية ثم أنه زهد أخيراً في جميع الأمور الدنيويّة فتوجه إلى جبل أولمبس وقضى هناك بقية حياته بالنسك وقد اشتهر جداً في الفضيلة إلى أن رقد بالربّ نحو سنة 834 وله من العمر 94 سنة. وهو مؤلف الصلاة الوجيزة المعلومة وهي “الآب رجائي” إلخ…

الطروبارية
+ للبريّة غير المثمرة بمجاري دموعك أمرعت، وبالتنهدات التي من الأعماق أثمرت بأتعابك إلى مئة ضعفٍ. فصرت كوكباً للمسكونة متلألئاً بالعجائب، يا أبانا البار ايوانيكيوس، فتشفّع إلى المسيح الإله أن يخلص نفوسنا.

+ صرتَ مشابهاً للرّسل في أحوالهم وخليفةً في كراسيهم، فوجدت بالعمل المرقاة إلى الثاوريا، أيّها اللاهج بالله، لأجل ذلك تتبعت كلمة الحق باستقامة وجاهدت عن الإيمان حتى الدم أيّها الشّهيد في الكهنة نيكاندروس، فتشفّع إلى المسيح الإله أن يخلص نفوسنا.

٣ تشرين الثاني – القدّيس البار ايليا المصريّ – القدّيسين الشهداء الفرس أكبسيماس ويوسف وإيثالا – القدّيس البار أكبسيماس القورشي – تجديد هيكلّ القدّيس المعظّم في الشّهداء جاورجيوس في لدّ أي نقل جسده.

القدّيس البار ايليا المصريّ
عاش القدّيس ايليا ناسكًا في الصعيد المصريّ، فقضى سبعين عامًا بين الصخور في منطقة جرداء من الصحراء.
اقتصر طعامه على الخبز والبلح. لمّا كان شابًا كان يصوم أسابيع كاملة لا يتناول خلالها أي طعام.
أعطاه الله موهبة شفاء كلّ الأوجاع وكلّ ضعف. كان عمره مئة سنة وعشر لمّا رقد.

الشهداء الفرس أكبسيماس ويوسف وإيثالا
في أواخر العقد الرابع الميلادي (338م -340م) اجتاحت المسيحيّين في بلاد فارس موجة اضطهاد واسع النطاق كان أوّل شهدائها الشهيد رؤساء الكهنة سمعان الفارسي الذي تعيّد له الكنيسة في اليوم السابع عشر من شهر نيسان من كلّ عام. هذه الحملة امتدّت أربعين سنة وكان خاتمتها الشهداء الثلاثة الذين نعيّد لهم اليوم :أكبسيماس ويوسف وأيثالا.
ففي زمن الملك الفارسي شابور الثاني، وبالتحديد في أواخر العقد الثامن من القرن الرابع (376 -379 ) منح شيوخ المجوس سلطات واسعة خوّلتهم ملاحقة المسيحيين في كل مكان وأستعمال كافة الأساليب والوسائل اللازمة لمحو المسيحية من البلاد. الحجة في ذلك كانت ثلاثية :
أولاً :لأن المسيحيين يشكلون خطرا حقيقيا على التراث، لا سيما عبادة الشمس والنار.
ثانيًا :لأن المسيحيين يهدّدون الجنس الفارسي بالأنقراض حيث يشيّعون أن العذرية أسمى من الزواج.
ثالثًا: لأن المسيحيين يأبون الرضوخ للملك وسلطانه الشامل على رعاياه، فهم، بهذا المعنى، ثوّار متمرّدون يتهدّدون المملكة من الداخل.
لهذه الأسباب مجتمعة صدرت الأوامر، بإسم الملك، بإلقاء القبض على أكبسيماس أسقف مدينة باكا، في مقاطعة أونيتي واستيق للأستجواب. كان أكبسيماس شيخا في الثمانين من العمر وقورا، ممتلئا حسنات حيال الفقراء والغرباء،كثير الأصوام والصلوات والسجود، يذرف الدموع، على الدوام، مدرارا.فحالما ألقى الجنود عليه الأيدي بادره بعض أصدقائه مطمئنين بالقول :”لا تخف يا أبانا، سنحافظ لك على دارك” فتطلع إليهم وقال: “ليس هذا البيت بعد اليوم بيتي. فأنا لا أملك غير المسيح.هو وحده ربحي. أما الباقي فلم يعد له وجود عندي”.
وأخذ أكبسيماس إلى مدينة أربيل حيث أعترف أمام المجوس ولم ينكر أنه يكرز بالإله الواحد ويدعو الناس إلى التوبة وعبادة الخالق دون المخلوق، فأشبعوه لطما وجلدا وألقوه في سجن مظلم .
ثمّ إنه حدث في ذلك الوقت أن ألقي القبض، وللأسباب عينها، على يوسف الكاهن من بيت كاتوبا. هذا أيضا كان شيخاً ناهز السبعين من العمر. كما أمسك العسكر الشماس أيثالا من بيت نوهورا وكان في الستين من العمر. هذان أستيقا إلى مدينة أربيل أيضا حيث مثلا أمام شيوخ المجوس هما أيضا .
هدّد الحاكم يوسف الكاهن بالموت بتهمة إفساد الناس بالسحر الذي كان يمارسه، وكانم يقصد بذلك إقامة الأسرار المقدّسة، فأجاب يوسف :”نحن لا نمارس السحر بل نعلّم الناس الحقيقة لكي ينبذوا الصور التي لا حياة فيها ويعرفوا الإله الحي الحقيقي وحده “. فأردف الحاكم قائلا :”ولكن الملك وحده على حق …”، فأجابه يوسف :
“إنّ الله يحتقر الكبرياء والعظمة والغنى في هذا العالم. أجل نحن فقراء مساكين، ولكننا أرتضينا ذلك لأنفسنا طوعا.نحن نعطي الفقراء من عرق جبيننا، أما أنتم فتسرقونهم. ليس الغنى سوى وهم وخيال يزول بزوال الحياة على الأرض. وهذا هو السبب في إننا لا نتعلق به لكي نحسب أهلا للمجد الآتي”.
أثار هذا الكلام حفيظة الحاكم فأوعز إلى رجاله بمعاقبة يوسف،فأشبعوه ضربا بقضبان الرّمان الشائكة حتى جرّحوا جسمه كله.
ثمّ جيء بأيثالا فأمر بعبادة الشمس وشرب الدم وإتخاذ امرأة انفسه والأنصياع لأوامر الملك والا واحه التعذيب والموت فأبى قائلا:” خير لي أن أموت لأحيا من أن أحيا لأموت إلى الأبد”. فأخضعوه، للحال، للتعذيب. وبعدما جلدوه وحطّموا يديه ورجليه ألقوه في السجن المظلم الذي ألقي فيه أكبسيماس ويوسف.
بقي الثلاثة في السجن ثلاثة أشهر غيّر الحرمان والبرد والرطوبة والمعاناة خلالها هيأتهم حتى قيل أنه ما كان بإمكان إنسان مهما قسى قلبه أن يرى منظرهم المريع ولا ينفطر أسى عليهم. ثم بعد أستجوابات اضافية حاول المجوس خلالها تحطيم مقاومة هؤلاء المعترفين الثلاثة دون جدوى، سقط أكبسيماس صريعا تحت الضرب، فيما ألزم بعض المسيحيين برجم يوسف وأيثالا حتى الموت.
وهكذا قضى هؤلاء الشهداء الثلاثة واضعين بدمائهم حدا لتلك الحملة الشرسة التي طالت المسيحيين أربعين سنة في ذلك الزمان .

البار أكبسيماس القورشي
عاش هذا القدّيس في زمن الأمبراطور ثيودوسيوس. قد أغلق على نفسه في بيت صغير مدّة ستين سنة لا رأى ولا كلّم فيها إنسانًا واحدًا. همّه الأول والأخير خلال هذه الفترة كان حفظ ذهنه من التشتت ابتغاء لمعاينة الله كما هو من دون واسطة صورة أو خيال. حرم نفسه من كلّ تعزية جسديّة كما حمل سلاسل ثقيلة من الحديد.
كان يمد يده من النافذة ليتناول الطعام الواصل إليه، وهو عبارة عن عدس منقوع والماء كان يخرج ليلاً ليأتي به من سبيل في الجوار.
لمّا قرب وقت رحيله عرف في روحه أن أمامه خمسين يومًا ثم يغادر الأرض ففتح بابه للناس. وأتى أسقف المحلّة ورجاه أن يقبل نعمة الكهنوت من حيث هي نعمة الروح القدس، فقبل بالأمر وعاش بعد سيامته كاهنًا بضعة أيام ثم رقد بسلام ودفن بناء لطلبه في المكان الذي عاش فيه.

الطروبارية
+ بما أنّك للمأسورين محررٌ ومعتقٌ، وللفقراء والمساكين عاضدٌ وناصر، وللمرضى طبيبٌ وشافيٍ، وعن الملوك مكافح ومحاربّ، أيّها العظيم في الشّهداء جاورجيوس اللاّبس الظفر، تشفّع إلى المسيح الإله في خلاص نفوسنا.
+ شهداؤك يا ربّ بجهادهم، نالوا منك الأكاليل غير البالية يا إلهنا، لأنّهم أحرزوا قوّتك فحطّموا المغتصبين، وسحقوا بأس الشّياطين التي لا قوّة لها، فبتوسلاتهم أيّها المسيح الإله، خلّص نفوسنا.

٢ تشرين الثاني – القدّيسين أتيكوس وأفدوكس وأغابيوس ومارينوس واوسيانوس وأفستراتيوس وقبطاريوس وستيراكوس وطوبيا ورفاقهم

هؤلاء القدّيسون كانوا جنودًا في مدينة سبسطا في زمن الحاكم ليسينيوس. وكانوا يحضّون رفاقهم على الإيمان بالمسيح، ويشدّدون الخائفين من أقرانهم المؤمنين. أوقفوا واستجوبوا وأحيلوا على التعذيب، وأخيرًا أحرقوا بالنار.

الطروبارية
+ مغبوطةٌ الأرض المخصبة بدمائكم يا مجاهدي الرب، ومقدَّسةٌ المظَّال المتقبِّلة أرواحكم، لأنكم في الميدان قهرتم العدوَّ، وكرزتم بالمسيح بدالّةٍ، فنتضرَّعُ إليكم أن تبتهلوا إليه، بما أنه صالحٌ ليخلِّص نفوسنا.

١ تشرين الثاني – القديسين الصانعي العجائب والماقتي الفضة قزما ودميان وأمهما البارة ثيودوتي – القدّيس البار في الشهداء يعقوب وتلميذاه يعقوب الشمّاس وديونيسيوس الراهب – القدّيسان الشهيدان الفارسيان يوحنا الأسقف ويعقوب الكاهن المكنّى بالغيور

القديسين الصانعي العجائب والماقتي الفضة قزما ودميان وأمهما البارة ثيودوتي
“لقد جعل القدّيسان رجاءهما كلّه في السماوات، فكنزا لهما كنزا لا يسلب، فإنهما أخذا مجانا فيمنحان الأشفية للمرضى مجانا، اتّبعا قول الأنجيل فلم يقتنيا فضّة ولا ذهبا، بل كانا يمنحان إحساناتهما للناس والبهائم حتى يكونا خاضعين للمسيح في كلّ الأحوال، وهما الآن يتشفّعان بدالّة في نفوسنا” .
هذا ما تنشده الكنيسة يوم عيد القدّيسين قزما ودميان، في صلاة المساء، موجزة سيرتهما في المسيح ومبيّنة الركائز التي على أساسها نسألهما الشفاعة لدى الرب الإله.
لا نعرف الكثير عن هذين القدّيسين رغم الإكرام الواسع الذي لقياه في الشرق والغرب معا ورغم كثرة الكنائس التي شيّدت على اسميهما على مدى العصور.
كان موطنهما ناحية من نواحي أفسس في آسيا الصغرى. وثمّ من يقول أنهما ولدا في بلاد العرب .كان أبوهما وثنيا وأمهما مسيحية اسمها ثيودوتي. وقد توفي الأب وولداه بعد صغيران فربتّهما والدتهما على المسيحية وأحسنت حتى التصق اسمها بإسمي ولديها كأم بارة في الكنيسة.
تلقن قزما ودميان جملة من معارف ذلك الزمان وعلومه فبرعا فيها. لكن تنشئة أمهما لهما على حياة الفضيلة ما لبثت أن جعلتهما يفطنان إلى بطلان الفلسفة وحكمة هذا الدهر إزاء حكمة المسيح فاستصغرا المعارف العالمية النظرية ورغبا في التملؤ من محبة المسيح ولسان حالهما ما قاله الرسول بولس إلى أهل فيليبي :”. . .كل ما كان لي من ربح اعتبرته خسارة من أجل المسيح، بل أني أعتبر كل شيء خسارة من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربّي ، فمن أجله تحمّلت خسارة كل شيء وأعتبر كل شيء نفاية لكي أربح المسيح ويكون لي فيه مقام”
(3 :8 – 9) وقد أفضى بهما هذا اليقين إلى الإقبال على الطب بنية تسخير العلم للمسيح وخدمة الكلمة والعناية بالمريض. فانكبا على الدرس والتحصيل حتى برعا، بنعمة الله، أي براعة.
وبالإيمان ومحبة المسيح والطب فُتح لهذين المجاهدين باب عريض على الخدمة وتمجيد الله. فكان دأبهما رعاية المرضى، بالمّجان عملا بالقول الإلهي :”مجانا أخذتم مجانا أعطوا”
(متى 10: :8) وقد سلكا في ذلك في حرص شديد حتى ليقال أن قزما خاصم أخاه دميان مرة خصاما شديدا لأنه تلقى ثلاث بيضات من امرأة كانت مريضة فأبرأها.
إلى ذلك سلك الأخوان في العفة والفقر خاضعين للمسيح في كل حال. وقد امتدت عنايتهما بالمرضى إلى البهائم لأنها هي أيضا من إبداع الله وتحت الألم.
واستمرّ قزما ودميان على هذا المنوال زمانا سخرا خلاله الأعشاب والأدوية وكل فكر وجهد محبة بالقريب فرضي الله عنهما ومنّ عليهما بنعمة الشفاء بكلمة الإيمان واللمس على منوال الرسل.
من ذلك الوقت أضحت الصلاة واسم الرب يسوع وحده الدواء الشافي لكل مرض أو عاهة تعرض لهذين القدّيسين. فتقاطر عليهما الناس من كل صوب يسألون السلامة. وكان كل قاصد لهما يحظى بالتعزية والبركة والشهادة لاسم الرب يسوع .
ثابر هذان الخادمان على عمل الله، دونما كلل، طويلا، وكانا يتجدّدان أبدا في الصلاة والصبر والاتضاع والتماس رضى العلي إلى أن رقدا في الرب ودفنا في موضع يعرف بالفرمان. وقد شيّدت فوق ضريحهما كنيسة لم ينقطع سيل المتدفقين عليهما جيلا بعد جيل، السائلين شفاعة القدّيسين، النائلين برفاتهما بركة الشفاء من عاهات النفس والجسد. أما كيف رقدا فغير معروف تماما. ففيما يؤكد بعض المصادر أنهما أستشهدا في زمن الأمبراطورين الرومانيين ذيوكليسيانوس ومكسيميانوس عام 303 للميلاد، تميل مصادر أخرى إلى القول بأنهما رقدا بسلام دون أن تعطي لذلك تاريخا محددا .

البار في الشهداء يعقوب وتلميذاه
ولد يعقوب في كنف عائلة فقيرة في ناحية كستوريا نشأت على التقوى. تيتّم في سن مبكّرة واضطر إلى العمل كأجير في رعاية الأغنام ليردّ عن نفسه شبح الموت جوعًا. بارك الله سعيه فأصاب في وقت قصير نجاحًا كبيرًا حتّى أصبح من أصحاب الثروات مما أثار حسد أخيه فاتهمه لدى الأتراك بأنّه وقع على كنز في الأرض، فاضطر إلى التواري والتجأ إلى مدينة القسطنطنيّة حيث عاش فقيرًا لبعض الوقت.
تعرّف على أحد البكوات الأتراك الذي مدح الإيمان المسيحي، فقرّر نتيجة ذلك الانصراف إلى الحياة الرهبانيّة فوزّع ماله على الفقراء وسافر إلى جبل آثوس وترهّب هناك، حيث قضى ثلاث سنوات، وتنسك بعدها في موضع خرب حيث قيل أنّه صارع الشيطان ست سنوات متتالية وتمكّن بنعمة الله من التخلّص من الشياطين.
ثم أن الله عزّى قلبه بشاب مجدّ جاء يشاركه الحياة النسكيّة تلميذًا، وكان لا يتناول إلا كسرة من الخبز كلّ يوم، أمّا لياليه فاعتاد قضاءها في الصلاة قوامًا.
حاز بناء لطلب رهبان الجبل المقدّس على إذن يسمح له بقبول الاعترافات مع أنّه لم يكن كاهنًا ورغم أميّته فإنّ قدرته على الإفراز حتّى في القضايا البالغة التعقيد كانت مميّزة. كان ممتلئًا حبًّا لكنّه صارمًا متطلّبًا لا سيما مع الكهنة. كان يعقوب ينتقل من دير إلى دير ينشر تعليمه النورانيّ ويصلح النسّاك المستكبرين مشجعًا المتهاونين ومساعدًا الخجلين من كشف خطاياهم بكشفها لهم وتحريرهم من وطأتها عليهم.
ترك القدّيس الدير والتجأ إلى البرية في الجبل المقدّس لينعم بأطايب الوحدة والسكون لبعض الوقت. جاءه ملاك الربّ يومًا وقدّم إليه ثلاث خبزات سوداء ليأكلها فعرف أن الربّ يدعوه إلى الاستشهاد.
ثم ترك الجبل واتجه إلى الميتيورة الغنية بالأديرة، ذاع صيت عجائبه ومواهبه فأوغر بعض الحساد صدر الأسقف أكاكيوس فوشى به لدى الحاكم التركي فأوفد الجنود وقبض عليه مع اثنين من تلاميذه، يعقوب الشمّاس وديونيسيوس المتوحّد.
استجوب الحاكم القدّيس يعقوب فلم يجد عليه ذنبًا، مع ذلك ألقاه في السجن آملاً منه أن يقدّم مالاً لقاء إفراجه عن الموقوفين، لكن الأمور تعقّدت فتعرّض هو وتلميذاه للتعذيب ثم سيق الثلاثة إلى المشنقة ونفذ فيهم حكم الإعدام بعد ذلك بقليل.

القدّيسان الشهيدان الفارسيان يوحنا الأسقف ويعقوب الكاهن
قضى هذان القدّيسان في أيام الملك شابور الثاني الطاغي.
نشرا الإيمان واجتذبا الكثيرين، وعذّبا وقطعت هامتهما في بيت لابات.
وقيل فيما كان يوحنّا يصلي قبل ذلك بسبعة أيام ويسأل الله أن ينعم عليه ببركة الاستشهاد، إن ملاكا حضره في الحلم قائلاً “أنعم بما طلبت. اقتن ما تمنيّت!”.

الطروبارية
+ لقد منحتنا عجائب قدّيسيك الشهداء سوراً لا يُحارب أيّها المسيح الإله، فبتوسّلاتهم شتّت مشورات الأمم، وأيّد صوالج المملكة، بما أنّك صالح وحدَك ومحبّ للبشر.

GoCarch