Notice: Function _load_textdomain_just_in_time was called incorrectly. Translation loading for the wp-migrate-db domain was triggered too early. This is usually an indicator for some code in the plugin or theme running too early. Translations should be loaded at the init action or later. Please see Debugging in WordPress for more information. (This message was added in version 6.7.0.) in /home3/gocarch9/public_html/wp-includes/functions.php on line 6131

Notice: Function _load_textdomain_just_in_time was called incorrectly. Translation loading for the wp-pagenavi domain was triggered too early. This is usually an indicator for some code in the plugin or theme running too early. Translations should be loaded at the init action or later. Please see Debugging in WordPress for more information. (This message was added in version 6.7.0.) in /home3/gocarch9/public_html/wp-includes/functions.php on line 6131
Sermons – GoCarch

العائلة المسيحيّة – البطريرك اغناطيوس الرابع

العائلة المسيحيّة *

البطريرك أغناطيوس الرابع

        في الكتاب المقدس نجد التعابير العائلية مبثوثة من أوله وحتى آخره فنسمع كثيراً بكلمة أخ وكثيراً بكلمة ابن وكلمة أب وكأن الصورة العامة التي سنعطيها للمجتمع البشري هي الصورة التي تعطى عادة في الأسرة والتي يعتبر فيها كل عضو مرتبطاً بالآخر.

وفي أساس تفكيرنا بالأسرة نظرتنا إلى الله. فالله في نظرنا أب وابن وروح قدس. وألفت النظر بصورة خاصة إلى كلمة الأب وكلمة الابن. فمن ناحية نعبّر عن تعدديتهما ومن ناحية أخرى عن وحدتهما. هذا يصح أيضاً عن الروح القدس. ولكن هذا ليس موضوعنا الآن. المقصود هو أن الواحد يستمد وجوده من الآخر وأن هذا الوجود غير مستمد اصطناعياً. إذن نحن ندل بكلمة الأب والابن على الوحدة العميقة التي تربط الواحد بالآخر.

الأسرة عندنا هي الوحدة الاجتماعية التي تتصف بأنها ليست فقط على سبيل الاتفاق ولكن على سبيل الحياة العضوية. من هنا، الشخص الذي يتزوج لا يتفق فقط مع شخص آخر ولكنه يعطي للشخص الآخر  والشخص الآخر يعطيه ويصبح ممنوعا التكلم عن كل واحد بمفرده. الشخص الذي ينضم إلى الأسرة يصبح هو منها وهو لا يُميَّز عنها.

من هنا، الزواج ليس شيئاً خارجياً ولكنه أمر داخلي. وهذا هو الذي يجعل العائلة واحدة. وهذا مستقل عن فردية الشخص، مستقل عن مزاج كل شخص وفي النهاية مستقل حتى عن عاطفة كل شخص. الزواج إذن ليس قضية عاطفية. الحب هو الشعور العاطفي ولكن كما أن كل حب لا يؤدي حتماً إلى الزواج فإن الحب لا يرافق كل زواج مدى العمر.

والذي يثَبِّت الزواج هو الوجود الإلهي بين الشخصين وإذا غاب العنصر الإلهي لم يبق شيء ثابتاً على الإطلاق في العائلة. لأنه لا شيء في الإنسان يبقى كما هو في كل الأعمار وفي كل الأطوار، ولهذا السبب نصرّ على وجود ثلاثة عناصر: الرجل، المرأة والكنيسة لأنه بدون الكنيسة يمكن للرجل والمرأة أن يعيشا حياة طويلة معا دون أن يكونا زوجين. ومن هذه الزاوية نحن لا نقبل الزواج المدني لأن العنصر الثالث فيه مفقود في نظرنا. وهذا يجعلنا نرى الخلافات العائلية تُحل على أساس الثلاثة معاً، لا على شيء يخص المرأة فقط ولا على شيء يخص الرجل فقط ولكن على شيء يخص الكنيسة والرجل والمرأة في آن. ومن هنا اهتمامنا بوجود الروح القدس بين الرجل والمرأة.

وكما قلت سابقاً، هذا هو العنصر الذي يجعل الحياة الزوجية دائمة. وإذا كنا نبشر العائلات بضرورة وجود العنصر الإلهي في المنـزل وفي نفوسهم، فنحن إنما نبشرهم بالشيء الذي يثبّت الأسرة في بيوتهم. ونحن نعرف أن الروح الإلهي كما جاء في العهد القديم يتصف أولاً بأنه عطاء وثانياً بأنه مجاني. العطاء المجاني هو الصفة التي أُعطيناها في عملية الفداء . في البيت، وفي العائلة، عندما يتغير الموقف بين الزوجين من العطاء المجاني إلى المحاسبة والمطالبة تبدأ المشاحنات لأنه بدل أن يريا أنفسهما يعملان من أجل التعاون يأخذ كل واحد في البحث عما له كفرد وليس كعضو في هذه العائلة وبالتالي لا يطيع الإرادة الإلهية التي ظهرت في العطاء المجاني. وفي هذه الناحية ليس من الضرورة أن يكون الشخص الآخر مستحقاً حقوقياً أن نقدم له، لأن واجب العطاء في العائلة هو عطاء مطلق والغاية هي الأسرة وليس الشخص.

والآن لنلفت إلى الثالوث الأقدس. الآب يتجه نحو الابن، والابن يتجه نحو الخليقة. في العائلة يحدث الشيء ذاته. الأب والأم يتجهان نحو الابن. من هنا تصبح أربعة عناصر في العائلة: الكنيسة، الأب، الأم و الابن. وما هو خير للعائلة خير للعناصر الأربعة وليس لواحد فقط. ويصبح الخطر كبيراً عندما يستأثر الأشخاص ببعض الأمور ويتناسون الباقين. ونحن نفهم أن الأب والأم عندما يقبلان بالأبوّة والأمومة يفرغان ذاتهما في الابن ويصبحان في خدمته وليس العكس، ويضحيان في سبيله وليس العكس، وتصبح غايتهما في العيش ليس إرضاء الواحد الآخر فقط ولكن إرضاء الشخص الذي هو ابنهما. إجمالاً عندما تبحث قضايا العائلة تبحث بين الرجل وزوجته ولا يؤخذ الأولاد كفاية بعين الاعتبار. نحن في الكنيسة نأخذ هذا الموضوع بعين الاعتبار ولا نقبل بأن يكون الأولاد ضحية البالغين ومزاجاتهم.

هذه بعض الخطوط الكبرى التي جعلتنا ننظم قوانين الزواج من جديد في الكرسي الأنطاكي. ما يُطلب من المرأة يُطلب أيضا من الرجل من حيث الأمانة الشخصية والعفة الشخصية وتُتَّخذ نفس المقاييس للشخصين. كانت الأنظمة القديمة منذ عهد يوستينيان تضع ما هو للمرأة في صفحة وما هو للرجل في صفحة أخرى. ونحن، لكي نؤكد على المساواة في المسؤولية بين الرجل والمرأة، وضعنا الكل في صفحة واحدة كما قررنا أنه بعد الزواج يصبح كل شيء مشتركا بين الرجل والمرأة و الأولاد. وقلنا إن كل النتائج يجب أن تشمل كل أعضاء العائلة. ذلك لأننا نشعر في هذا العصر بأن البعض يتصرف وكأن الدنيا كلها يجب أن تكون خاضعة لهم.  هذا لا تحبذه الكنيسة. الكنيسة شركة والأسرة شركة مع الكل والكل مع الواحد. ولذلك لا نقبل الاتفاق بين رجل وامرأة من أجل فسخ الزواج لأننا نعتبر هذا مؤامرة على السر الإلهي لأنهما يتناسيان أن العنصر الثالث الذي هو الكنيسة لم يؤخذ بعين الاعتبار. والكنيسة تحدث الزواج ولا تشهد عليه فقط ولهذا يجب أن تُسأل في هذه الحقل. هذا ينسجم كليا مع التراث الرسولي كما ورد في رسائل القديس أغناطيوس الأنطاكي ـ وهو كما تعلمون توفي في أواخر القرن الثاني ـ قال: يجب أن يفعل المؤمنون كل شيء أمام الأسقف وأن يفعلوا كل شيء من أجل المسيح. إذن أنتم ترون الوجه الجماعي للعائلة. وقال الآباء أيضا إن العائلة هي الكنيسة المصغّرة لأن فيها يرى الطفل خليقة الله، يراها في أمه وأبيه واخوته. وكل الناس يعرفون أن النواة الأولى لشخصية الطفل تنمو في العائلة. إذن هناك ينشأ إيمانه وكفره وكل شيء. هذا يجعل العائلة جماعة مسؤولة. وعندنا الشعور اليوم أن العائلات تستعفي شيئاً فشيئاً من مسؤولياتها وصار عندنا التباس بين الاستعفاء من التدريس والاستعفاء من التربية وذلك بسبب وجود المدارس. المدارس وجدت أولا للتدريس وبعدئذ للتربية ولكن العائلة وجدت أصلاً للتربية بالدرجة الأولى.

يسعدنا أن المدارس أصبحت اليوم تعي ضرورة وجود الأهل. وأن التعاون بين المدرسة والأسرة هو تعاون ضروري. الواقع أنه على الأمهات والآباء أن يعرفوا أن أولادهم يلاحظون كل كلمة وكل حركة منهم. إنهم يلاحظون حتى النظرة من الواحد للآخر، وهذه ناحية من النواحي التي تستدعي تضحية من الآباء والأمهات. أمام الأولاد فلا يمكنك أن تعيش لنفسك يجب أن تعيش لهم. ولكي تربي الأولاد يجب أن تربي نفسك قبل كل شيء.

* كوردوبا، الأرجنتين، الثلاثاء 23/10/1984

رسالةٌ إلى السّماء

– إنّي تعبتُ من التّنهّدِ و الدّموعْ
فبأيِّ وجهٍ ألتقي بكَ يا يسوعْ؟!!
– أحتاجُ أنْ أُلقي برأسيَ آمناً
و لكمْ يطيبُ السَّهو ما بينَ الضّلوعْ
– إنّي تعبتُ من الأنامِ جميعِها
و خبا يجالسُ وحدَتي ضوءُ الشّموعْ
– قدْ ضاعَ مفتاحُ السّلامِ بداخلي
فامسكْ يديَّ و دُلّني دربَ الرُّجوعْ
– نيري على كتفي ثقيلٌ هدَّني
طوراً أقومُ و تارةً أبكي الوقوعْ
– ربّي تجلّى في النّفوسِ فليسَ يغ
سلُ عتمَها إلا أعاجيبَ السّطوعْ
– خُذني إليكَ فإنّني كمْ أشتهي
بعضَ التَّنفُّسِ في دياركَ و الرُّبوع..
– إنّي سئمتُ من البقاءِ بكوكبٍ
سمّاهُ قدّيسوكَ وادٍ للدُّموعْ
– فإليكَ قلبيَ قدْ جثا مُتَضرِّعاً
و الفكرُ يسجدُ و النَّواظرُ في ركوعْ
– يا كرمةً فاضَتْ حياةً إنّني
ظمآنةٌ فارفقْ بأوصالِ الفُروعْ…

# ريما سوسة – حماه#

نبذة عن عيد الأب

يوم الأب (بالإنجليزية:Father’s Day) هو احتفال عالمي اجتماعي، يُشبه يوم الرجال الدولي، باستثناء أنه يختص لتكريم الآباء، ويتم الاحتفال به في أيام مختلفة في أنحاء العالم. ,تحتفل بهذا اليوم العديد من الدول الغربية ولا تحتفل به الدول العربية ونادراً ما تحتفل به الدول الاسلامية، ولكن شُهرة هذا اليوم أكثر انتشاراً في غيرها من البلدان، حيث تم تحويله ليوم ديني في بعض منها. وفي البلدان الكاثوليكية يُحتفل بعيد الأب منذ القرون الوسطى في 19 آذار/مارس حيث يوافق عيد القديس يوسف النجار. وقد تم الحفاظ على تاريخ 19 مارس في بعض البلدان، حيث أصبح تقليداً موروثاً، وخصوصاً في أميركا اللاتينية، بعد أن جاء به الغزاة الأسبان والبرتغاليون، فيما تبنت غيرها من البلدان عيد الأب المعتمد في الولايات المتحدة الأميركية، والذي يوافق ثالث يوم أحد من شهر حزيران/يونيو. تم إنشاء واحدة من الاحتفالات الأولى للآباء في عام 1912 في الولايات المتحدة.
تُعبِّر فيه شعوب كثيرة في الغرب عن عرفانها بالجميل وتقديرها للآباء بتقديم الهدايا وبطاقات التحية. يأتي يوم الأب في المملكة المتحدة، والولايات المتحدة وكندا، في ثالث يوم أحد من شهر يونيو (03 أحد-06). وفي أستراليا، يُحتفل به عادة في أول يوم أحد من شهر سبتمبر.

وأول من جاءته فكرة تخصيص يوم لتكريم الأب هي سونورا لويس سمارت دود (Sonora Louise Smart Dodd) ،من سبوكِين بولاية ميتشيجان بالولايات المتحدة في عام 1909م، بعد أن استمعت إلى موعظة دينية في يوم الأم. أرادت سونورا أن تكرم أباها وليم جاكسُون سمَارت. وكانت زوجة سمارت قد ماتت عام 1898م، وقام بمفرده بتربية أطفاله الستة. ولذلك قدمت دَود عريضة تُوصي بتخصيص يوم للاحتفال بالأب، وأيدت هذه العريضة بعض الفئات. وتتويجا لجهود سونورا دود احتفلت مدينة سبوكين بأول يوم أب في 19 يونيو(جوان) عام 1910م، وانتشرت هذه العادة فيما بعد في دول أخرى

احتفال جوجل بيوم الأب
احتفل مُحرك البَحث جوجل بيوم الأب في أنحاء مُختلفة من العالم وفقاً للتواريخ التالية:
• 5 يونيو 2016 في سويسرا وَليتوانيا.
• 12 يونيو 2016 في النمسا.
• 17 يونيو 2016 في السلفادور وَغواتيمالا.
• 19 يونيو 2016 في دُول مُتعددة ما عدا الدُول العَربية
• 21 يونيو 2016 في جميع الدُول العَربية ما عدا فلسطين وسوريا واليمن وَموريتانيا وَالسودان وَالصومال وَجيبوتي.
• 23 يونيو 2016 في بولندا وَنيكاراغوا.
• 31 يوليو 2016 في جمهورية الدومينيكان.

 

المصدر: ويكيبيديا، الموسوعة الحرة

شرح صلوات أسبوع الآلام – للأب الكسندر شميمن / ترجمة: الأب ابراهيم سروج

شرح صلوات أسبوع الآلام

بداية الصليب: سبت العازر

(بعد إتمامنا الأربعين يوماً… نطلب أن نرى أسبوع آلامك المقدس). مع هذه الكلمات التي نرفعها في غروب الجمعة من أسبوع الشعانين, ننهي الصوم وندخل في التذكار السنوي لآلام المسيح وموته وقيامته. يبدأ هذا التذكار بسبت العازر. تصف الطقوس العيد المزدوج لقيامة العازر ودخول السيد إلى أورشليم كبداية الصليب, ولذا علينا أن نفهمه في إطار الأسبوع العظيم تؤكد الطروبارية المشتركة لهذه الأيام أنه (بقيامة العازر من بين الأموات يحقق المسيح القيامة العامة) : إنه ليعني لنا الشيء الكثير أن الكنيسة تقودنا بواحد من أعيادها الاثني العشر الكبيرة إلى ظلمة الصليب. النور والفرح لا يشعان فقط في نهاية الأسبوع العظيم. بل في بدايته أيضاً. إنهما ينيران الظلمة نفسها ويكشفان معناها العميق.

كل الذين يألفون الطقوس الأرثوذكسية (أي الصلوات) يعرفون الطابع الخاص والمفارق تقريباً لخدم سبت العازر, إنه أحد, أي خدمة أحد في يوم سبت مخصص عادة لتذكار الموتى. والفرح الذي يتخلل هذه الخدم يشدد على الموضوع الرئيسي: انتصار المسيح القريب على الجحيم. الجحيم هو التعبير الكتابي للموت بقوته العالمية, للظلمة, للإبادة التي لا مفر منها والتي تبلع كل حياة وتسمم بظلها العالم كله. أما الآن فقد بدأ الموت يرتعد مع قيامة العازر التي بها يبتدئ النزال الحاسم بين الحياة والموت والتي تعطينا المفتاح لكل سر الفصح الليتورجي.

سمي سبت العازر في الكنيسة الأولى (إعلان الفصح) : إنه يعلن ويستبق بالحقيقة يوم القبر المحيي, أعني يوم القيامة بنوره الساطع وسلامه الدافئ.

لنفهم أولاً, أن العازر صديق المسيح, يمثل العالم كله وكل إنسان, وبيت عنيا, بيت الإنسان العازر, ترمز إلى الكون كله كبيت للإنسان. ذلك لأن كل إنسان خلق صديقاً لله ودعي لصداقة إلهية: معرفة الله, الاتحاد به ومشاركة الحياة معه: (به كانت الحياة والحياة كانت نور الناس) (يو4:1) ومع ذلك هذا الصديق الذي أحبه الله, وبمحبة خلقه أي دعاه للحياة, قد تهدم وانعدم بقوة لم يخلقها الله وهي الموت. الله يجابه, في عالمه بالذات, قوة تهدم عمله وتعدم تصميمه وما العالم إلا حزن ونواح, دموع وموت. كيف يكون هذا ممكناً ؟ وكيف حصل ؟ هذه هي الأسئلة التي يلمح لها يوحنا في وصفه البطيء والتفصيلي لمجيء يسوع إلى قبر صديقه. ولما وصل (بكى يسوع) (يو35:11). لماذا يبكي وهو يعرف أنه بلحظة سيعيد العازر إلى الحياة ؟ إن واضعي الترانيم البيزنطية فشلوا في إدراك المعنى الحقيقي لهذه الدموع. إنهم ينسبونها لطبيعة المسيح البشرية بحيث أن قوة القيامة تخص الله فيه. ولكن الكنيسة الأرثوذكسية تعلم أن أعمال المسيح كلها (هنسانية) أي إلهية وإنسانية وكلها صادرة عن الإله الإنسان الواحد, عن ابن الله المتجسد نفسه. ليس الذي يبكي إنساناً وحسب ولكنه إله أيضاً, وليس الذي يدعو العازر من القبر إلهاً وحسب بل إنساناً أيضاً ولذا فدفوعه إلهية أيضاً. المسيح يبكي لأنه يتأمل انتصار الموت والخراب في العالم الذي خلقه الله. (قد أنتن) قالت مرتا, أخت العازر, محاولة أن تمنع يسوع من الاقتراب إلى الجثة وهذا التحذير الشنيع ينطبق على العالم كله وعلى كل حياة. الله هو الحياة ومعطي الحياة. لقد دعا الإنسان إلى حقيقة الحياة الإلهية وهاهو (قد أنتن)… وقد خلق العالم ليعكس ويعلن مجد الله وها هو (قد أنتن). عند قبر العازر يجابه الله الموت, نقيض الحياة, إنه يلاقي عدوه الذي أخذ منه عالمه وأصبح رئيسه. ونحن الذين نتبع المسيح مقترباً من القبر نأتي معه إلى (ساعته), ساعة الصليب, التي أعلنها مراراً كقمة كل أعماله وكمالها. إن أقصر آية في الإنجيل (ودمع يسوع) تعلن الصليب وضرورته ومعناه الكوني… نحن نفهم الآن أن المسيح ببكائه أي بتعبيره عن محبته لالعازر صديقه يملك سلطة دعوته إلى الحية ثانية. إن قوة القيامة ليست قوة إلهية بحد ذاتها ولكنها قوة المحبة أو بالأحرى المحبة هي الحياة, والمحبة تخلق الحياة. إنها المحبة التي تبكي عند القبر. إنها المحبة التي تعيد الحياة. هذا هو معنى دموع المسيح الإلهية. فيها تعود المحبة إلى العمل خالقة من جديد, فادية ومُحيية حياة الإنسان المظلمة: (العازر هلم خارجاً)… لهذا السبب سبت العازر هو بداية الصليب كأسمى تضحية للمحبة وبداية القيامة كقمة انتصار المحبة.

(المسيح الذي هو الحق وفرح الكل. والنور والحياة. وقيامة العالم, ظهر بصلاحه للذين على الأرض. وصار رسماً للقامة فاتحاً للكل غفراناً إلهياً). قنداق سبت العازر.

أوصنّا أحد الشعانين

إن سبت العازر هو من الناحية الطقسية سابق ـ عيد الشعانين أي دخول السيد إلى أورشليم. للعيدين موضوع مشترك: نصر وظفر. السبت يكشف العدو الذي هو الموت. والشعانين تعلن معنى الظفر كنصر ملكوت الله, كاعتراف العالم بملكه الوحيد يسوع المسيح. إن دخول المسيح الجليل إلى المدينة المقدسة كان النصر الوحيد المنظور في حياته. حتى ذاك اليوم كان يرفض بثبات كل محاولة لتمجيده. ولكن قبل ستة أيام من الفصح لم يقبل أن يُمجّد وحسب ولكنه نفسه حرض على التمجيد ودبّر له. لقد أوضح المسيح بعمله ما أعلنه النبي زكريا (هوذا ملكك يأتيك صديقاً مخلصاً وديعاً راكباً على حمار وجحش ابن أتان) (زكريا9:9) إنه أراد أن يُعترف ويُنادى به مسيا وملكاً وفادياً لإسرائيل. والإنجيلي يشدد أيضاً على كل هذه الملامح المسيانية: السعف, الأوصنّا, والهتافات للمسيح كابن داود وملك إسرائيل. تاريخ إسرائيل يأتي الآن إلى تمامه وهذا هو معنى الحدث. لأن القصد من ذاك التاريخ كان أن يعلن ويهيئ ملكوت الله ومجيء المسيا. والآن قد تم لأن الملك يدخل مدينته المقدسة وفيه تتم النبوءات والانتظارات كلها. إنه يدشن مملكته.

إن خدم أحد الشعانين تقيم تذكار هذا الحدث. عندما نحمل سعف النخل بأيدينا نتماثل بشعب أورشليم ونحيِّي معهم الملك الوديع مرنمين أوصنّا له. ولكن ما معنى هذا اليوم لنا ؟

يعني أولاً اعترافنا بالمسيح كملكنا وربنا. نحن غالباً ما ننسى أن مملكة الله قد بدأت وأننا في يوم معموديتنا قد أصبحنا مواطنين فيها ووعدنا أن نضع الولاء لها فوق أي ولاء آخر. علينا أن نتذكر دائماً أنه لبضع ساعات كان المسيح بالواقع ملكاً على الأرض وفي عالمنا هذا وفي مدينة واحدة. ولكن كما أدركنا في العازر صورة كل إنسان. علينا أيضاً أن نرى في هذا المدينة الواحدة المركز السري للعالم وبالواقع للخليقة كلها. لأن هذا هو المعنى الكتابي لأورشليم المركز الرئيس لتاريخ الخلاص والفداء كله, المدينة المقدسة لمجيء الرب. إذاً المملكة التي ابتدأت في أورشليم هي مملكة عالمية تضم في أبعادها كل الناس وكل الخليقة… لبضع ساعات, ومع ذلك كانت الوقت الحاسم, ساعة المسيح الجوهرية, ساعة إنجاز الله لمواعيده وكل تدبيره. إنها نهاية كل عملية التحضير المعلنة في الكتاب, نهاية كل ما صنع الله للإنسان. هكذا تلك الساعة القصيرة لانتصار المسيح الأرضي تأخذ معنى أبدياً. إنها تدخل حقيقة الملكوت في زمننا, في كل ساعاتنا, فتعطي لزمننا معناه وتوصله إلى غايته القصوى. لقد أعلن الملكوت في هذا العالم من تلك الساعة وحضوره يدين ويحول التاريخ البشري كله. وفي أكثر احتفالاتنا الطقسية مهابة, عندما نستلم من الكاهن غصن زيتون, نجدد القسم لملكنا ونقر بمملكته أنها جوهر حياتنا وغايتها القصوى. نقر أن كل شيء في حياتنا وفي العالم يخص المسيح ولا شيء يمكن أن يُقطع من مالكه الحقيقي الوحيد. نقر أنه ليس من طريق في الحياة لا يملك فيه المسيح ليخلص ويفدي. ونعلن مسؤولية الكنيسة الكلية والعالمية عن تاريخ الإنسانية وندعم رسالتها الكونية.

ولكننا نعرف أن الملك الذي هتف له اليهود والذي نهتف له اليوم هو في طريقه إلى الجلجلة, إلى الصليب وإلى القبر, إننا نعرف أن هذا النصر القصير ما هو إلا مقدمة لذبيحته. الأغصان التي في أيدينا إذاً تشير إلى إرادتنا واستعدادنا أن نلحق به على طريق التضحية, تشير إلى قبولنا التضحية ونكران الذات كالطريق الأساسي إلى ملكوته.

وأخيراً هذه الأغصان وهذا الاحتفال يعلنون إيماننا بنصر المسيح النهائي, إن ملكوته ما زال مستتراً والعالم يجهله. العالم يعيش وكأن الحدث الحاسم لم يحدث وكأن الله لم يمت على الصليب وكأن الإنسان فيه لم يقم من بين الأموات. ولكننا نحن المسيحيين نؤمن بمجيء الملكوت الذي فيه سيكون الله الكل في الكل والمسيح الملك الأوحد.

إننا نتذكر في احتفالاتنا الطقسية حوادث الماضي. ولكن المعنى العميق للخدم وقوتها أنها تحول التذكر إلى حقيقة. هذه الحقيقة, في أحد الشعانين, هي انخراطنا والتزامنا في ملكوت الله. المسيح لا يدخل فيما بعد مطلقاً إلى أورشليم. إنه دخلها مرة واحدة وهو لا يحتاج أي (رموز, لأنه لم يمت على الصليب قط لنجعل حياته رمزاً). إنه يريد منا قبولاً حقيقياً للملكوت الذي جبله لنا… إذا كنا غير مستعدين لنجدد القسم الجليل في أحد الشعانين من كل سنة, إذا كنا غير مريدين أن نجعل من ملكوت الله مقياساً لحياتنا كلها, باطل هو تعييدنا وباطل هو أخذ السعف من الكنيسة إلى بيوتنا.

الاثنين, الثلاثاء, الأربعاء: النهاية

هذه الأيام الثلاثة التي تسميها الكنيسة عظيمة ومقدسة لها ضمن التطور الطقسي في أسبوع الآلام قصد واضح ومحدد. إنها تضع احتفالاتها كلها في منظار النهاية وتذكرنا بالمعنى الأخروي للفصح. غالباً ما نعتبر أسبوع الآلام واحداً من (التقاليد الجميلة) أو (العادات), (جزءاً) بديهياً من تقويمنا. إننا نأخذه كشيء مسلم به, ونتمتع به كحدث سنوي لطيف (حفظناه) منذ طفولتنا, نعجب بجمال خدمه وأبهة طقوسه كما نعجب أخيراً وليس بأهمية أقل بالهرج والمرج بخصوص وليمة الفصح… وعندما نعمل كل هذه, نعود إلى حياتنا العادية ولكن هل نفهم أنه عندما رفض العالم مخلصه, عندما طفق يسوع يرتاع ويكتئب… وكانت نفسه حزينة حتى الموت (مرقس33:16- 34) وعندما مات على الصليب إن (الحياة العادية) انتهت وأصبحت غير ممكنة. لأنه كان هناك أناس (عاديون) صرخوا (أصلبه) وبصقوا عليه وسمروه على الصليب, وكرهوه وصلبوه بالضبط لأنه أزعج حياتهم العادية. لقد كان العالم بالواقع (عادياً) جداً مفضلاً الظلمة والموت على النور والحياة… بموت المسيح, العالم (العادي) والحياة (العادية) أدينتا إلى الأبد. أو بالأحرى أظهرا طبيعتهما الحقيقية غير العادية. وأظهرا عجزهما عن اقتبال النور, وقوة الشر المخيف الذي فيهما. (الآن هي دينونة هذا العالم) (يو31:12) لقد عنى فصح المسيح نهاية (هذا العالم) ومنذئذ كانت نهايته. هذه النهاية قد تدوم إلى مئات القرون, ولكن هذا لا يغير طبيعة الزمن الذي فيه نعيش ك (الزمن الأخير). (إن هيئة هذا العالم تزول). (1كو 31:7).

الفصح يعني العبور. وكان الفصح عند اليهود التذكار السنوي لتاريخهم كله كخلاص, كعبور من عبودية مصر إلى الحرية, من السبي إلى أرض الموعد. لقد كان هذا استباقاً للعبور الجوهري إلى ملكوت الله. والمسيح كان كمال الفصح. المسيح هو الذي حقق هذا العبور الحق: من الموت إلى الحياة, من هذا العالم العتيق إلى العالم الجديد إلى زمن الملكوت الجديد. وهو الذي أعطانا إمكانية العبور. إننا نعيش في (هذا العالم) وباستطاعتنا (ألا نكون من هذا العالم) أي أن نتحرر من عبودية الموت والخطيئة ونشترك (بالعالم الآتي). ولكن لأجل هذا علينا أن نحقق عبورنا. علينا أن ندين الإنسان العتيق فينا ونلبس المسيح في معمودية الموت وأن تكون حياتنا الحقيقية المستترة في الله بيسوع في (العالم الآتي)

وهكذا ليس الفصح تذكاراً سنوياً جميلاً وبهياً لحوادث مضت. إنه هذا الحدث بعينه ظاهراً ومعطى لنا فعالاً دائماً, مُظهراً دائماً عالمنا وزمننا وحياتنا وكأنها أدركت نهايتها, معلناً بداية حياة جديدة… الغاية من هذه الأيام الثلاثة الأولى من الأسبوع العظيم أن تتحدانا بمعنى الفصح الجوهري وتهيئنا لفهمه واقتباله.

هذا التحدي الأخروي – وتعني الجوهري, الحاسم, النهائي – ظاهر في الطروبارية المشتركة لهذه الأيام:

ها هو الختن يأتي في نصف الليل فطوبى للعبد الذي يجده مستيقظاً أما الذي يجده متغافلاً فهو غير مستحق فانظري يا نفسي ألا تغرقي في النوم ويغلق عليك خارج الملكوت وتسلمي إلى الموت. بل كوني منتبهة صارخة قدوس قدوس قدوس أنت يا الله. من أجل والدة الإله ارحمنا.

نصف الليل هي اللحظة التي ينتهي فيها اليوم القديم ويبدأ يوم جديد وهكذا هي رمز الزمن الذي فيه نعيش كمسيحيين. لأنه من جهة, الكنيسة ما زالت في هذا العالم, تشاركه ضعفاته ومآسيه. ومع ذلك فكينونتها الحقيقية, من جهة أخرى, ليست من هذا العالم لأنها عروس المسيح ورسالتها هي أن تعلن وتكشف مجيء الملكوت واليوم الجديد. حياتها هي انتظار وتوقع دائمان وابتهال متوجه إلى فجر هذا اليوم الجديد… ولكننا مازلنا منتمين بأعماقنا إلى (هذا العالم). لقد نظرنا النور, عرفنا المسيح وسمعنا بفرح الحياة الجديدة فيه وسلامها, ومع ذلك ما زال العالم يستبعدنا. هذا الضعف, هذه الخيانة الدائمة للمسيح, هذا العجز عن إعطاء كامل حبنا لصاحب الحب الحقيقي, كلها تتجلى رائعة في أكسابوستلاري هذه الأيام الثلاثة:

إنني أشاهد خدرك مزيناً يا مخلصي. ولست أمتلك لباساً للدخول إليه فأبهج حلة نفسي يا مانح النور وخلصني.

ويتضح الموضوع نفسه أكثر في أناجيل هذه الأيام. أولاً نصوص الأناجيل الأربعة (حتى يوحنا31:13) نقرأ في الساعات (الأولى, الثالثة, السادسة والتاسعة). وتظهر هذه الإعادة أن الصليب هو ذروة حياة المسيح كلها وكرازته, والمفتاح لفهمها الصحيح. كل شيء في الأناجيل يقودنا إلى هذه الذروة, ساعة يسوع, وعلينا أن نفهم كل شيء على ضوئها. علامة على ذلك كل خدمة لها إنجيلها الخاص.

الاثنين:

في السحرية: متى18:21- 43: قصة التينة رمز العالم الذي خلق ليحمل ثماراً روحياً وهو مخفق في جوابه لله.

في القداس السابق تقديسه: متى 3:24- 35: حديث المسيح الأخروي العظيم. علامات المنتهى وبدايته (السماء والأرض ستزولان وكلامي لن يزول…).

الثلاثاء:

في السحرية: متى 15:22- 23: دينونة الفريسيين أي الديانة العمياء والمرائية لأولئك الذين يظنون أنهم قواد الناس ونور العالم ولكنهم بالحقيقة (يغلقون ملكوت السموات على الناس).

في القداس البروجزماني: متى 36:24- 2:26 يتحدث عن النهاية وأمثال اليوم الأخير: العشر عذارى, خمس منهن حكيمات أخذن زيتاً في مصابيحن وخمس جاهلات لم يقبلن على مائدة العرس, مثل الوزنات العشر.. فاسهروا إذاً لأنكم لا تعرفون اليوم ولا الساعة التي يأتي فيها ابن الإنسان). ومن ثم الدينونة الأخيرة.

الأربعاء:

في السحرية: يوحنا 17:12- 50: رفض المسيح, الصراع المتزايد, التحذير الجوهري: (الآن دينونة هذا العالم… من رذلني ولم يقبل كلامي فله من يدينه. الكلام الذي تكلمت به هو يدينه في اليوم الأخير).

في القداس البروجزماني: متى 6:26- 16: المرأة التي سكبت الطيب الثمين على يسوع صورة عن الحب والندم اللذين وحدهما يُتحدنا بالمسيح.

تشرح ترانيم هذه الأيام الدروس الإنجيلية هذه وتوسعها: الاستيشارات والأوديات (مجموعة من ثلاثة أوديات ترنيم في السحريات). تحذير واحد وحض واحد يتخللان الترانيم كلها: النهاية والدينونة يقتربان فلنتهيأ لهما:

(إن الرب لما كان ماضياً إلى الآلام الطوعية, قال للرسل في الطرق: ها نحن صاعدون إلى أورشليم, وسيلسم ابن البشر حسبما كتب عنه. فهلم إذاً يا إخوة نصحبه بضمائر نقية, ونصلب معه, ونميت لأجله لذات العمر, لكي نعيش معه ونسمعه قائلاً: لست صاعداً إلى أورشليم الأرضية لكي أتألم, بل إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم, وأرفعكم معي إلى أورشليم العلوية في ملكوت السماوات).

أينوس سحرية الاثنين

يا نفسي ها قد ائتمنك السيد على الوزنة, فاقبلي الموهبة بخوف, واقرضي المعطي وآسي المساكين, واقتني الرب صديقاً لكيما إذا وافى بمجد تقفي عن ميامنه وتسمعي تلك النغمة المغبوطة, أدخل أيها العبد إلى فرح ربك, فأهلني له يا مخلص أنا الضال, لأجل عظيم مراحمك.

قرأنا خلال الصوم كله وفي صلوات الغروب كتابين من العهد القديم: التكوين والأمثال. أما في بداية أسبوع الآلام فنستبدلهما بالخروج وأيوب. الخروج هو قصة تحرير إسرائيل من عبودية مصر وقصة فصحهم. وهو يهيئنا لفهم خروج المسيح إلى أبيه وتكملته لتاريخ الخلاص بأجمعه. أيوب المتألم هو أيقونة العهد القديم للمسيح. وتعلن هذه القراءة السر العظيم لآلام المسيح وطاعته وتضحيته.
التركيب الطقسي لهذه الأيام الثلاثة ما زال من النوع الصيامي فهي تتضمن إذاً صلاة أفرام السرياني مع السجدات, وزيادة في قراءة المزامير, والقداس السابق تقديسه, والترانيم الصيامية. إننا ما نزال في وقت الندامة, الندامة التي وحدها تجعلنا مشاركين لفصح ربنا, وتفتح لنا أبواب الوليمة الفصحية. وبعدها في يوم الأربعاء العظيم والمقدس, في نهاية آخر قداس بروجزماني, بعد أن نقلت القدسات من المذبح, يقرأ الكاهن لأخر مرة صلاة أفرام. تنتهي في هذه اللحظة فترة التهيئة إذ إن الرب يدعونا لعشائه الأخير.

الخميس: العشاء الأخير
يتميز قداس الخميس العظيم بحدثين: عشاء الرب الأخير مع تلاميذه وخيانة يهوذا. معنى الاثنين هو في المحبة. العشاء الأخير هو ذروة الكشف لمحبة الله الفادية الإنسان, المحبة التي هي جوهر الخلاص الأساسي. وخيانة يهوذا تكشف أن الخطيئة, الموت, قتل الذات, هي أيضاً ناتجة عن المحبة, المحبة المنحرفة والمشوهة, المحبة الموجهة نحو شيء لا يستحق المحبة. هنا يكمن سر هذا اليوم الفريد وطقوسه حيث يختلط بغرابة النور والظلام, الفرح والحزن, يتحدونا بالاختيار الذي عليه يتوقف المصير الأبدي لكل واحد منا.

(أما يسوع قبل عيد الفصح وهو عالم أن ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم إلى الأب إذ كان قد أحب خاصته الذين في العالم أحبهم إلى المنتهى..) (يو1:13) لنفهم معنى العشاء الأخير, علينا أن نراه كالنهاية الأخيرة لتدبير المحبة الإلهية العظيم الذي بدأ بخلق العالم وما هو الآن يكتمل بموت المسيح وقيامته.

الله محبة (1يو 8:4). وأول عطية المحبة كانت الحياة. والشركة كانت فحوى الحياة وجوهرها. ليحيا الإنسان, وجب عليه أن يأكل ويشرب ويشارك العالم, وهكذا كان العالم المحبة الإلهية التي صارت طعاماً وجسداً للإنسان, ولما كان الإنسان حياً أي مشاركة للعالم, وجب عليه أن يكون في شركة مع الله, أن يكون الله معنى حياته وجوهرها ونهايتها. فالشركة مع العالم, عطية الله, هي بالواقع شركة مع الله نفسه. لقد أخذ الإنسان طعامه من الله وإذ يجعل منه جسده وحياته فهو يرفع العالم كله لله محولاً إياه لحياة الله ومعه. محبة الله أعطت حياة للإنسان ومحبة الإنسان لله حولت هذه الحياة إلى شركة مع الله. هذا كان في الجنة. كانت الحياة فيها تسبحة شكر (إفخارستيا). الخليقة كلها تقدست بالإنسان وبمحبته لله وتحولت إلى سر واحد شامل للحضور الإلهي وكان الإنسان كاهن هذا السر.

ولكن, بالخطيئة أضاع الإنسان هذه الحياة الشكرية (إفخارستيا). أضاعها لأنه توقف عن رؤية العالم كواسطة للشركة مع الله وعن رؤية حياته كإفخارستيا وعبادة وشكر. لقد أحب نفسه وأحب العالم من أجل ذاتهما, وجعل نفسه جوهر حياته ونهايتها. لقد ظن أن جوعه وعطشه أي اعتماد حياته على العالم – يمكنهما أن يشبعا من العالم وبالطعام بحد ذاتهما. ولكن عندما نُفرغ العالم والطعام من معناهما السري الأصيل كواسطة للشركة مع الله, عندما لا نقبلهما من أجل الله ولا نملؤهما بالجوع والعطش لله, وبكلمة أخرى عندما لا يكون الله بُعدَ محتواهما الحقيقي, فلا يمكنهما أن يعطيا أية حياة أو يشبعا أي جوع لأنهما لا يملكان حياة في ذاتهما… وهكذا عندما يحبهما الإنسان ينحرف حبه عن الغاية الوحيدة التي هي موضوع كل حب وكل جوع وكل رغبة. مات الإنسان لأن الموت (تفكك) لا مفر منه للحياة المقطوعة عن منبعها الوحيد ومحتواها الوحيد. لقد ظن الإنسان أنه يجد حياة في العالم وفي الطعام ولكنه وجد الموت وأصبحت حياته شركة مع الموت لأنه بدل أن يحول العالم بالإيمان والمحبة والعبادة إلى شركة مع الله, أخضع ذاته بكليتها للعالم وبدل أن يكون كاهن العالم, أصبح عبداً له. بخطيئة العالم أصبح العالم كله مقبرة يشارك فيها المحكومون بالموت, الموت.

(وجلسوا في كورة الموت وظلاله) (متى 16:4).

ولكن إن خان الإنسان فقد بقي الله أميناً للإنسان ولم (يرفض جبلته التي صنعها رفضاً نهائياً ولم ينس عمل يديه, بل افتقده بأساليب كثيرة بأحشاء رحمته) (قداس باسيليوس). لقد ابتدأ عمل إلهي جديد وهو عمل الفداء والخلاص الذي تم في المسيح ابن الله الذي أخذ طبيعتنا بجوعها وعطشها ورغبتها للمحبة والحياة ليعيد الإنسان إلى جماله الأصلي ويعيد الحياة كشركة مع الله. في المسيح انكشفت الحياة وأعطيت وقبلت وتمت كإفخارستيا كاملة وكلية, كشركة مع الله أيضاً كاملة وكلية. لقد رفض المسيح التجربة الإنسانية الأساسية: أن يحيا (بالخبز وحده) وكشف أن ملكوت الله هو طعام الإنسان الحقيقي وحياته الحقيقية. وهذه الحياة الشكرية الكاملة, المملوءة بالله, أي إلهية وخالدة, أعطاها المسيح لكل الذين يؤمنون به أي الذين وجدوا فيه معنى حياتهم وجوهرها. هذا هو المعنى الرائع للعشاء الأخير. أنه أعطى ذاته كطعام حقيقي للإنسان لأن الحياة التي ظهرت فيه هي الحياة الحقيقية. وهكذا يأتي تدبير المحبة الإلهية الذي ابتدأ في الفردوس بالكلمة الإلهية (خذوا, كلوا… (لأن الطعام هو حياة الإنسان) إلى (النهاية) بالكلمة الإلهية (خذوا كلوا هذا هو جسدي…) (لأن الله هو حياة الإنسان…). العشاء الأخير هو إعادة فردوس النعيم وإعادة الحياة كشركة واتحاد.

ولكن ساعة ذروة المحبة هذه هي أيضاً ساعة ذروة الخيانة. يهوذا يترك نور العلية ويذهب إلى الظلمة. (وكان ليل) (يو30:13) لماذا يترك ؟ يجيب الإنجيل لأنه يحب ذاك الحب المشؤوم الذي تشدد عليه مراراً ترانيم الخميس العظيم. لا فرق بالواقع إن أحب (الفضة). المال هنا يرمز إلى كل حب منحرف ومشوه يقود الإنسان إلى خيانة الله. إنه بالواقع الحب المسروق من الله ويهوذا إذاً هو السارق. عندما لا يحب الإنسان الله وبالله – يبقى يحب ويرغب لأنه خلق ليحب والحب هو طبيعته – ولكنه الحب عند ذاك شهوة هدامة ومظلمة نهايتها الموت. وفي كل سنة عندما نغطس أنفسنا في عمق نور الخميس العظيم الذي لا يسبر يتوجه إلى كل واحد منا السؤال الحاسم نفسه: هل أجيب محبة المسيح وأقبلها كحياة لي أو أتبع يهوذا إلى ليله المظلم ؟

يحتوي قداس الخميس العظيم على

1- سحرية

2- غروب وبعدها قداس باسيليوس

هناك عادة في الكاتدرائيات أن تقام خدمة غسل الأرجل بعد الليتورجيا.

فبينما يقرأ الشماس الإنجيل (الإنجيل الذي يروي الغسل) يغسل الأسقف أرجل اثني عشر كاهناً مذكراً إيانا بمحبة المسيح التي هي أساس الحياة في الكنيسة والتي تطبع كل العلاقات فيها. وفي يوم الخميس العظيم أيضاً يُحضِّر رؤساء الكنائس المستقلة الميرون المقدس. وهذا يعني أيضاً أن محبة المسيح الجديدة هي الهبة التي نأخذها من الروح القدس يوم دخولنا إلى الكنيسة (المعمودية).

في السحرية يظهر موضوع اليوم في الطروبارية: التضاد بين محبة المسيح ورغبة يهوذا النهمة.

عندما كان التلاميذ المجيدون في غسل العشاء مستنيرين. حينئذ يهوذا الردي العبادة مرض بمحبة الفضة وأظلم. وللقضاة العادمي الناموس دفعك أيها الحاكم العادل وسلم. فيا عاشق الأموال أنظر إلى الذي من أجلها مارس الشنق. واهرب من النفس الفاقدة الشبع التي تجاسرت بمثل هذا على المعلم. فيا من صلاحه شامل الكل. يا رب المجد لك.

بعد قراءة الإنجيل (لو1:12- 4) نتأمل معنى العشاء الأخير السري والأبدي في قانون القديس قوزما الجميل. ويدعونا (أرمس) القانون الأخير (الأودية التاسعة) إلى المشاركة بوليمة الرب:

هلموا أيها المؤمنون. لنتمتع بوليمة سيدية ومائدة غير مائتة. في مكان عليّه متلقفين بعقول سامية, أقوالاً فائقة من الكلمة الذي إياه نعظم).

في الغروب, تشدد الاستيشارات التي تقرأ على (يا رب إليك صرخت) على ضد – الذروة الروحي للخميس العظيم أعني به خيانة يهوذا:

إن يهوذا العبد الغاش. التلميذ المغتال. الصديق المحتال. قد استبان من أفعاله. لأنه كان يتبع المعلم ويضمر بذاته التسليم…

ثم نقرأ بعد الإيصودون ثلاث قراءات من العهد القديم:

خروج 10:19- 19. نزول الله من جبل سيناء إلى شعبه كصورة لمجيء المسيح في الإفخارستيا (القداس الإلهي)
أيوب 1:38- 23 و1:42- 5, محاورة الله مع أيوب وجواب هذا الأخير. (إني قد نطقت بما لا أدرك بمعجزات تفوقني ولا أعلمها). هذه المعجزات العظيمة قد تمت بإعطاء المسيح لنا جسده ودمه.
أشعياء 4:5- 11, بداية النبوءات عن عبد الله المتألم.

الرسالة هي من 1كورنثوس23:11- 32 وتعطي وصف بولس للعشاء الأخير ومعنى المناولة.

الإنجيل, مأخوذ من الأناجيل الأربعة, وهو القصة الكاملة للعشاء الأخير وخيانة يهوذا والقبض على يسوع في البستان. إنه أطول أناجيل السنة.

ونرتل بدل الشيروبيكون والكينونيكون ترنيمة المناولة.

(اقبلني اليوم شريكاً لعشائك السري يا ابن الله. لأني لست أقول سرك لأعدائك. ولا أعطيك قبلة غاشة مثل يهوذا. لكن كاللص أعترف لك هاتفاً. أذكرني يا رب في ملكوتك).

الجمعة: الصليب

من نور الخميس العظيم ندخل إلى ظلمة الجمعة, يوم آلام المسيح وموته ودفنه. سمي هذا اليوم في الكنيسة الأولى بـ (فصح الصليب) لأنه هو بالواقع بداية الفصح أو العبور الذي سيتضح معناه لنا تدريجياً: أولاً في روعة صمت السبت العظيم والمبارك وثانياً في فرح يوم القيامة.

الظلمة: ليتنا ندرك أن الجمعة العظيم ليس فقط مجرد رمز للظلمة وتذكراً لها. غالباً ما ننظر إلى حزن هذه الخدم الجميل والمهيب بروح القداسة الذاتية والتبرير الذاتي. لألفي سنة مضت قتل أناس شريرون المسيح, أما اليوم فنحن مسيحيون طيبون نقيم نعوشاً فخمة في كنائسنا – أليس هذا دلالة على طيبتنا ؟ ومع ذلك الجمعة العظيم لا يبحث في أمور ماضية. إنه يوم الخطيئة, يوم الشر, اليوم الذي فيه تسألنا الكنيسة أن ندرك رهبة الخطيئة والشر وقوتهما في (هذا العالم). لأنهما لم يختفيا بعد ولكنهما ما زالا يشكلان القاعدة الأساسية للعالم ولحياتنا. ونحن الذين نسمي أنفسنا مسيحيين, ألا نجعل غالباً منطقنا كمنطق الشر الذي قاد المجمع اليهودي, وبيلاطس البنطي والجنود الرومانيين والحشود إلى كره المسيح وتعذيبه وقتله ؟ في أي جانب وإلى أي جهة نقف لو كنا عائشين في أورشليم أيام بيلاطس ؟ هذا هو السؤال الذي يتوجه إلينا في كل كلمة من خدم الجمعة العظيم. إنه بالحقيقة يوم هذا العالم, يوم دينونته الحقيقية لا الرمزية ويوم دينونة لحياتنا حقيقية لا طقسية… إنه كشف لطبيعة العالم الحقيقية, العالم الذي فضَّل آنذاك وما زال يفضل الظلمة على النور, الشر على الخير والموت على الحياة. (إن هذا العالم) الذي أدان المسيح للوت أدان نفسه للموت. ونحن بقدر ما نقبل روحه, وخطيئته وخيانته لله بقدر ما نكون مدانين. هذا هو المعنى الواقعي الرهيب ليوم الجمعة العظيم: دينونة الموت…

ولكن يوم الشر هذا بذروة ظهوره ونصره هو أيضاً يوم الفداء, لأن موت المسيح قد ظهر موتاً خلاصياً لنا ولخلاصنا.

إنه موت خلاصي لأنه موت التضحية المطلقة, الكلية والكاملة. المسيح يعطي موته لأبيه ويعطيه أيضاً لنا, لأبيه, لأنه كما سنرى – لا طريق آخر لتحطيم الموت, لتخليص الإنسان منه وإنها إرادة الآب أن يخلص الإنسان من الموت. ولنا, لأنه بالحقيقة مات المسيح بدلاً منا. الموت هو ثمرة الخطيئة الطبيعية, دينونة متأصلة فيه. لقد اختار الإنسان أن يبتعد عن الله دون أن يملك حياة في ذاته فمات. ومع ذلك فلا خطيئة بالمسيح, إذاً لا موت فيه. ولكنه قبل أن يموت محبة بنا فقط. أراد أن يأخذ وضعنا البشري ويشارك فيه للنهاية. قَبِل عقاب طبيعتنا وحَمَلَ أثقال الحالة البشرية. مات لأنه وجد نَفسه حقيقة معنا وأخذ على نفسه مأساة حياة الإنسان. إن موته هو ذروة الكشف لرحمته ومحبته. ولأن موته هو محبة, رحمة وتألم معنا, فطبيعة الموت نفسها قد تغيرت. كان دينونة فأصبح عملاً مشعاً بالمحبة والغفران ونهاية لكل ابتعاد وعزلة. لقد تحولت الدينونة إلى غفران…

وبالنهاية موت المسيح موت خلاصي لأنه يحطم نبع الموت نفسه: الشر. إن المسيح باقتباله الموت بمحبة, وبإسلامه نفسه لقاتليه وتسامحه بظفرهم الظاهري يكشف بالحقيقة أن هذا النصر هو اندحار الشر الحاسم والنهائي لينتصر الشر, عليه أن يعدم الخير وأن يبرهن ذاته أنه بالحقيقة المطلقة للحياة ويخزي الخير وبكلمة واحدة أن يظهر تفوقه. ولكن خلال الآلام كلها, المسيح وحده هو المنتصر. الشر لا يستطيع أن يعمل أي شيء ضده لأنه عاجز. إن يسوع المسيح يقبل الشر كحقيقة. لقد ظهرت المراآة كمراآت والقتل كقتل والخوف كخوف, وكلما تقدم المسيح صامتاً من صليبه ومن النهاية كلما اقتربت المأساة الإنسانية من ذروتها. وينجلي أكثر فأكثر انتصاره ومجده وغلبته على الشرير.

وفي كل مرحلة نجد أن هذا النصر يُعلن ويُعترف به, يعترف به كل من زوجة بيلاطس, ويوسف, واللص المصلوب, وقائد المئة. عندما يموت المسيح على الصليب قابلاً ذروة رهبة الموت: عزلة مطلقة (إلهي, إلهي لماذا تركتني ؟!) لا شيء يبقى إلا الاعتراف (إنه بالحقيقة كابن الله…) وهكذا فإن الموت, هذا الحب, هذه الطاعة, هذا الفيض من الحياة, هي التي تحطم من جعل الموت المصير العام. (وتفتحت القبور…) (متى52:27). منذ الآن تظهر شعاعات القيامة.

هذا هو السر المزدوج للجمعة العظيم. السر الذي تظهره خدم الجمعة أيضاً وتجعلنا نشترك فيه. فمن جهة, هناك التشديد الدائم على آلام المسيح كخطيئة الخطايا وجريمة الجرائم. فأناجيل الآلام الاثنا عشر التي نقرؤها في السحرية تجعلنا نتبع المسيح المتألم خطوة خطوة. وفي الساعات (التي تأخذ محل القداس الإلهي: لأن الامتناع عن إقامة الليتورجيا في هذا اليوم يعني أن سر حضور المسيح لا يخص (هذا العالم), عالم الخطيئة والظلمة, بل هو سر (العالم الآتي)) وأخيراً في خدمة جناز المسيح, القراءات والترانيم مملوءة بالاتهامات الهائلة لأولئك الذين بحريتهم واختيارهم قرروا المسيح مبررين هذا القتل بسبب ديانتهم وولائهم السياسي واعتباراتهم العملية وطاعتهم المهنية.

ولكن من جهة ثانية, ذبيحة الحب التي تهيئ النصر الأخير هي حاضرة منذ البداية. فمن قراءة أول إنجيل (يوحنا31:13) التي تبدأ بإعلان المسيح الجليل (الآن يتمجد ابن الإنسان وقد تمجد الله فيه) إلى الاستيشارة في آخر الغروب – هناك ازدياد النور والنمو البطيء للرجاء واليقين أن (الموت سيحطم الموت)!

إذ رأتك يا منقذ الكل. في قبر جديد الجحيم المهزوء جداً بها. موضوعاً من أجل الكل ارتاعت خائفة. وأقفالها والأبواب حطمت تحطيماً. والقبور فتحت والموتى نهضوا. والفرحان آدم إذ ذاك. يا محب البشر ناداك شاكراً المجد لتنازلك.

ولما نضع في نهاية الخدمة, صورة المسيح في القبر, في وسط الكنيسة, لما ينتهي هذا اليوم الطويل, نعرف أننا في نهاية التاريخ الطويل للخلاص والفداء, ويأتي مع اليوم السابع, يوم الراحة, السبت المبارك, ظهور القبر المحيي…

هذا هو السبت المبارك

إن (السبت العظيم والمقدس) هو اليوم الذي يربط الجمعة العظيم, ذكرى الصليب, بيوم القيامة, وبالنسبة لكثيرين, جوهر هذا (الربط) الحقيقي ومعناه, والضرورة نفسها لهذا (اليوم الوسط) تبقى غامضة. لأنه بالنسبة لأغلبية المترددين إلى الكنيسة (أهم) أيام أسبوع الآلام هي الجمعة والأحد, الصليب والقيامة. على كل حال يبقى هذان اليومان بطريقة ما (منقطعين). هناك يوم حزين ومن ثم يوم فرح. وفي هذا التعاقب, الحزن يستبدل بسذاجة بالفرح. ولكن حسب تعليم الكنيسة المعبر عنه في تقليدها الطقسي, جوهر هذا التعاقب ليس بسذاجة الاستبدال. الكنيسة تعلن أن المسيح (حطم الموت بالموت) وهي تعني أنه حتى قبل القيامة يقوم حدث لا يستبدل فيه الحزن بالفرح وحسب ولكن الحزن نفسه يتحول إلى فرح. السبت العظيم هو بالضبط يوم التحويل هذا, اليوم الذي فيه ينمو النصر من داخل الهزيمة. والذي فيه تُعطى, حتى قبل القيامة, أن نتأمل موت الموت نفسه. كل هذا مُعبر عنه, لا بل يقوم حقيقة كل سنة, في تلك السحرية الرائعة في ذلك التذكار الطقسي الذي يصير لنا حضوراً محولاً ومخلصاً.

عندما نأتي إلى الكنيسة في صباح السبت المقدس يكون يوم الجمعة قد اكتمل طقسياً. إذاً حزن الجمعة هو الموضوع الأولي, نقطة الانطلاق لسحرية السبت. إنها تبدأ كجنازة ونحيب على ميت, وبعد ترنيم طروبارية الجناز, وتبخير بطيء للكنيسة, يقترب الكاهن من الابيطافيون (أيقونة الدفن). إننا الآن نقف عند قبر سيدنا متأملين موته وانهزامه. عندما نرنم المزمور 118 ولكل آية نضيف (تسبحة) تعبر عن رهبة الإنسانية والخليقة كلها أمام موت يسوع ؟

ومع ذلك منذ البداية, بجانب موضوع الحزن والنحيب الأولي, يبدأ موضوع آخر ظهورَه ويصبح فيما بعد أكثر ظهوراً. هذا الموضوع الجديد نجده في المزمور 118 (تبارك الذين لا يعثرون في الطريق الذين يسلكون في فرائض الرب). إننا نستعمل هذا المزمور في طقوسنا فقط في خدم الجنازة ومن هنا جاء طابعه (الجنائزي) بالنسبة للمؤمن العادي. ولكن كان هذا المزمور في التقليد الطقسي القديم جزءاً أساسياً من سهرانة الأحد (سحرية + غروب). التذكار الأسبوعي لقيامة المسيح. إن محتواه ليس جنائزياً البتة وهو أنقى وأكمل تعبير عن المحبة لشرائع الرب أي التصميم الإلهي للإنسان وحياته. حياة الإنسان الحقيقية التي أضاعها بالخطيئة, هي الحياة مع الله, ولله, الحياة التي من أجلها خلق الإنسان.

بطريقة شهادتك سررت كالحاصل على كل ثروة… (مز 118: آية 14) بأحكامك أتلذذ (مز 118: آية 16).

وبما أن المسيح هو صورة لكمال إتمام هذه الشريعة وبما أن (جوهر) حياته لم يكن إلا إتمام إرادة الرب, فالكنيسة تفسر هذا المزمور ككلام المسيح نفسه الموجه إلى أبيه من القبر. (مز 118: آية: 159): (أنظر كيف أحببت أوامرك. أحيني يا رب بحسب رحمتك).

إن موت المسيح هو البرهان الأكبر لمحبته, لإرادة الله وطاعته لأبيه. إنه عمل طاعة محض, عمل ثقة كاملة بإرادة الآب. وبالنسبة للكنيسة هذه الطاعة إلى النهاية, هذا التواضع الكامل الذي أبداه الابن, هو الذي يشكل أساس نصره وبدايته. الآب يرغب هذا الموت والابن يقتبله مظهراً إيماناً غير مشروط في إرادة الآب الكاملة وفي ضرورة تضحية الابن هذه بواسطة الآب. المزمور 118 هو مزمور الطاعة وبالتالي الإعلان أن النصر إنما يبدأ بالطاعة.

ولكن لماذا يرغب الآب هذا الموت لماذا هو ضروري ؟ إن الجواب على هذين السؤالين يشكل الموضوع الثالث لخدمتنا ويظهر أولاً في (التسبيحات) التي تلي كل آية من المزمور 118. إنها تصف موت المسيح كنزول إلى الجحيم. (الجحيم) باللغة الكتابية الأصلية تعني عالم الموت أي حالة ظلمة ويأس وفناء. وبما أنها عالم الموت الذي لم يخلقه الله ولم يرده, فهي تعني أيضاً أن رئيس هذا العالم عظيم القوة فيه. الشيطان, الخطيئة, الموت هذه هي (أبعاد) الجحيم وجوهره. لأن الخطيئة تأتي من الشيطان والموت هو نتيجة الخطيئة – (الخطيئة دخلت إلى العالم. والموت دخل بالخطيئة) (رومية 12:5). الموت ملك منذ آدم إلى موسى) (رو 14:5) والكون كله أصبح مقبرة كونية وأُدين إلى اليأس والفناء. لهذا السبب, الموت هو (آخر عدو) (1كو20:15) وذروة التجسد غايتها أن تحطمه. هذه المجابهة مع الموت هي (ساعة) المسيح التي قال عنها (لأجل هذه الساعة أتيت) (يو 27:12). والآن قد أتت هذه الساعة وابن الله يدخل إلى الموت. يصف الآباء عادة هذه اللحظة كالنزال بين المسيح والموت, بين المسيح والشيطان. هذا الموت إما أن يكون النصر الأخير للشيطان أو انهزامه النهائي. ويتطور النزال في عدة مراحل. في البدء نجد أن قوى الشر تنتصر. فالصديق مصلوب ويتركه الجميع ويحتمل الموت اللعين ويصبح أيضاً مشاركاً في الجحيم مكان الياس والظلمة… ولكن في هذه اللحظة بالذات يظهر المعنى الحقيقي لهذا الموت. الذي يموت على الصليب له الحياة في ذاته أي له الحياة ليس كهبة من الخارج, كعطية يمكن أن تؤخذ منه, ولكنها ملكه كجوهرة. لأنه هو الحياة ونبع الحياة. (فيه كانت الحياة والحياة نور الناس). الإنسان يسوع يموت, ولكن هذا الإنسان هو ابن الله. كإنسان يمكن أن يموت حقاً ولكن فيه يدخل الله نفسه عالم الموت ويشارك الموت, هذا هو المعنى الفريد الذي لا مثيل له لموت المسيح. الإنسان الذي يموت فيه هو الله أو بعبارة أخرى أدق الإله – الإنسان. الله هو القدوس الأزلي وفقط في وحدة الله والإنسان (بدون اختلاط أو تغيير أو انقسام أو انفصال) في المسيح يستطيع الله أن يحمل الموت البشري ويتغلب عليه ويحطمه من الداخل (ويدوسه بالموت).

الآن نفهم لماذا رغب الله ذلك الموت ولماذا أسلم الآب ابنه الوحيد له. إنه يرغب في خلاص الإنسان أي أن تحطيم الموت لن يكون عملَ قوته (أتظن أني لا أستطيع أن أسأل أبي فيقيم لي في الحال أكثر من اثنتي عشرة جوقة من الملائكة) ؟ (متى53:26), عملَ عنف ولو كان مخلصاً بل عمل بمحبة وحرية وتكريس حر لله الذي من اجله خلق الإنسان. لأن أي خلاص آخر سيتناقض مع طبيعة الإنسان وبالتالي ليس خلاصاً حقيقياً ولذا كانت ضرورة التجسد وضرورة الموت الإلهي. في المسيح يستعيد الإنسان طاعته ومحبته. وفيه يغلب الإنسان الخطيئة والشر. كان ضرورياً ألا يتحطم الموت بالله وحسب ولكن أن يغلب ويداس بالطبيعة الإنسانية نفسها, بالإنسان وخلاله (لأنه بما أن الموت بإنسان فبإنسان أيضاً قيامة الأموات) (1كو21:15).

قبل المسيح الموت بحريته وقد قال إن حياته (لا أحد يأخذها منه ولكنه يبذلها باختياره) (يو18:10). ولكنه لا يبذلها بدون عراك (وطفق يحزن ويكتئب) (متى37:26). هنا يتم مقياس طاعته وإذاً هنا يمكن تحطيم أصل الموت الأخلاقي, الموت كفدية للخطيئة. حياة المسيح كلها هي في الله كما يجب أن تكون حياة كل إنسان, هي تلك الحياة الكاملة, المملوءة معنى مملوءة من الله والتي تغلب الموت وتحطم قوته. لأن الموت هو فوق كل شيء نقص حياة, هدم حياة قطعت نفسها عن منبعها الوحيد. وبما أن موت المسيح هو حركة حب متجهة نحو الله, عمل طاعة وثقة وإيمان وكمال فهو عمل حياة) (أيها الآب بين يديك أستودع روحي). لو 26:23) يحطم الموت. إنه موت الموت نفسه… هذا هو معنى نزول المسيح إلى الجحيم ومعنى موته الذي صار نصراً. ونور هذا النصر ينير الآن صلواتنا أمام القبر.

لئن مت يا رب وسكنت قبراً

إلا أنك حللت سلطان الموت منهضاً من الجحيم المائتين

في قبر وضعت يا يسوع الحياة

لكنك ضمحلت الموت بموتك وأنبعت الحياة للعالمين

يا لها من لذة يا له من فرح

بهما غمرت من كانوا في الجحيم إذ أضئت في أقصى ظلماتها

الحياة تدخل مملكة الموت. والنور الإلهي يشع في ظلامه المخيف, يشع إلى الذين هناك, لأن المسيح هو حياة الكل والنبع الوحيد لكل حياة. لذلك هو يموت أيضاً من أجل الكل لأن كل ما يحدث لحياته – يحدث أيضاً للحياة نفسها… هذا النزول إلى الجحيم هو لمجابهة حياة الكل لموت الكل

للأرض انحدرت لتنجي آدما

ولما لم تجده فيها يا سيد نزلت إلى الجحيم تطلبه

الحزن والفرح يتصارعان, وها هو الفرح على وشك أن يربح. لقد انتهت (التسبيحات) وكذلك انتهى الصراع بين الحياة والموت ولأول مرة تطن ترنيمة النصر والفرح. إنها تدوي في الطروبارية على مزمور 118 التي نرنمها في سحرية كل أحد, عند اقتراب يوم القيامة:

(جمع الملائكة إنذهل متحيراً عند مشاهدته إياك محسوباً بين الأموات أيها المخلص. داحضاً قوة الموت ومنهضاً آدم معك ومعتقاً إيانا من الجحيم كافة…)

(إن الملاك اللامع عند القبر, تفوه نحو حاملات الطيب قائلاً: لما تمزجن الطيوب بالدموع بترث يا تلميذات ؟ أنظرن اللحد وافرحن لأن المخلص قد قام من القبر…)

يأتي بعدها قانون السبت العظيم الجميل الذي نجد فيه مرة أخرى موضوعات هذه الخدمة كلها – من الجنازة إلى الغلبة على الموت – تتكرر وتتعمق. وينتهي القانون هكذا:

(ليفرح كل البرايا. والذين في الأرض. إذ الجحيم والعدو سُبيا معاً. ولتستقبلني بالطيوب النسوة. لأني سأنجي آدم وحوا ونسلهما وأنهض في اليوم الثالث.)

(وفي اليوم الثالث يقوم أيضاً). من الآن وصاعداً يضيء في الخدمة فرح القيامة. إننا ما نزال واقفين أمام القبر ولكنه قد ظهر قبراً محيياً. الحياة ترتاح فيه. خليقة جديدة تولد. ومرة ثانية في اليوم السابع, يوم الراحة – يرتاح الخالق من كل أعماله. (الحياة ينام والجحيم يرتجف – ونحن نتأمل السبت المبارك, الصمت المهيب, صمت ذلك الذي يعيد الحياة لنا: (هلموا نشاهد حياتنا مرتاحاً في القبر…). الآن يظهر لنا المعنى الكامل والعمق الروحي لليوم السابع كيوم إتمام, كيوم إنجاز لأن

(موسى العظيم قد سبق فرسم هذا اليوم سرياً بقوله: هذا هو السبت المبارك, هذا هو يوم الراحة الذي فيه استراح ابن الله الوحيد من كل أعماله…)

والآن ندور حول الكنيسة بطواف جليل حاملين الابيطافيون – ولكنه ليس طوافاً جنائياً: إنه ابن الله, القدوس الذي لا يموت الذي يمر خلال ظلمة الجحيم معلناً لـ (آدم كل جيل) فرح القيامة المقترب. (مشرقاً كالصباح من الليل), يعلن أن (الموتى كلهم سيقومون وأن كل الذين في الجحيم سيحيون وكل الخلائق ستبتهج…

ونعود إلى الكنيسة وقد عرفنا مسبقاً سر موت المسيح المحيي. الجحيم يتحطم والآن يظهر الموضوع الأخير – موضوع القيامة.

يتم السبت, اليوم السابع, ويُنجز تاريخ الخلاص. وعمله الأخير هو غلبة الموت. أما بعد السبت فيأتي اليوم الأول لخليقة جديدة ولحياة جديدة بزغت من القبر.

إن البروكيمنن يدشن موضوع القيامة:

(قم يا رب أعنا وخلصنا لمجد اسمك يا الله. لقد سمعنا بآذاننا…)

ويتتابع الموضوع في القراءة الأولى: نبوءة حزقيال عن العظام الجافة (إصحاح 37) (… فإذا هي كثيرة جداً على وجه البقعة وإذا بها يابسة جداً). إنه الموت منتصر في العالم, إنها الظلمة, إنها الخيبة لتلك الدينونة العالمية للموت. ولكن الله يكلم النبي. إنه يعلن أن تلك الدينونة ليست مصير الإنسان الأخير. العظام اليابسة ستسمع كلمة الرب. الموتى سيحيون). هاأنذا أفتح قبوركم وأصعدكم من قبوركم يا شعبي وآتي بكم إلى أرض إسرائيل) (حزقيال 12:37). وبعد هذه القراءة يعلن البروكيمنن الثاني الدعاء نفسه والصلاة نفسها.

(قم أيها الرب إلهي ولترتفع يدك…)

كيف ستحدث هذه القيامة العامة وكيف هي ممكنة ؟ تجيبنا على هذا القراءة الثانية (1كورنثوس 6:5 وغلاطية 13:3- 14) (الخميرة الصغيرة تخمر العجين كله…) المسيح فصحنا هو خميرة قيامة الكل. كما أن موته يحطم أساس الموت نفسه, كذلك قيامته هي عربون قيامة الكل لأن حياته هي نبع كل حياة. وتؤكد آيات الـ (هللويا), الآيات التي تبدأ خدمة الفصح, هذا الجواب الأخير, ذاك اليقين أن زمن الخليقة الجديدة والنهار الذي لا يغرب قد بدأ:

(هللويا). ليقم الله ويتبدد جميع أعدائه ويهرب مبغضوه من أمام وجهه… هللويا ! كما يباد الدخان يبادون وكما يذوب الشمع من أمام وجه النار:

انتهت قراءة النبوءات ولم نسمع إلاّها. إننا الآن ما نزال في السبت العظيم أمام قبر المسيح. وعلينا أن نقضي هذا اليوم الطويل قبل أن نسمع عند منتصف الليل (المسيح قام), قبل أن ندخل إلى الاحتفال بقيامته. هكذا تخبرنا القراءة الثالثة – متى 62:27- 66 التي تختم الخدمة, مرة أخرى عن القبر – (الذي حفظ بختم الحجر وإقامة الحراس).

ولكن من الممكن هنا, في نهاية السحرية, أن يظهر المعنى العميق لهذا (اليوم الوسط). لقد قام المسيح أيضاً من بين الأموات وسنحتفل بقيامته في يوم الفصح. ولكن هذا الاحتفال, رغم أنه يقيم تذكار حدث ماض, يسهم مسبقاً في سر مقبل. إنها قيامته هو وليست قيامتنا بعد. علينا نحن أن نموت. أن نقبل الموت, الانفصال, الهدم. حقيقتنا في هذا العالم, في هذا (الدهر) هي حقيقة السبت العظيم الذي هو صورة حقيقية عن واقعنا الإنساني. نحن نؤمن بالقامة, لأن المسيح قام من بين الأموات. إننا نترقب القيامة, ونعرف أن موت المسيح أعدم الموت وليس الموت بعد, الخيبة ونهاية كل شيء. إذ قد اعتمدنا لموت المسيح فنحن نشارك مسبقاً بحياته التي بزغت من القبر. إننا نأخذ جسده ودمه اللذين هما خبز الأبدية, وعندنا في أنفسنا علاقة الاشتراك مسبقاً في الحياة الأبدية… تقاس حياتنا المسيحية كلها بأعمال الاتحاد في حياة (دهر الملكوت الجديد…) ومع ذلك فنحن ما زلنا هنا والموت هو نصيبنا الذي لا مفر منه.

ولكن هذه الحياة بين قيامة المسيح ويوم القيامة العامة, أليست هي بالضبط حياة السبت العظيم؟ أليس التوقع هو الأساس والجوهر لكل خبرة مسيحية ؟ إننا ننتظر بمحبة ورجاء وإيمان. وهذا الانتظار لـ (قيامة العالم الآتي وحياته), هذه الحياة (المستترة مع المسيح في الله) (كولوسي 3:3- 4), هذا الترقب النامي بمحبة ويقين, هذه كلها هي (سبتنا العظيم). شيئاً فشيئاً يصبح كل شيء في هذا العالم شفافاً للنور الذي يأتي من هناك, إن (هيئة هذا العالم) ستتغير وهذه الحياة التي لا تفنى مع المسيح تصبح هدفنا الأول والأخير.

ننتظر كل سنة في السبت العظيم, بعد هذه السحرية, ليل الفصح وكمال الفرح الفصحي. إننا نعرف أنهما يقتربان – ومع ذلك كم هو بطيء ذاك الاقتراب, وكم هو طويل هذا اليوم ! ولكن أليس صمت السبت الرائع رمزاً لحياتنا بالذات في هذا العالم ؟ ألسنا نحن دائماً في هذا (اليوم الوسط) منتظرين فصح المسيح, مهيئين أنفسنا ليوم ملكه الذي لا يغرب ؟

+++++++

+++++

+++

+

تفكيك الخبر الكاذب عن “الكتاب المقدس الآرامي” المخفيّ في أنقرة

تصل إلى هواتفنا الذكية أخبار لا نعرف مصدرها ونجهل لماذا تتداول بين المعارف والأصدقاء. وبينها يصلنا فيديو في اللغة الإنكليزية يعرّف على مخطوطة قديمة وكأنها محروقة ويقول تصاريح فاضحة حول إيماننا المسيحي مثل أن الرب يسوع لم يصلب وأنه ليس ابن الله، بل مجرد نبيًّا، وأن بولس الرسول كان محتالاً. يفترَض أن هذه المخطوطة تم العثور عليها في غنيمة مهربين من جنوب تركية قبضت عليهم السلطات التركية سنة 2000. دائمًا بحسب الفيديو، أمست المخطوطة في المتحف الاثنوجرافي في أنقرة حيث تحفظ بالأمن القصوى. النسخة العربية لهذا الفيديو متوفرة في اليوتيوب بأشكال عديدة معظمها منشورة من قبل مشتركين مسلمين ومنها: “خبر يهز العالم”.

غني عن القول إن الموقع الرسمي للمتحف في أنقرة لا يدوّن شيئًا عن الموضوع وإن الجرائد الجدية العالمية لم تنشر خبرًا لهذا الافتراء. ولا حتى المجتمع الأكاديمي أو المرجعيات الكنسية اهتمّوا بالرد على هذه الاستفزازات التي لا أساسَ لها. ولكن يبقى الشك في عقول الكثير من الناس الذين تلقوا هذا الفيديو المشوش من أحد أقربائهم أو أصدقائهم. في لغة الانترنت يسمى هذا النوع من الأخبار الكاذبة “هواكس” (Hoax) أي خدع. وهناك عدد هائل من هذه الأخبار تنشر يوم وراء يوم لأنها تشجع الاستهلاك الالكتروني الذي يغذي سوقًا مهمًّا من التمديدات في الشبكات ومن الآلات التي نشتريها من أجل الاستعمال الشخصي.

بين الأخبار اللافتة للنظر نجد النص المنشور في البوابة التركية للأخبار “ناشيونال تورك” يوم 23 شباط 2012 بعنوان: “عثور لكتاب مقدس سرياني من 1500 سنة في أنقرة تركية والفاتيكان في صدمة” ومقالة جريدة دايلي مايل البريطانية في 3 شباط 2012 “كتاب مقدس سري ثمنه 14 مليون جنيه يتنبأ فيه يسوع عن مجيء النبي محمد، رأى النور في تركية”. وعربت وكالة الجزيرة هذا المقال فنشرته في موقعها يوم 26 أيار 2012 بعنوان رنان أيضًا: “اكتشاف مخطوطة مسيحية تبشر بنبوة محمد” وفيه صورة من المقالة في الدايلي مايل. أما في لبنان، فنشرت جريدة الأخبار خبرًا شبيهًا بعنوان “استكشاف إنجيل عمره 1500 سنة في تركيا” في 11 أيار 2012.

كما سبق وأشرنا أعلاه المجتمع الأكاديمي لا ينشغل بهذه الصحافة المروجة للإثارة لأنها تفقد عن ذكر لأي مصدر معتمد قد يعطي الحد الأدنى من المصداقية للمضمون. طبعًا تلتزم الكنائس الصمت أيضًا لهذه المنشورات الغاشة لأن التكلم عنها لا تخدم إلا لغايتها وهي نشر الكذب والغش من أجل الشهرة.

ولكن في شباط 2016 والآن في كانون الثاني 2018 تم تداول هذا الفيديو بكثافة في هواتف عدد مهم من المسيحيين في الشرق الأوسط وخصوصًا الموجودين في منطقة الخليج العربي، الأمر الذي حرك بعض التساؤلات عن المضمون وصحته. الصوت المسموع في الفيديو هو قراءة آلية لمقالة منشورة في موقع اسمه “أبناء النار” وهو موقع لفرقة موسيقى الروك الإلكتروني من بورتو ريكو. وكما يقال: “المكتوب يعرف من عنوانه”، فالنص في الفيديو لا يحتوي إلا على أخطاء ومغالطات.

ما يمكن القول من منظور أكاديمي؟ من جهة الشكل، فأنه لم يبرهن وجود المخطوطة بعد، وليس هناك أي دليل لمحتوياتها. لذلك لا نستطيع أن نتأكد ما إذا كتبت بالآرامية أو بالسريانية ولا نقدر أن نثبت زمن كتابة مخطوطة لأننا في الأساس لا نعرف ما إذا وجدت أم لا. يقال إنّ عمرها 1500 سنة ولكن كيف عرفوا ذلك؟ الصور التي تظهر في الانترنت غير كافية لأي دليل علمي ويمكن إنتاج صور من هذا النوع بناء على آلاف المخطوطات المسيحية الموجودة في المنطقة مع بعض التعديلات البسيطة ببرامج التصوير. وفي هذا السياق، تلمّح المقالات في الجرائد إلى اهتمام الفاتيكان بمراجعة المخطوطة الأصلية، الأمر الذي لم يعلن عنه الكرسي البابوي في روما أي تصريح. أضف أنّ المتحف الاثنوجرافي في أنقرة لم ينشر كلمة أو صورة عن هذه التحفة في موقعه على الشبكة.

أما من جهة المضمون، فالادعاءات بأن يسوع الناصري لم يصلب وأنه تنبأ بمجيء محمد تذكرنا بما يرد في كتاب إسلامي المنشأ من القرن السادس عشر الميلادي (بعد الـ 1500) معنون بـ “إنجيل برنابا” وهو مصنف دفاعي عن الدين الإسلامي موجه ضد المسيحيين في منطقة الأندلس.[1] هناك مخطوطتان مهمتان في أوروبا باللغتين الإيطالية والاسبانية تشهدان أن النص الأصلي كان على الأرجح باللغة العربية.[2] نجد في هذا النص القول بأن بولس كان محتالا عندما قرر نشر خبر القيامة. طبعًا، لم يكتب برنابا الرسول هذا الكتاب ولا أي مؤمن مسيحي. لا بل، بالعكس، إنه رد على المعتقدات المسيحية من منظور إسلامي وبأسلوب جداليّ. إن قراءة نص “إنجيل برنابا” في إحدى الطبعات الحديثة تؤكد على أن ليس لهذا النص أي علاقة بالرسول القبرصي الذي بشّر في أنطاكية وكل المشرق بصلب يسوع المسيح وقيامته (راجع أع 13: 46؛ 15: 12). انتشر هذا النص بين المعلمين المسلمين في القرن التاسع عشر الميلادي بقوة ويعود يبرز تارة وطورًا بين الجماعات التبشيرية الإسلامية كنموذج للكتابات الدفاعية الكلاسيكية. يتميز المضمون بالفكر الخاص بنهاية القرون الوسطى ونحن اليوم تخطينا هذه الأحكام المسبقة على أبناء الديانات السماوية ونحاورهم بروح الأخوة ومن أجل الحفاظ على العيش المشترك الذي نجح منذ قرون في هذه المنطقة.

لذلك، فإن الفيديو المتداول بين هواتفنا يفقد كل مصداقية تاريخية وعلمية وهو ليس إلا نتيجة صحافة الإثارة التي تدعم استهلاك الانترنت ووسائل الإعلام. مضمونه يشوش على التفاهم بين أبناء الوطن الواحد الذين يتعاونون يوميًا من أجل الخير المشترك ويعبرون عن احترامهم المتبادل. إنه محاولة فاشلة لزرع الخلاف وسيفني في النسيان لأن الإيمان أقوى من أي تشكيك.

دانيال عيوش

أستاذ العهد الجديد

جامعة البلمند

[1] See: “In Pursuit of a ‘True’ Gospel: Riḍā’s Arabic Edition of the Gospel of Barnabas.” In: Ryad, Umar. Islamic Reformism and Christianity: A Critical Reading of the Works of Muhammad Rashi-d Rida and His Associates (1898-1935), BRILL, 2009, pp. 213-242.

[2] Wiegers, Gerard A. “Gospel of Barnabas”. Encyclopaedia of Islam, THREE. Ed. Kate Fleet et al. Brill Reference Online. Web. 17 Jan. 2018

العذراء في الكنيسة الأرثوذكسية – الأرشمندريت اغناطيوس هزيم

العذراء في الكنيسة الأرثوذكسية*

الأرشمندريت اغناطيوس هزيم

1- العذراء في الكتاب المقدس:

في العهد القديم صور عديدة رأى فيها الشراح تلميحاً مباشراً عن العذراء:

1- حواء: سمعت كلام الحية، العداوة بين نسليهما، المخلص من نسل المرأة.

2- العليقة الملتهبة دون أن تحترق: منها انبثق اللاهوت ومنها سمع موسى صوت الله.

3- «قامت الملكة عن يمينك موشحة بثوب مذهب». المزامير.

4- يؤتيكم السيد نفسه آية: «ها إن العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل» (أشع7: 14)

5- رأتها البنات فغبطنها، رأتها الملكات والسراري فأثنين عليها. «مَن هذه المشرقة كالصبح؟ الجميلة كالقمر، المختارة كالشمس، المرهوبة كصفوف تحت الرايات؟» (نشيد6: 8-9).

في العهد الجديد: العذراء

1- يقول لها الملاك: افرحي، يا ممتلئة نعمة الرب معك. يا مريم لا تخافي فقد نلت نعمة عند الله، وها أنت تحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع، وهذا سيكون عظيماً وابن العلي يُدعى (لو1: 30-13) أم يسوع.

2- ويقول لها: الروح القدس يَحلُّ عليك وقوة العلي تظللك ولذلك فالقدوس المولود منك يدعى ابن الله. (لو1: 35) «أم ابن الله».

3- هي التي قالت للملاك: «ها أنا أمة الرب فليكن لي حسب قولك».

4- إنها «المباركة في النساء» وهي «أم الرب» (لو1: 43) التي لها الطوبى.

5- كانت «تحفظ هذا الكلام وتتفكر به في قلبها» (لو2: 19-51).

6- هي الشخص الذي يغبطه القول «طوبى للبطن الذي حملك والثديين اللذين رضعتهما».

7- وهي التي شهد لها ابنها أنها: «تحفظ كلمة الله وتعمل بموجبها».

8- هي التي حنا عليها ابن الله ووكل عنايتها ليوحنا لما كانت المسامير تفعل في جسده فعلها المرير.

9- وتغيب العذراء حتى تظهر في العنصرة في بدء الكنيسة.

10- وهاهي في الرؤيا تظهر «آية عظيمة امرأة ملتحفة بالشمس وتحت قدميها القمر وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكباً، وهي حبلى تصيح وتتمخض وتتوجع لتلد» (رؤيا12: 1و2) (صعوبة التأويل. إرجاعه لأشعيا 54).

ولكن العهد الجديد يعطي عن العذراء وجهاً آخر:

1- اضطربت عند سماع الملاك المبشر ولعلها خافت.

2- دهشت عندما سمعت بالحَبَل وأكدت أنها عذراء.

3- اطمأنت للبشارة فقط عندما شرح لها الملاك «كيف» ستحبل فكأنها كانت تهتم لما تهتم له كل صبية عذراء عندما تسمع بحديث من هذا النوع.

4- في أورشليم قالت لابنها: «يا ابني لم صنعت بنا هكذا؟ ها إننا أنا وأباك كنا نطلبك متوجعين». ولما قال لهما: «لماذا تطلبانني؟ ألم تعلما أنه ينبغي لي أن أكون فيما هو لأبي؟». يقول الكتاب المقدس: «فلم يفهما الكلام الذي قاله لهما». أليس في عدم الفهم هذا مدعاةٌ للدهش والاستغراب؟

5- عندما تقدم يسوع إلى الهيكل تنبأ سمعان لأمه وقال: «وأنتِ سيجوز سيف قي نفسكِ حتى تكشفَ أفكار في قلوب كثيرة» (لو2: 34) وقد فسر بعض الشراح أن هذا السيف سيف عدم الإيمان أو برودته على الأقل.

6- لا يذكر الإنجيليون الثلاثة أن العذراء كانت على قدم الصليب ويوحنا وحده يفعل ذلك.

7- ما كانت العذراء بين النساء اللواتي بكرن ليطيبن جسد يسوع. ولم يظهر لها يسوع بشكل خاص كما فعل للمجدلية ومريم أم يعقوب، وكما ظهر للتلميذين الذاهبين إلى عمواس، ومن ثم للتلاميذ وهم متكئون. (مر16: 14 ولو24: 36 ويو20: 19).

إجمالاً ومما سبق رؤيته في الكتاب المقدس يجوز لنا أن نميز في العذراء كما يصفها الإنجيل شخصها الإنساني الطبيعي فهي تضطرب وتنسى ولا تفهم بعض الأمور، وشخصها المتقدس الذي تليق به الطوبى وتطلق عليه عبارات: «أم يسوع» «أم الرب» «أم ابن الله»، والتي تنتهي بالمجد الأبدي مع ابنها في السموات.

بتعبير أدق: كل ما يخص شخص العذراء فهي إنسان بالطبع ككل إنسان، وكل ما يخصها كإناء يحوي ابن الله متأله ومتقدس فوق كل تأله وتقدس.

2- العذراء في الفن الأرثوذكسي:

أ. مكان أيقونة العذراء في الكنيسة: في كل الكنائس الأرثوذكسية عن يسار الباب الملوكي، مرتبتها الثانية بعد المخلص وقبل جميع القديسين.

ب. ليس في الأرثوذكسية أيقونة للعذراء ليس عليها ابنها المخلص.

ج. ثلاث نجوم تزين كتفي كل أيقونة وجبهتها.

د. لها أيقونات تدل على انتقالها وتمتاز بأن فيها صورة يهودي مقطوع اليدين وبأنها: إما تصور جسد العذراء متجلياً ومتنقلاً إلى السماء، وإما تصور روحها في يدي ابنها في شكل جثة بيضاء. وأخيراً تمتاز بعض أيقونات الانتقال بتصوير الجثة في نعش وشخص العذراء يتكلل بالمجد في عالم لا هيولي.

هـ. وهنالك بعض أيقونات تمثل دخول العذراء الهيكل وحتى قدس الأقداس.

هذه هي بعض الأيقونات وكلها تعبير خاص عن أمر يقين يؤمن به أولاد الكنيسة المقدسة.

من الأيقونات وحدها يمكننا استنتاج بعض العقائد الأرثوذكسية ومنها:

أ ـ يقترن اسم العذراء بالكنيسة حيث وجدت ولا كنيسة بدون العذراء.

ب ـ إن العذراء في الكنيسة لتعلو كل قديس وكل ملاك وكل روح متقدس، كل هذا من جهة، ومن جهة أخرى العذراء أم، وفي أمومتها تربض قيمتها، وهذه القيمة مقدورة بالنسبة إلى الطفل يسوع. في العالم قيمة الطفل يستمدها من أمه، في الكنيسة قيمة العذراء الأم تستمدها من ولدها.

ج ـ دوام بتوليتها ترمز إليه النجوم الثلاثة في لغة الرسامين: فهي بتول قبل الولادة وأثناء الولادة وبعد الولادة.

د ـ أما في أيقونات الانتقال فيتضح أن الرسامين أخذوا ببعض الآراء اللاهوتية التالية:

1- إن الإنجيل الابوكريفي الذي استقيت منه قصة اليهودي ليس باطلاً بكامله.

2- إن العذراء لم تمت وإنما انتقلت انتقالاً.

3- إلى أين انتقلت؟ الجواب: إلى الفردوس، إلى حضن ابنها قبل مجده، إلى مجد ابن الله الوحيد.

4- فإذا سألتم هل انتقلت بجسدها كما هو؟ كان الجواب حيناً «نعم» وحيناً «لا»، إذ ـ كما قلنا ـ يصور بعض الرسامين بين يدي المسيح المتمجد روح العذراء فقط. مع العلم أن هذه الأيقونات لم يمنعها شيء من أن تعرض في الكنائس الأرثوذكسية.

3- العذراء في النصوص الطقسية: لها جزء خاص في الذبيحة الإلهية:

1- بعد كل قطعة موجهة للسيد لها قطعة خاصة بها (كانين) وهذا يصح في كل الخِدم.

2- القوانين والقطع في الصلوات الصباحية والمسائية لا تنفك تذكر النبوءات عنها وتحقيقها فيها.

3- بعض ما يقال فيها: «إنها مجد العالم بأسره، الباب السماوي، هذه التي تجلت سماء وهيكلاً للاهوت. هي مرساة الإيمان»، «هي باب الإله والسحابة والسلم المصعدة إلى السماوات والعرش السماوي وجبل سيناء..الخ».

البتولية ـ «تمت تبوءة أشعياء لأنك ولدت وأنت بتول ولبثت بعد الولادة كما كنت قبلها، لأن المولود منك إله هو». «كما أن العليقة كانت ملتهبة ولا تحترق، كذلك أنت ولدت ولبثت عذراء». «لأنك وأنت مختومة الطهارة ومصونة البتولية عُرفت أُماً بدون ريب». «لقد وسعت غير المحصور وغير المدرك سرياً في أحشائك». Mystiquement

الوساطة والإعلان ـ «إياك نسبح يا والدة العذراء، أيتها المتوسطة بخلاص جنسنا». «بواسطة ولادتك ابنك عرفنا سر الثالوث الواحد غير المختلط. السر الخفي منذ الدهور وغير المعلوم لدى الملائكة بك ظهر يا والدة الإله للذين على الأرض». (لاحظ: المسيح أعلن الآب. العذراء أيضاً تعلن الثالوث).

صورة البحر الأحمر عن البتولية ـ «إن صورة البكر العروس التي لم تعرف زواجاً قد بدت وقتاً ما في البحر الأحمر. هناك موسى قسم المياه وهنا جبرائيل خدم العجيبة. هناك عبر إسرائيل ولم تبتل قدماه وهنا المسيح يولد من غير زرع. البحر لم يدنس بعد اجتياز إسرائيل والعذراء لم تفسد بعد ولادتها عمانوئيل».

عملها الخلاصي ـ العذراء «وحدها جسر نحو الله ناقل المائتين إلى الحياة الأبدية». «إنها هي التي أصعدتنا من اللعنة الأولى». «يا والدة الإله أنت رجاؤنا فأنقذينا من آثامنا التي لا تُحصى وخلّصي نفوسنا». «تمنحين الكل تطهير الخطايا».

أما ما يُقال في ميلادها:

4ـ «إن الذي ثبت السماوات بحكمة قد أنشأ بمحبته للبشر سماء حية». «إنها فاقت كل مولود بهاء» «هي وحدها الباب لابن الله الوحيد الذي اجتازه وحفظه مغلقاً». «إن بها تقترن الأرضيات بالسماويات» (لاحظ قرب الفكرة من طبيعتي المسيح).

إنها «التي سبق تحديدها أماً لإلهنا قبل تصويرها في الحشى».

العذراء في تدبير الخالق ـ «إنها السابق انتخابها من بين الأجيال جميعها لسكن المسيح الإله ملك الكل وبارئهم».

هي سلم يعقوب: «وارتاع يعقوب وقال: إن هذا المكان المخوف ان هو إلا بيت الله وهذا باب السماء».

وتطبق الكنيسة على العذراء نبوءة حزقيال القائلة: «وردني الرب إلى طريق باب القديسين وكان مغلقاً. وقال لي الرب هذا الباب يكون مغلقاً ولا يفتح ولا أحد يعبر فيه لأن الرب إله إسرائيل يدخل فيه ويكون مغلقاً… وأولجني في طريق الباب ورأيت وإذا بيت الرب ملآن من مجده».

مستقر حكمة الله ـ وقد رأت الكنيسة أيضاً تطبيق النص التالي على العذراء: «الحكمة ابتنت لها بيتاً ودعمته بسبعة أعمدة وذبحت ذبائحها، ومزجت في كأس خمرها وأعدت مائدتها وأرسلت عبيدها ينادون بعالي الصوت: من كان جاهلاً فليجنح إلي…» ألا نرى هنا صورة الكنيسة نفسها تنطبق على العذراء؟ وخصوصاً في «يا من بها جميع تراب البشر قد أعيدت جبلته جسداً لله».

وهذا شيء مما يقال في رقادها:

ماتت ـ «إن ينبوع الحياة قد وضعت في قبر، واللحد صار سلماً مصعدة إلى السماء».

انتقلت إلى المجد ـ «لقد انتقلت اليوم من الأرض إلى السماء، فمجدك حسن البهاء يسطع بأشعة المواهب الإلهية».

الجنود السماوية كانت تتقدم الجسم: «هوذا ملكة الكل، الفتاة الإلهية قد أقبلت. هي التي لا يمكن النظر إليها».

لم تمت ـ «كرامتها تفوق العقول وهي حية على الدوام مع ابنها اللابس الحياة».

تمجدت رأساً ـ «انتقلت بتمجيد وبحال تفوق الوصف على يدي ابنها وسيدها».

ماتت بالجسد فقط ـ بينما كان الرسل يهتمون بجسدها كانت الملائكة يقول بعضها للبعض الآخر: «ارفعوا أبوابكم وتقبلوا والدة صانع السماء والأرض».

«لأنك انتقلت إلى الحياة بما أنك أم الحياة».

ما ماتت حتى ولا بالجسد ـ كثير من القطع في الطقوس يتحدث عن انتقال العذراء دون ذكر رقادها. «في رقادك موت بدون فساد. لأنه كيف تجهز أم الإله بالأطياب كمائتة؟».

وهنالك ترنيمة تقول: «عندما كان يهيأ انتقال جسدك الطاهر، أحدق الرسل بالسرير ناظرين إليك برعدة».

ماتت ـ فبعضهم تأمل بالجسد فاعتراه الذهول وأما بطرس فهتف نحوك بالعبرات قائلاً: «أيتها البتول إني أراك جلياً ملقاة طريحة يا حياة الكل فاندهش».

دفنت ـ «إن مصف الرسل قد دفن جسمك القابل الإله ناظرين إليه باحتشام».

انتقلت بالروح ـ «إن القوات الملائكية ذهلت لما شاهدت سيدها ضابطاً بيديه نفساً نسائية وهو يخاطبها قائلاً:

ماتت بالجسد ـ «هلمي أيتها العفيفة لتتمجدي مع ابنك وإلهك». وهنالك حث على تقبيل ضريح العذراء. على كل حال العذراء تقول: «أيها الرسل اضجعوا جسدي وأنت يا ابني وإلهي اقبل روحي».

لم تمت ـ غير أن هنالك تأكيداً لا يجوز أن نمر به عبوراً سريعاً وهو الآتي: «إن والدة الإله لم يضبطها قبر ولا موت لكن بما أنها أم الحياة نقلها إلى الحياة الذي حل في مستودعها الدائم البتولية».

من كل ما سبق ذكره نقدر أن نستنتج:

1- إنها تتصف بما لا يتصف به غيرها من البشر فإذا قيل عنها: «التي هي أكثر إكراماً من الشيروبيم، وأرفع مجداً بلا قياس من السيرافيم» فذلك لا مغالاة فيه.

2- إنها أداة للإعلان الإلهي ولذلك فهي مخلصة وهي منقذة من الآثام.

3- هي الباب الوحيد الذي يصل السماويات بالأرضيات ولا بأس هنا أن نغالي ونقول: إذن لا خلاص إلا من خلال العذراء وليس بواسطتها مباشرة.

4- إنها السماء الحي وهيكل اللاهوت التي لم تعرف الفساد (بالمعنى الفلسفي) ولذا فهي غير مائتة وهي جزء أساسي وعنصر أولي في عملية الخلاص رآه الله وهيأ له منذ الأزل.

5- بما أنها لا تقبل تغيراً في جسدها فهي بتول أثناء الولادة كما كانت قبلها، وبقيت بتولاً حتى بعد الولادة.

6- وأخيراً إنها بيت حكمة الله التي أولمت وليمة ودعت إليها الجهال.

7ـ وبكلمات موجزة العذراء صورة مصغرة للكنيسة، كنيسة الله في السماء وعلى الأرض.

8- أما رقادها فيثير القارئ الأرثوذكسي للترانيم الطقسية إلى الوقوف أمام التشعبات التي رأيناها:

أ. ماتت العذراء أم لم تمت؟

ب. دفنت أم لم تدفن؟

ج. انتقلت بكاملها أم انتقلت روحها فقط؟

د. انتقلت إلى السماء، أم إلى الفردوس، أم مباشرة إلى مجد ابنها؟

والغريب أن لكل من هذه الأسئلة جوابين: نعم ولا. وهكذا فإننا نجد أن الطرفين الإيجابي والسلبي اللذين وجدناهما في الكتاب المقدس وفي التعبير الفني عن حياة العذراء ووصفها اللاهوتي، أقول نجد هذين الطرفين في النصوص الطقسية. هذا إلى جانب أمرين مهمين:

1- ليس من نص طقسي واحد يبحث قضية العذراء بالاستقلال عن ابنها.

2- إن الكنيسة تصلي لا للعذراء فقط ولكن من أجلها إذ نقول: «أيضاً نقرب لك هذه العبادة الناطقة من أجل المتنحين بإيمان الأجداد.. وكل روح صديق توفي بإيمان وخاصة من أجل الكلية القداسة الفائقة البركات المجيدة سيدتنا والدة الإله الدائمة البتولية مريم».

وهذه النتيجة كما ترون لا تختلف عما وصلنا إليه في النقطتين الأوليين اللتين بحثناهما:

نصلي للعذراء ولكننا نصلي أيضاً من أجل العذراء.

4ـ العذراء في اللاهوت الأرثوذكسي:

1- النصوص الكتابية لا تفهم بالضبط إلا في الكنيسة.

2- النصوص الطقسية لا تفهم إلا كعبارة عن وضع طيب أساسه الإيمان والحياة في الكنيسة ولكنه لا يصلح أن يكون أساساً للاهوت وخصوصاً إذا كان وحده. الشعر شيء والقانون شيء آخر.

3- أما التعبير الفني فهو تماماً التعبير عن النصوص الطقسية وفيه من العاطفية ما فيها. وهو بدوره لا يصلح وحده أساساً للاهوت المريمي في الكنيسة.

4- التعبير الصحيح الذي يعرف أين يكون دقيقاً وأين يكون غامضاً هو التعبير اللاهوتي وهذه آخر نقطة نبحثها.

كيف عبر اللاهوت الأرثوذكسي عن موقفه تجاه والدة الإله.

1ـ عن ولادتها من والديها: ولدت ولادة طبيعية وكانت تحمل معها الخطيئة الجدية مثل سائر الناس. وفي الكتاب المقدس ليس من شيء واضح في هذا الأمر كما أن كل مشكلة الخطيئة الجدية كما يفهمها اللاهوتيون غير واضحة تماماً فيه. أما عقيدة الحبل بلا دنس فلا نأخذ بها لأنها:

أ ـ لا تستند إلى أساس كتابي واضح.

ب ـ تخالف الرأي الذي يقول: كل خلاص صار على الصليب وليس من خلاص قبل الصليب. العذراء تخلص ولكن بالصليب وليس قبله.

ج ـ حتى هذا الرأي ضعيف جداً لأنه يحصر الخلاص بحدث الصليب بينما اللاهوت الأرثوذكسي يشدد على أن التجسد هو عملية الخلاص والصليب حدث من أحداث التجسد ولم يكن فيه المسيح أكثر ألوهة منه في غيره. وربما كان الصحيح أن نقول مع ناظم خدمة المديح: «مع الصوت تجسد سيد الكل» ومع تجسده في العذراء حصل خلاصها. نعم إنها أول مَن تخلّص لأنها في وضع خاص. وهذا تخالفه عقيدة الحبل بلا دنس.

د ـ وجه الشبه بين حواء الأولى وحواء الثانية أن كلتيهما «أم كل حي» غير أن الفرق بينهما هو: أن الأولى سارت بملء حريتها من الصلاح إلى الخطيئة الجدية أما الثانية فقد سارت من الخطيئة الجدية نحو الصلاح. الأولى قبلت الخطيئة وأشركت معها الجنس البشري والثانية قبلت الخلاص وأشركت معها الجنس البشري.

عقيدة الحبل بلا دنس تهدم هذه العلاقة وترى نفسها مجبرة على التأويل الطويل والمنطق الذي لا يرتكز على الكتاب المقدس.

هـ ـ وأخيراً يصعب علينا، لا بل يستحيل أن نأخذ بعقيدة الحبل بلا دنس لأنها تضعف سر التجسد أضعافاً يفقده جل معناه. وفي الحقيقة ما معنى التجسد إذا لم يكن التجسّد في الطبيعة الإنسانية كما أراد الله خلاصها. ما معنى التجسد إذا حصل في برج عاجي يختلف عن أية طبيعة من طبائع أولئك الذين يريد الله خلاصهم؟ عقيدة الحبل بلا دنس تقتطع العذراء من الطبيعة الإنسانية وتبعدها واقعياً عنها فيكون قد انهدم القرب الذي أتى المسيح من أجله، القرب بين الله والناس.

و ـ أخيراً إن تفسير كلمتين من الكلمات اليونانية وعصر الكلمتين عصراً ظاهراً لا يكفي لقيام عقيدة ولا لإرجاعها إلى الكتاب المقدس. هنا اعتذر الا أوافق الأب جورج فاخوري البولسي على رأيه.

ز ـ أعتقد أن اختلافنا واخوتنا الكاثوليك يعود في النهاية إلى اختلافنا وإياهم على النعمة والطبيعة من ناحية والاستحقاقات من ناحية أخرى.

غير أن من واجبي الاعتراف بأن المسألة ليست بسيطة إلى هذا الحد.

2ـ عن قيمتها بحد ذاتها: إن قيمة العذراء في الكنيسة الأرثوذكسية لا تحد. وعندما عرّفها مجمع أفسس المسكوني بوالدة الإله لم يقصد إضعاف قيمتها بل إعلاءها. صفتها الأولى والأخيرة انها «والدة الإله». هنا تنقلب الآية عما هي في الواقع العادي: الأم تنسب إلى ولدها من حيث القيمة لا الولد إلى أمه: أما يردد المرنم أنه ابنها وإلهها، ابنها وسيدها إلى ما هنالك من عبارات تعطيه الأولية عليها؟ وهنا يجدر بنا العودة إلى الفن الأيقونوغرافي الذي يمثل العذراء، لا وحدها، كما في الغرب، بل مع ابنها ذلك الذي هي له أم ولذا فهي ما هي.

إذن، وباختصار، كل موقف من أم الإله يمزجها أماً بالناس الخطأة عملياً كما يفعل البروتستانت أو بابنها المخلص كما يكاد يفعل بعض اللاهوتيين الكاثوليك، وهو موقف إما أن يحط من كرامتها وإما أن يمحو عنها إنسانيتها.

العذراء نعم الوسيط بين الرب يسوع والناس إذ فيها التقت ألوهة الابن بطبيعة أبناء آدم وتجسدت فيها.

وإذا أوغلنا قليلاً في التفكير وصلنا إلى نقطة هامة وهي أن العذراء لا تختلف عن الكنيسة جوهراً. يقول بولغاكوف: «في رأي الأرثوذكسي لا كنيسة بدون العذراء». وهذا قول صحيح صميمياً إذ أن في العذراء اجتمعت أولاً العناصر التالية: الإنسان، الروح القدس فكان رأس مضمونها المخلص. والكنيسة اجتمعت بها ثانياً وفي الزمن العناصر نفسها. وإذا لم تكن الكنيسة تحوي المسيح كما حوته العذراء، وإن لم تحوِ المسيح وهي مشاركة العذراء احتواءها إياه، فهي ليست كنيسة.

إن كل تفكير يبعد العذراء عن الكنيسة يقطع الصلة بين النعمة والطبيعة الإنسانية التي في العذراء قالت لها: «هاءنذا أمة للرب». وإن كل فصل أو مقابلة بين العذراء وابنها لهو فصل لا يرتكز على شيء كتابي أو لاهوتي: المسيح وأمه شخصان إذا أكرمت أحدهما أكرمت الثاني. ونحن نكرم أحدهما الأم حتى نكرم الابن لأننا نعرف هذه المرأة قبل كل شيء أماً لهذا الابن.

ولنقل الكلمة الأخيرة في انتقال العذراء:

العيد 15 آب: حديث بين 610 و649. يوحنا مطران تسالونيكية صاحب قصة اليهودي. القديس Modeste بطريرك أورشليم (مات عام 634)، هيبوليتس الطيبي (شخص مجهول كتب بين 650 و750) القديس جرمانوس بطريرك القسطنطينية (مات 733) الذي أعطانا المقاطع في السنكسار عن الرسالة من يسوع إلى أمه لما حان أوان انتقالها. القديس اندراوس الذي من أقريطش مات (740). القديس يوحنا الدمشقي (توفي 749) في مواعظه ذكر العيد والانتقال.

أما الذين رنموا لهذا العيد وأعطونا العبارات الطقسية التي رأينا فهم: قزما مايوما وثيوفانس غرابتس أسقف نيقية (توفي 845)، ثيودورس أبو قره (مات 820)، ثيودورس الأسطوذيتي (مات826)، الراهب أبيفانيوس (أوائل القرن التاسع) الراهب ثيوغنسطس (مات 871)، جورج الذي من نيقوميدية (مات بعد 880) والإمبراطور ليون السادس العاقل (مات 912). كل هؤلاء ذكروا الشيء الكثير عن انتقال العذراء ولكنهم لم يحددوا موقفهم بشكل جازم.

وهكذا فإن الوضع الحالي للقضية هو ما يلي:

لا تزال فكرة انتقال العذراء فكرة في الكنيسة وليست عقيدة. وأجسر أن أقول إنها عقيدة من حيث المضمون وليست عقيدة من حيث الشكل. ليست في دستور الإيمان ولكنها موضوع إيمان في الكنيسة. على كل حال اعتمدت.

* عام 1958

* المصدر : كتاب “آلام فقيامة” – اغناطيوس الرابع بطريرك أنطاكية وسائر المشرق-صفحة 57

الأيقونة ورؤيـة الله- أحد الأرثوذكسية – المطران بولس يازجي

” تعــالَ وانظـــرْ…”

 يا لها من دعوةٍ جريئةٍ ومقدّسة! فيلبّسُ يدعو نثنائيلَ ليشاهدَ معه ماذا؟ بالأحرى مَن؟ الله! هل هذه الرؤية مطلوبةٌ أصلاً وهل تقّدم هذه الدعوة؟ وهل تحجب الأيقونة وجهَ الله أم تكشفه لنا؟

كم كانت هذه الدعوة غريبة بالنسبة لإنسانٍ يهوديٍّ تعلَّم “أنَّ لا أحد يرى الله إلاَّ ويموت”! وإذا ما أراد أن يقترب من الله فيمكنه أن يلاقيه في مجده فقط أو عن طريق حلول مجده في الخيمة أو المعبد. لعلّ تحدّي هذه الدعوة آنذاك ليس بأسهل من واقعه اليوم؟

رغم َقساوة هذا التحدّي، يبقى رسالة ملقاة على عاتقنا. نعم، لأنّنا رسل محبّةٍ وفداءٍ لخلاص الآخرين. ولأنّها “حاجة” الناس الحقيقيّة والمطلب الأخير للبحث الإنسانـيّ المعذَّب.

يتطلّع الناسُ إلى أمورٍ شتّى، ويبنون أحلاماً مختلفة، ويصبون إلى أهداف متنوعة لأنَّهم عطشى؛ لكن الخبرة البشريّة دلّت، أنَّ الوصول إلى كلّ تلك الغايات لا يترك بعده إلاَّ العطش إلى المطلب الحقيقيّ. لقد عَبَدَ فلاسفة أثينا كلّ الآلهة، التي لم تروِ عطشهم الإنسانـيّ، لذلك نصبوا معبداً للإله المجهول الذي جاء بولس يبشّرهم به. لا يمكن للعين البشريّة أن ترتاح إلاَّ إلى برؤية الله. وهذه هي الحاجة البشريّة الأخيرة التي عبَّر عنها فيلبّس بالإنجيل حين قال ليسوع: “يا سيّد أرنا الآب (الله) وحسبنا”. “تعالَ وانظرْ”، هذه العبارة تلخّص خطاب المسيحيّ مع كلّ إنسانٍ حوله. إنّها تلخِّص بالنهاية، أرثوذكسيّة كلّ مسيحيٍّ. والمقصود هنا بالأرثوذكسيّة (استقامة الرأي) الأرثوبركسيّة (استقامة المسلك). “تعالَ وانظرْ”، هذه العبارة هي أرثوذكسيتنا تجاه الناس..

 رداً على السؤال “يا سيّد أرنا الآب وحسبنا”، أجاب يسوع: “من رآني فقد رأى الآب”. المسيح هو صورة الآب، إنّه كلمة الآب للناس، يُمثّل كامل المشيئة الإلهيّة، إنّه مكان الآب فعلاً، به نرى ونعرف الآب وهو الذي يكشفه لنا.

يمكننا أن نرى يسوع ونخاطبه، ونتعلّم منه بواسطة الأيقونة. هل رأينا أيقونةً للضابط الكلّ وتعلّمنا منها عناية الله بنا ودعوته لنا! كلّما نظرنا إلى أيقونة الميلاد نجوز بها إلى حدث التجسّد، إلى النداء الإلهيّ.

ننظر إلى أيقونة المصلوب فنفهم ما لا تسعه مئات الصفحات عن محبة الله، ننظر إلى أيقونة الفريسي والعشار، وهي خشبٌ وألوان، لكنها تعطينا درساً عن التواضع لا تشرحه صفحات! هي الحقيقة والمعنى، يمكن التعبير عنهما بكلماتٍ كما بالصمت أو بالألوان. الأيقونة إنجيلٌ مكتوبٌ ليس بحروفٍ وتعابيرَ، ليس بنصوصٍ وإنما بألوان. إنها مشهدٌ، نشاهد منه الحدث. الأيقونة ليست خشبة نسجد أمامها، إنما هي نافذةٌ نطلّ منها ونذهب إلى عالمِ مَن وما تصوّره.

 الأيقونة أداة عبادة. ونقصد بالعبادة هنا كلّ ما يقودنا إلى مخاطبة الله والحوار معه بشأن حياتنا، ومسلكيتنا، ورسالتنا، وعلاقتنا بالآخر. بالأيقونة إذاً نرى الله، وبالأيقونة نكشفه للآخرين أيضاً. إكرام الأيقونات واجبٌ، لأنَّ الأيقونة تجوز بنا إلى عنصرها الأول، كما يقول باسيليوس الكبير.

 الأيقونة تروي عطش العين البشريّة وتعطيها ارتياحها. حين التحق القدّيس سلوان الآثوسي بالدير بعد حياة متقلِّبة وبدأ حياة التوبة وأتعاب الفضيلة، دخل إلى الكنيسة مرّةً وهناك شاهد في أيقونة السيّد ملامح الغفران.

فلأيقونتك الطاهرة أيّها الصالح نسجد مستمدّين مغفرة الخطايا، وإيّاها نرفع وننظر، وبها نكشف وجهك وحبَّك ونصرخ إلى كلّ قريب “تعالَ وانظرْ”. آميــن

المصدر: مدونة المطران بولس يازجي

www.paulyazigi.wordpress.com

رسالة أحد الغفران- قيمة الخطيئة وقيمة الأخ- المتربوليت بولس يازجي

“قد تناهى الليل واقترب النهار،
فلندعْ عنّا أعمال الظلمة ولنلبسْ أسلحة النور”
بواسطة هذه الوصيّة الإلهيّة تضعنا الكنيسة في اليقظة على عتبة الولوج إلى الصوم الأربعينيّ المقدّس! إنّها الفترة الأهمّ من السّنة للجهاد الروحيّ، وبالتالي الأدقّ. على مَن يجاهد أن يجاهد الجهاد الحسن. فنجاح الإنسان يشترط إلى جانب مقدار الأتعاب الحكمة واليقظة. ولقد رتّب الطقس الكنسيّ اليوم أن يتبادل الجميعُ القبلةَ الأخويّة معلنين المصالحة والغفران المتبادل قبل الدخول في الصيام.

المسامحة هي الفضيلة “التي لا تسمو عليها أيّة فضيلة أخرى” يقول الذهبيّ الفمّ[1]. فما نحقّقه بواسطة هذه الفضيلة قد لا يمكننا تحقيقه بواسطة الكثير من الفضائل الأخرى، كالصيام أو الصلاة أو الإحسان… لأنّه بمجرّد أن تقبل في داخلك الصفح لأخيك عن زلاّته نحوك تكون قد حقّقت فعلاً غاية كلّ الفضائل، وهي المحبّة. إذن فضيلة المسامحة، كممارسة، هي أقوى وأسمى الفضائل، وأسرعها بقيادتنا حتّى غاية الفضائل، المحبّة!

يرتبط الإنسان بعلاقاته المتشعّبة بالعديد من الناس المختلفين. ولا تثبت المحبّة فقط بشرط حسن تصرّف الآخرين دوماً، لأنّ احتمال الخطأ بين الناس ليس قليلاً أبداً! لذلك إنّ رباط المحبّة بالأساس يستمرّ بسبب الغفران وليس دوماً من صحّة العلاقات. فالإنسان الصدُوق هو ليس المحظوظ بأفضل الأصدقاء بقدر ما هو الإنسان الغفور، الذي يعرف أن قيمة الأخ لديه دوماً أكبر من قيمة الخطيئة نحوه. لا يمكننا أن نبيع محبّتنا للأخ بثمن بخيس هو قيمة خطيئته تجاهنا. وفترة الصوم هي الزمن الذي نحافظ فيه على المحبّة زاهدين باللذّة، نحافظ فيه على الآخر ناكرين الذّات. في الصوم يصير الآخر أَثْمَن من راحتنا أو كراماتنا أو نزواتنا؛ ولذلك نطرح هذه الأخيرة، وهي الظلمة، لنرى الأخ في النور. الصوم هو سلاح النور، لأنّه يجعلنا نرى القريب قبل الخطيئة، فتذهب تلك إلى الظلال ويبقى هو أمامنا في الحقيقة. السلام هو ثمرة المسامحة دوماً. إنّ “صانعي السلام” الذين يغبّطهم يسوع هم أيضاً المسامِحون، الذين يغفرون للأخ حتّى يربحوا محبّتهم له. إنجيلنا إنجيل السلام و”إنجيل المصالحة”.

لهذا شدّد يسوع: “إنْ تذكّرت أنّ لأخيك شيئاً عليك، فاتركْ هناك قربانك قدّام المذبح واذهبْ أوّلاً واصطلحْ مع أخيك…” (متى 5، 24). وتبقى صرخته على الصليب: “يا أبتِ اغفرْ لهم” فخراً وشعاراً للمسيحيّين. لهذا قلّد يسوعَ أوّلُ شهيدٍ، استفانوس حين غفر لراجميه. ولم يتردّد بولس الرسول أن يكتب إلى تلميذه فيليمون طالباً منه الصفح عن العبد أنيسيموس ويسمّيه بولس “ابني”. فالخطيئة مهما عظمت لا تساوي ثمن الأخ عندما يكون محبوباً. لذلك علّمنا يسوع في الصلاة الربانيّة أن نغفر لمن أساء إلينا قبل أن نطلب الغفران من الله الذي نسيء إليه.

إنّ الدافع الأوّل للغفران والصفح هو تذكّرنا أنّنا مَدينون ونحيا على الرحمة، فكما أن أبانا السماويّ يصفح لنا نصفحُ نحن لمن أساء إلينا. عندما سأل بطرسُ يسوعَ كم مرّة أغفر لأخي إذا أساء إليّ أَسبعَ مرّات؟ أجاب يسوع سبعين مرّة سبع مرّات، أي دائماً دون حدود، لأنّ الغاية هي ألاّ ندفع الأخَ ثمناً للخطيئة. ولقد أوضح يسوع فوراً بمثل العبد الغريم: أنّنا نحن البشر مدينون للسيّد الربّ، كذلك العبد، بعشرة وزنات بينما يُدين الواحدُ منّا لأخيه عشرة دنانير. مَن لا يغفر يصحّ عليه اسم “العبد الشرير”. “فقط مَن يلتفت إلى الله لا يعير إهانات وزلاّت الآخرين قيمةَ”، يقول الأدب الرهبانـيّ. لن يسامح إلاّ مَن صارتْ له الإهانة كالإكرام، ولا مصلحة له في كلَيهما، إذ له الموت من أجل المسيح والحياة من أجله فقط ربحٌ.

نحتار حينا بين المسامحة والعدالة! إذ يرى البعض أنّ وصيّة “مَن لطمك على خدك الأيمن حوِّلْ له الأيسر” هي وصيّة ملائكيّة، وقد تسمح باستمرار الشرّ والظلم! بينما شريعة العين بالعين والسنّ بالسنّ هي الأجدى لإحقاق الحقّ!

إنّ الإنسان المؤمن لا يزدري الحقّ والعدالة الجماعيّة، لكنّه يعرف أن ليس له أن ينتقم، ولا يبني علاقته مع القريب على الحقوق. فإنّ السيّد علّمنا أن نُخرج من الظلم خيراً، وقصّةُ يوسف الذي ظلمه إخوته وقابلهم بالغفران، علّمتنا أنّ الله هو من يقيم الحقّ في النهاية. أمّا نحن حبّاً بالآخرين فنحتمل الظلمَ ونقابله بالغفران. ويوصي القدّيس اسحق السريانـيّ تفضيل أن نُظلم على أن نَظلِمَ. قد يقول البعض إنّ الانتقام للحقّ، كاستعادة للبرّ وليس للعقاب أو الردّ على الشرّ بالشرّ، هو أمرٌ ضروريّ! هذا حقيقة من حيث المبدأ، لكنّه مقبول مسيحيّاً فقط حين يكون مفعماً بالمحبّة وخالياً من أيّ اختلاط أو خداع في أصالة هذا الشعور بإحقاق الحقّ وليس بالشرّ. لقد صمتَ يسوع أمام بيلاطس، كما أنّه ضرب بالسوط وقلبَ موائدَ الصيارفة! وفي الحالتَين كانت المحبّةُ تصمت والمحبّةُ تجلد. حين نكون في خطر الخداع نحو صفاء المحبّة في التأديب علينا أن نختار الغفران المطلق، “لي الانتقام يقول الربّ” (تثنية 32، 35)، ولنا، نحن البشر، الصفح لمن أساء إلينا!

تُمنى المحبّة بالإخفاق في هذه الدنيا، وباسم إحقاق الحقّ نبرّر الانتقام، مرّات عديدة. السلاح الأضمن، سلاح النور، هو الصيام. في الصيام نعفّ عن إحقاق العدالة تائبين إلى الصفح والغفران. ما حقّ بين يسوع وبين تلك المرأة التي دهنت قدمَيه في بيت سمعان، يحقّ بين كلّ واحدٍ منّا وقريبه! “هذه قد أحبّتْ كثيراً لهذا غُفر لها كثيراً”، ومَن نغفر له الكثير نربح حبّه الكبير. القريب أثمن من الخطأ الذي يُلحقه بنا. الخطيئة عابرة والقريب رسالة. وحتّى متى نغفر ونغفر أَسبعَ مرّات؟ سبعين مرّة سبع مرّات، أجاب يسوع. “ينبغي بنا نحن أيضاً أن نرحم العبيد رفقاءنا كما يرحمنا أبونا السماويّ” (متى 18، 33)، آمين.

من كتاب برج وجسد- الجزء الثاني

للمطران بولس يازجي

المصدر: مدونة المطران بولس يازجي https://paulyazigi.wordpress.com

أحد الدينونة – الميتربوليت بولس يازجي

“حينئذ يقول الملك للذين عن يمينه: تعالوا يا مباركي أبي…،

وللذين عن يساره: اذهبوا عني يا ملاعين”

يعطي يسوع هنا صورةً عمّا سيحدث يوم الدينونة الأخيرة. كيف سيجلس هو على العرش “ويجمع إليه كلّ الأمم فيميز بعضهم عن بعض كما يميّز الراعي الخراف من الجداء”. ثلاثة حقائق أساسيّة تخرج من هذا النصّ، وتستحقّ منا التأمّل العميق. الأولى هي حقيقة يوم الدينونة، والثانية شمولية ذلك اليوم ومسكونيته، وأخيراً معيار الدينونة وهو المحبة.

دينونة الله هي مبدأ إنسانـيّ عامّ بحسب الضمير أوّلاً. فإنّ عدالة الله ومحبّته توعد بتصحيح الأمور المعوجة في هذه الحياة. وهو سيعوض للمظلوم وسوف يدين كلاً بحسب أعماله. حقيقة الدينونة العامة أساسية في إيماننا. مجيء المسيح الأول (تجسّده) يختم العهد القديم، ومجيئه الثاني (عودته) سيختم زمن العهد الجديد، الذي يحضّرنا ويضعنا في السهر والانتظار ليوم الربّ الرهيب.

سِفر المزامير يستدعي الله بشوقٍ ليتمّ العدل على الأرض. وكتاب سِفر الرؤيا هو الكتاب النبوي في العهد الجديد يتكلّم عن يوم الدينونة والغلبة الإلهيّة الأخيرة ومصير الناس. ونعلن في دستور الإيمان أننا نترجّى قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي.

الدينونة في المفهوم المسيحيّ ليست عقاباً ينـزله الله بمَن أساءوا إليه، بل إنّها اللحظة التي يُقيم فيها الله العدالة. وتترافق هذه الدينونة بلوحات مرعبة وصور مهوّلة، وذلك رغبةً بالتشديد على السهر من جهة وعلى تصوير مقدار العذاب الذي سيلحق بالمهملين.

نقع اليوم في الخطأ إذ نشعر بأنّ الربّ “أبطأ”. تمرّ الأجيال، وانقضت الألفية الأولى وبعدها الثانية. وها نحن ندخل الألفيّة الثالثة! لذلك يتولد الشعور بأنّ السيّد يبطئ، إن لم يتولّد الشعور أن يوم الدينونة هو مجرّد تعليم تربويّ وليس حقيقة تاريخيّة ستحصل!

درءاً لهذا الخطر أوصى يسوع “ألاّ ننعس قائلين قد أبطأ”! إنّ انقضاء زمنٍ طويلٍ قبل المجيء الثاني لا يجعلنا نرتاح على أنّه سيبطئ؛ بل نريد السهر، لأنّ زماناً طويلاً انقضى وبالتالي ما تبقّى هو أقصر. فإبطاء الربّ يضعنا في اليقظة أكثر. “أبطأ” تعني لنا إذاً “الانتظار” بلهفةٍ ويقظةٍ أكثر وليس “التأجيل”!

“اسهروا” هي الكلمة التي يجب أن تأتي إلى مسامعنا كلّما عبر زمان. وهذا ما تريده الكنيسة في هذا الأحد، إذ تذكرنا بيوم الدينونة الرهيب!

شامل هو حكم الربّ يوم يدين “الأمم”. لأنّه سيجمع كلّ الأمم وليس أتباع دينٍ دون آخر أو أبناء أمةٍ دون سواها… لكن هل عند الله محاباةٌ للوجوه؟ وكيف سيدين من هم خارج ديننا؟ ما هو المعيار المشترك الذي سيأخذه الربّ ليقيم العدل للجميع؟ المحبة هي المشترك في حياة كلّ البشر. يختلف الناس بالدين، ويختلفون بالأعراق والجغرافيا والظروف والحضارات واللغات… كلّ شيء بين الناس مختلف، الأمر الوحيد المشترك بين كلّ الناس هو إنسانيّتهم أي محبّتهم وعمل الخير. لذلك يوضح يسوع أنّ الدينونة ستقوم على أساس “الأعمال” وليس على اعتبار آخر ولا الدين حتّى! هكذا عندما يفرز الخراف عن الجداء ويفصلهم عن يمينه وعن يساره لا يسأل عن أي معيار غير الأعمال الحقيقيّة، المحبّة العمليّة. على هذا الأساس يمكن ليوم الدينونة أن يكون شمولياً.

عندما تكون المحبّة هي معيار الدينونة؛ وعندما يوحّد الديان ذاته بذوي الحاجات؛ فكل ما فعلتموه بهؤلاء “الصغار” (الضعاف) تكونون قد فعلتموه “بي”! وعندما يؤكد يوحنا الحبيب أنّه لا يمكننا أن نحبّ الله الذي لا نراه إذا كنا لا نحبّ القريب الذي نراه؛ كل ذلك يعني أنّ الدين كعلاقة حبٍّ وعبادةٍ لله لا تقوم مباشرة بين المخلوق والخالق! إنّما يثبت الإنسان محبّته لخالقه حين يعتني بخليقته! إنّ محبتنا العمليّة للقريب هي التي تبني المحبّة مع الله. والعكس، إنّ إهمالنا للقريب هو الذي يحدّد دينونتنا. خطرةٌ هي “التقوى” الخارجيّة، التي تُكثر من “العبادات” نحو الخالق وتهمل خدمة الناس. هذا هو التدين الهابط!

تحديد المحبّة معياراً للدينونة يعني مسؤوليّةً مشتركة بين البشر، أنّ الله سيدين على أساس تحقيق حياة الشركة وليس حياة الفرد. لا تقبل العدالة الإلهيّة جواباً كـ “أفأنا مسؤول عن أخي؟”. نعم أنا مسؤول عن أخي، إن كنت أؤمن بوجود الله ويوم الدينونة العادل.

تأخذ محبّة القريب طابعاً دينياً وليس اجتماعياً. إن مسؤوليتنا نحو القريب ليست في حيّز “الإحسان” إنّما في صلب “الإيمان” وهي معياره. ليس الدين مسألة فرديّة بين فرد وإلهه. الإيمان المسيحيّ مسألة شركويّة. السؤال يوم الدينونة ليس عمّا فعلنا مع الله، فهذا لا معيار له إلاّ بعض المظاهر! السؤال سيكون ماذا طبّقنا من الدين مع الآخر. هذه هي الوصيّة الجديدة التي شدّد يسوع أن نحياها ليعرف الناس أنّنا تلاميذه. الدين هو وصايا نحو الآخر، وما نريده مع الله نبرهنه من خلال القريب.

الشركة مع الآخر ليست درجة مثاليّة في الدين بل هي جوهره؛ وغيابها لا يعني نقصان فضيلة مما فيه بل يعني غيابه بالكلية!

نعم،حقيقة سُندان يوماً، فلنسهر! والدينونة شاملةٌ للجميع، فلا دِين ولا عرق ولا أي انتماء إنّما الأعمال فقط! سنُسأل آنذاك حصراً عن المحبة، وإن عملنا لمحو وجه الأمم عن وجه الأرض!

أحد الدينونة يهيئنا إلى صيامٍ يريد أن يعدّنا إلى الدينونة بالسهر، لأنّ الزمان قصير، ويعلّمنا أنّ الله سيفرز بين البشر جداء وخراف جميعاً حسب الأعمال وليس الانتماء، وأنّ الدين هو فعل محبة للآخر. آمين

من كتاب سفر الكلمة- الجزء الأول

للمطران بولس يازجي

المصدر: مدونة المطران بولس يازجي https://paulyazigi.wordpress.com

فرح التوبة – الميتربوليت بولس يازجي

“اذبحوا العجل المثمّن لنأكل ونفرح، لأن ابني هذا كان ميتاً فعاش وضالاً فوجد”

كلّ سنة يعود إلينا مَثَلُ الابن الضال كمِسحةٍ من نور تبدّد كلّ عتمة يأس، وتنهض بالنفوس المتعبة من أثقال الكورة البعيدة. إنّه النصّ الإنجيليّ الأفضل لكي نفهم أبعاد العلاقة مع الله واللقاء به بعد نسيان طويل، وذلك في وقتٍ يتعرّض فيه سرّ التوبة لبعض التراجع أو الغموض أو التشويه.

تبدو الحياة المسيحيّة لدى البعض مثل “ديِن” يحمِّل الناس “دَيْناً” من الوصايا لكي نتّقي الغضب الإلهيّ. ولما كان هذا مستحيلاً بالكليّة، أضافت الأديان “عقوبات” و”تكفيرات” لمصالحة الله واستدرار غفرانه.

لغة الكتاب المقدّس مختلفة تماماً عن هذه الحلقة الغامضة من “الخطيئة البشريّة ثم الفداء الإلهيّ ثم أعمال الغفران”! لغة الكتاب المقدّس، والكلمة الوحيدة التي تلخص فحواه، هي تلك التي بدأ بها يسوع كرازته “التوبة”! والتوبة في الكتاب مرتبطة مباشرة بالفرح كما سمعنا في نهاية هذا المثل اليوم. هناك خمسة معانٍ تخرج من مطالعتنا وسماعنا لمثل الابن الضال وتستحق منّا التأمّل العميق وهي:

1- التمييز ما بين الخاطئ والخطيئة

من الواضح أن السيّد يشدّد في تركيب هذا المثل على القيمة الغالية لكلّ إنسان بغضّ النظر عن وضعه كان في برٍّ أم في خطيئة. فالإنسان هو “ابنٌ” في أوضاع متبدّلة، ومهما كان وضعه، في بيت أبوي أم في كورة بعيدة، فهو لا يفتأ يبقى “الابن” وله المحبّة ذاتها. الله محبّة. الله أبٌ يحبّ أولاده- يحبّنا. لكن لمحبّته هذه عنده وجهان، وجه الفرح -حين نعود- ووجه الصليب حين نرحل. نعم الخطيئة غير الخاطئ. الخطيئة هي خطأ الابن وليست قيمتَه الحقيقيّة. قيمة الابن هي في محبّة الآب التي لا تتبدّل، أما الخطيئة فهي ضعفٌ فيه يمكن أن يتبدّل. البرّ والخطيئة احتمالان للإنسان ذاته. لذلك عندما يخطئ الإنسان لا يصير في لائحة الملعونين وإنّما من المطلوبين لدى الآب! لهذا يوصينا بولس أن يصلح الأقوياء وهن الضعفاء بالمحبّة وروحيّاً. لأنّه كما أن هناك خطيئة هناك توبة. والخاطئ هو ابن غير تائب بعد، والبار ما هو إلاّ الابن الذي تاب إلى الله.

2-انتظار الآب

يصوّر يسوع لنا في المثل الأبَ في وضع تشوّقٍ وانتظار لابنه الذي رحل. يحقّ لهذا الأب أن يرجو عودة ابنه، ولربّما بثقة، لأنّه يعرف أنّ الابن لن يجد في أيّة كورة دفءَ البيتِ الأبويّ. ترسم بعض الأيقونات هذا المثل وتصوّر الأب مترقّباً من على السطح عودة ابنه من بعيد. نعم الله في انتظار، فليت انتظاره لكلّ منّا لا يطول! هذا هو صليب الربّ: انتظارُه! لا يطلب الله تكفيرات ولا يتملّكه غضب الكرامة المنتقمة حين نخطئ، إنّما يصلبه الرجاء بأنّ نعود. هذا هو قدر “الحبّ” في عالم تلوّن بالضعف كما بالنعمة.

3- عدم محاسبة التائب

العجيب، أنّه عندما عاد الابن بادر الأب إلى إعطائه الحقوق والنعم المفقودة بدل أن يسأله أين بدّد المال، أو لماذا أهان الحبّ الأبويّ ورحل. هذا طبيعي لمن ينتظر. ألم تكن هذه هي أسئلة الابن الأكبر، وهذا ما أدهشه في أبيه؟ أليست هذه المحاسبة الغريبة هي التي ستجعل الابن العائد لا يعود يفكر بالرحيل ثانية ويبقى مديناً بالحبّ والتوبة مدى الحياة؟ نعم، لا يحاسب الله على الماضي، لأنّه الأب الحنون وليس الأب المهان أو المجروح.

كلّنا نتمّنى المصالحة مع بعضنا البعض، ولكن غالباً ما نسلك طرقاً مخالفة لطريقة هذا الأب الحنون. لأنّنا نطالب ولا نسامح عند اللقاء! نعاتب ونحاسب ونشترط إعادة الحقوق قبل الغفران. لكن بالنسبة لله المسألة هي “لقاء” وليست تصفية حسابات! “يا بني أعطني قلبك”! وهذا هو حقّ الله الأثمن من كلّ خاطئ يعود!

4- الفرح الأكبر

لا بدّ أنّ هذا الأب كان فرحاً في بيته مع ابنه الأكبر الذي لم يغادر. ولكن الغريب هو ما يشدّد عليه هذا المثل، وعدّة أمثلة حوله في الكتاب، أن تشير إلى “فرح أكبر” بعودة الابن الذي ضلّ، وبإيجاد الدرهم الضائع، والعثور على الخروف الذي تاه في الجبال. فهناك فرح خاص بهؤلاء! ويريد يسوع في هذه الأمثلة أن يؤكّد علينا “أن نفرح أكثر” بعودة الضال! هذا الأمر ليس صورة شعريّة! إنّها حقيقة أنثروبولوجيّة يؤكّد الكتاب عليها! نعم لا ينتظر الله منا البرّ دون خبرة الضعف! القدّيس ليس من وُلد ومات دون خطيئة! فهذا مفهوم عكس حقيقة السرّ ذاته.

القدّيس هو من أخطأ حيناً لكنّه تاب أبداً. والإنسان ينمو في القداسة فيتبدّل وجه حياته ويغلب عليه لون النعمة بدل لون الخطيئة. يتحمّل الله في الكتاب الخطيئةَ كحدث، ولكن يرفضها كحياة. الخطيئة تُصلح بالتوبة وتقابل بالغفران المجاني! والمهمّ هو أن تكون وجهتنا دائماً نحو البيت الأبويّ وليس باتجاه كورة بعيدة!

ليست خطيئتنا أنّنا لا نحبّ الله، ولم يكن الابن الضال يوماً لا يحبّ أباه، حتّى في اللحظة التي رحل فيها. كانت خطيئته كما هي خطيئتنا، أنّه في لحظة ما أحبّ ما في الكورة البعيدة أكثر ممّا في بيته الأبويّ. لا نخطئ نحن عندما لا نحبّ الله! إنّنا نخطئ عندما نحبّ أيّ شيء في الدنيا أكثر من الله. أليس هذا هو السبب الذي دفع الابن الأصغر ويدفع أيّاً منّا ليترك الآب ويقسم المعيشة معه ويرحل؟ هذه هي الخطيئة الحقيقيّة التي نجرّب بها كلّ يوم، وتتطلّب منّا توبة كامل اليوم كلّ يوم! التوبة والخطيئة ليستا حدثاً معيناً، إنّما هما حالة توازن بين محبّة الآب ومحبّة الأشياء. من يحبّ الله أقلّ من الأشياء هو الضال، ومن يحبّ الله فوق كلّ شيء هو التائب. إنّه التوازن الدائم الذي نسمّي رجوح كفّة الله فيه “توبةً”. وهذه التوبة هي التي دفعت بالابن إلى العودة.

يتفهّم الكتاب إذاً مرورنا بلحظات الضعف وترجيحنا حيناً حبّاً ما على حبّ الآب، لكن يدعونا إلى التوبة والعودة. ليس دينونةً أن نخطئ أحياناً، ولكن الدينونة أن نبقى في الخطيئة. ليس دينونة أن نرحل للحظات، ولكن دينونة أن نبقى في الكورة البعيدة. مفهوم البرّ في الكتاب لا يقوم على قداسة فطرية عفوية لم تختبر خطيئة ولم تمرّ بلحظة ضعف. يقوم مفهوم البرّ على تفضيل العجل المثمن على كلّ خرنوب الدنيا. ينمو الإنسان في الحبّ الإلهيّ، ويبدأ بحبّ الخبز السماويّ أكثر من ملذّات الدنيا كلّها. لدرجة زهد فيها بعض البشر حتّى عن الخبز اليومي الضروريّ حيناً، ولصق لحم داؤود بعظمه وسها عن أكل خبزه عندما هام في طلب البيت الأبويّ. لهذا هناك فرح خاصّ “بتائب واحد يعود” أكثر من الـ”تسعة والتسعين”!

5- افخارستيا التوبة

يمركز الربّ يسوع هنا الخطيئة والتوبة حول الطعام. فهذا الابن يرحل ويأكل الخرنوب مع الملذّات، وهذا الابن يعود فيأكل العجل المسمّن مع الأفراح! إنّ اللقاء مع الأب الحنون، وخبرة المصالحة والغفران المجاني، تتمّ في الافخارستيا.

تُمتحن توبتنا كلّ يوم أمام دعوة الافخارستيا الرهيبة: “خذوا كلوا… وخذوا اشربوا كلكم..”. هذا هو نداء الأب الغفور المحبّ والحنون الذي يبحث كلّ حين عن خرافه. يمدّ العالم أمامنا كلَّ مغرياته وشباكه، ويمدّ الربّ يسوع أمامنا مائدته وجسده ودمه، والخطيئة والتوبة تتعلقان في تفضيل أحد العرضين على الآخر.

“اذبحوا العجل المسمّن وتعالوا لنأكل ونفرح”. الكأس المقدّسة المعروضة كلّ يوم، وصرخة المرنّم “ذوقوا وانظروا ما أطيب الربّ” غداً في أيّام الصوم الكبير، كلها قادرة فعلاً أن تجعلنا نقول “ليذهب العالم ولتأتِ النعمة”؛ كلها قادرة أن تجعلنا نقرر تفضيل الخبز الجوهري على الرغبات، وتجعل الصلاة والصوم طعامنا اليومي الأساسيّ- الجوهري. هذه الكأس الافخارستية قادرة، عندما نراها، أن تنهض فينا القرار لنقول: “أقوم وأعود وأقول لأبي: يا أبي قد أخطأت إلى السماء وأمامك فاقبلني الآن كأحد أجرائك”، فيذبح لنا ونأكل ونفرح.

آميــن

المصدر: مدونة المطران بولس يازجي https://paulyazigi.wordpress.com

مختارات من تعاليم القدّيس نكتاريوس العجائبي

المسيحيّـة:
† ليس الدين المسيحي نظاماً فلسفياً يتجادل حوله الناس المتعلّمون والمتدرّبون في العلوم الماورائيّة، فيعتنقونه أو يرفضونه بحسب الرأي الذي شكّله كلّ منهم. إنّه الإيمان المؤسّس في نفوس الناس والذي ينبغي أن ينتشر للكل ويُحفَظ في ضمائرهم.

† في المسيحية حقائق فوق فهمنا العقلي، ولا يستطيع عقل الإنسان المحدود أن يستوعبها. إن ذهننا يدركها، ويقتنع بها، ويشهد لوجودها الفائق الطبيعة.

† إن المسيحية هي دين الإعلان. يعلِن الإله مجدَه فقط للذين تكمّلوا بالفضيلة. تعلِّم المسيحية الكمالَ من خلال الفضيلة وتطلب من أتباعها أن يكونوا قديسين وكاملين. تستهجن المسيحية مَن هم تحت تأثير الخيال وتقاومهم. إن مَن هو كامل فعلاً يصير بالمعونة الإلهية خارج الجسد والعالم، ويدخل عالماً روحياً آخراً؛ وبالطبع، ليس بالخيال بل بتألق النعمة. بدون النعمة وبدون الإعلان لا يستطيع الإنسان، حتى الأكثر فضيلة بين البشر، أن يتعالى عن الجسد والعالم.

† يعلن الله نفسه للمتواضع الذي يحيا بحسب الفضيلة. إن الذين يركبون جناح الخيال يحاولون الطيران مثل أكيروس ويصلون إلى النهاية نفسها. إن الذين يؤوون الأوهام لا يصلّون؛ لأن الذي يصلّي يرفع عقله وقلبه إلى الله، بينما الذي يتحوّل إلى الخيالات يقود نفسه إلى الانحراف. إن الذين يدمنون الخيال ينسحبون من نعمة الله ومن عالم الوحي الإلهي. فهم قد تركوا القلب الذي تستعلَن فيه النعمة وأخضعوا أنفسهم للوهم المجرّد من كل نعمة. إن القلب هو الوحيد الذي يتسلّم معرفة الأمور التي لا تُفهَم بالحواس، لأن الله، الذي يسكن في القلب ويتحرّك فيه، يتكلّم إليه ويكشف له جوهر الأمور المرجوة.
† أطلبْ الرب كل يوم. ولكن اطلبه في قلبك وليس خارجه. وعندما تجده قف برعدة وخوف كما الشاروبيم والسارافيم لأن قلبك قد أضحى عرشاً لله. ولكن لكي تجد الله، كُنْ متواضعاً كالغبار أمام الرب، لأن الرب يمقت المتكبر، بينما يزور متواضعي القلب، ولهذا هو يقول: “إلى مَن سوف أنظر، إلاّ لمَن هو عادل ومتواضع القلب؟”

† ينير النور الإلهي القلبَ النقي والذهن النقي، لأنهما قابلان لتلقي النور؛ بينما القلوب والأذهان الدنِسة، فيما هي غير قابلة لتلقي الاستنارة، فهي تمقت كثيراً نور المعرفة، نور الحقيقة. إنها تحب الظلام… الرب يحب أصحاب القلب النقي ويستمع إلى صلواتهم ويمنحهم طلباته التي تؤدي إلى الخلاص، ويكشف نفسه لهم ويعلمهم أسرار الطبيعة الإلهية.

الكنيسـة:
† إن كلمة “كنيسة”، بحسب النظرة الأرثوذكسية الدقيقة، لها معنيان. أحدهما يعبّر عن شخصيتها العقائدية والدينية، أي، عن جوهرها الداخلي، الجوهر الروحي بشكل خاص، فيما الثاني يعبّر عن شخصيتها الخارجية. وهكذا، بحسب الإيمان الأرثوذكسي، تُعرَّف الكنيسة بطريقة مزدوجة: كمؤسسة دِينية وكجماعة دينية.

† إذاً، يمكن تحديد الكنيسة كمؤسسة دينية على هذا الشكل: الكنيسة هي مؤسسة إلهية دينية من العهد الجديد، بناها مخلصنا يسوع المسيح من خلال تدبير التجسد، مؤسَّسَةً على إيمان يوم العنصرة بنزول الروح الكلي قدسه على تلاميذ المسيح المخلّص ورسله القديسين، الذين جعلهم أدوات للنعمة الإلهية لتخليد عمله الخلاصي. لقد أوكِل لهذه المؤسسة ملء الحقائق المعلَنة. فيها يعمل الروح القدس من خلال الأسرار، وفيها يتجدد الذي يقاربون المسيح بإيمان، وفيها حُفظَ كلا التعليم والتقليد الرسوليين، المكتوبين وغير المكتوبين.
† كما يمكن تحديد الكنيسة كجماعة دينية على هذا الشكل: الكنيسة هي مجتمع من البشر المتّحِدين بوحدة الروح في رباط السلام.

† إن النظرة الصحيحة للكنيسة تُصنّفها إلى مجاهدة ومنتصرة. فالكنيسة مجاهدة طالما أنها تكافح ضد الشر لكي يسود الخير، وهي منتصرة في السماوات حيث يسكن جوق الأبرار الذين جاهدوا وتكمّلوا في الإيمان بالله وبالبِر.

التقليـد:
† التقليد المقدس هو الكنيسة عينها. وبدون التقليد المقدس لا توجد الكنيسة. إن مَن ينكر التقليد إنما ينكر الكنيسة وتعليم الرسل.

† قبل كتابة الكتاب المقدس، أي قبل خط الأناجيل وأعمال الرسل والرسائل، وقبل انتشارها بين كنائس العالم، كانت الكنيسة قائمة على التقليد المقدس. إن النصوص المقدسة هي بالنسبة للتقليد كما هو الجزء بالنسبة للكل.

† آباء الكنيسة نظروا إلى التقليد على أنه الدليل الأمين إلى تفسير الكتاب المقدس وهو لازم بالضرورة لفهم الحقائق الموجودة في الكتاب. إن تركيب الخدم الكنسية، وخاصةً القداس الإلهي، والأفاشين نفسها وطريقة القيام بالخدم، كما بعض الصلوات والتنظيمات الأخرى في الكنيسة، تعود كلها إلى تقليد الرسل المقدس. لم تعتمد المجامع المقدسة في مناقشاتها على الكتاب المقدس فقط، بل أيضاً على التقليد كما من نبع صافٍ. لهذا، يقول القانون الثامن من المجمع المسكوني السابع: “إذا انتهك أحد ما أي جزء من تقليد الكنيسة، المكتوب أو غير المكتوب، فليكن محروماً”.

اكتشـاف الله:
† من الجلي أن عدم الإيمان هو من ذرية القلب الشرير؛ فالقلب النقي الخالي من المكر يجد الله في كل مكان، ويظهره في كل مكان، ويؤمن دوماً وبدون تردد بوجوده. عندما ينظر الرجل صاحب القلب النقي إلى عالم الطبيعة، أي إلى السماء والأرض والبحر وكل ما فيها، وعندما يلاحظ الأنظمة التي تتألف منها: الكثرة اللامتناهية من نجوم السماء والعديد الذي لا يحصى من الطيور وكل نوع من الحيوان على الأرض وتنوع النباتات عليها ووفرة السمك في البحر، فهو يندهش وتلقائياً يهتف مع النبي: “ما أعظم أعمالك يا رب، كلها بحكمة صنعت”. هذا الإنسان، مدفوعاً من قلبه النقي، يكتشف الله أيضاً في عالم النعمة في الكنيسة، هذا العالم الذي أقصي عنه رجل الشر. يؤمن رجل القلب النقي بالكنيسة ويقدّر النظام الروحي، ويجد الله في الأسرار، وفي قمم اللاهوت، وفي نور الإعلانات الإلهية، في حقائق التعليم، في وصايا الناموس، في إنجازات القديسين، في العمل الصالح، في كل عطية كاملة، وبالإجمال في كل الخليقة. لقد قال السيد عن حق في تطويباته عن أصحاب نقاوة القلب: “طوبى لأنقياء القلوب لأنهم لله يعاينون”.

معرفـة الـذّات:
† مَن لا يعرف ذاته لا يعرف الله أيضاً. ومَن لا يعرف الله لا يعرف حقيقة الأشياء وطبيعتها إجمالاً. مَن لا يعرف نفسه يخطأ دائماً ويبتعد بشكل مستمر عن الله. مَن لا يعرف طبيعة الأمور وما هي عليه حقيقةً بذاتها، هو عاجز عن تقييمها بحسب قيمتها وعن التمييز بين الغالي والرخيص، وبين التافه والثمين. لذلك، يشغل هذا الإنسان نفسه في ملاحقة الأشياء التافهة والبديهية، غافلاً كلياً عن الأمور الأبدية والأكثر قيمة وغير مهتم بها.

† على الإنسان أن يسعى لمعرفة نفسه ومعرفة الله، وأن يفهم طبيعة الأمور كما هي بذاتها، فهذا يصبح صورة الله ومثاله.

الإنسـان:
† الإنسان كائن مركّب، مكوّن من جسد أرضي ونفس سماوية… النفس متحدة بشكل قريب بالجسد، ومع هذا هي مستقلة عنه.

† ليس الإنسان فكراً فقط بل هو قلب أيضاً. إن قوى هذين المركزين، في دعمهما المتبادل كلٌ للآخر، يجعلان الإنسان كاملاً ويعلّمانه ما لا يستطيع تعلمه بالعقل وحده. إذا كان العقل يعلّم عن العالم الطبيعي، فالقلب يعلّمنا عن العالم الفائق الطبيعة… يكون الإنسان كاملاً عندما ينمّي قلبه وعقله معاً. والآن القلب نامٍ من خلال الدين المعلَن.

خلـود النفـس:
† لنفس الإنسان العقلانية طموحات فوق الطبيعية ولامتناهية. إذا كانت النفس العقلانية تتبع الجسد وتموت معه، فلا بد أن تكون خاضعةً له وتابعة في كل شهواته. ولكانت الاستقلالية معاكسة لقوانين الطبيعة والمنطق معاً، لأنها تشوّش التناغم القائم بين الجسد والنفس. وكمتعلقة بالجسد، على النفس أن تخضع للجسد وتتبعه في كل شهواته ورغباته، بينما على العكس، النفس تسود على الجسد وتفرض عليه إرادتها. تخضع النفس شهوات الجسد وأهواءه وتلجمها وتوجهها كما تريد. هذه الظاهرة يلاحظها كل إنسان مفكّر. وكل مَن يعي نفسه العقلانية يعي تسلّط النفس على الجسد.

† ما يثبت تسلّط النفس على الجسد هو طاعته عندما يقوده إنكار الذات إلى التضحية من أجل أفكار النفس المجرّدة. لم يكن من الممكن أن نفهم سيطرة النفس بهدف تغليب مبادئها وأفكارها ونظراتها، لو أن النفس كانت تموت مع الجسد. إن نفساً قابلة للموت لا تستطيع أن تصل إلى هذا العلو ولا تقدر أن تحكم على نفسها بالموت مع الجسد لتغليب أفكار مجردة ينقصها المعنى، إذ لا الأفكار النبيلة ولا النوايا الشريفة والشجاعة تعني أي شيء للنفس القابلة الموت.

† إذاً، إن نفس مؤهّلة لهذه الأمور هي نفس غير مائتة.


الحيـاة بعـد المـوت:
† إن معلمي الكنيسة الأرثوذكسية المؤسَّسين على الكتاب المقدس يعلِّمون أن الذين يرقدون بالرب يذهبون إلى مكان الراحة بحسب الآية 13:14 في رؤيا يوحنا: “طوبى للأموات الذين يموتون في الرب منذ الآن. نعم، يقول الروح لكي يستريحوا من أتعابهم. وتتبعهم”. يُنظَر إلى مكان الراحة هذا على أنه الفردوس الروحي حيث نفوس الذين رقدوا بالرب، نفوس الأبرار، تتمتّع بالراحة فيما تنتظر يوم مكافأة دعوة الله في يسوع المسيح وجائزتها.

† وعن الخطأة فهم يعلّمون أن نفوسهم تذهب إلى الجحيم، حيث العذاب والأسى والأنين بانتظار يوم الدينونة المروّع. لا يقبل آباء الكنيسة الأرثوذكسية وجود مكان آخر، إذ لا يذكر الكتاب المقدس هكذا مكان.

† بعد نهاية الدينونة العامة، سوف يعلن القاضي البار القرار للأبرار والخطأة معاً. للأبرار سوف يقول: “تعالوا يا مبارَكي أبي رثوا الملك المعدّ لكم منذ كون العالم”. بينما للخطأة سوف يقول: “ابعدوا عنّي يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدّة لإبليس وملائكته”. وسوف يمضي أولئك إلى الجحيم الأبدي بينما يمضي الأبرار إلى الحياة الأبدية. هذه العقوبة بعد الدينونة العامة سوف تكون كاملة ونهائية وحاسمة. سوف تكون كاملة لأن ما يتلّقى ما يستحق ليس النفس وحدها، كما في دينونة الإنسان الجزئية بعد الموت، بل النفس والجسد معاً. سوف تكون نهائية لأنها دائمة وليست مؤقتة مثل الدينونة الفرعية. وسوف تكون حاسمة لأنها بالنسبة للأبرار والخطأة سوف تكون أبدية وغير قابلة للتغيير.

القدّيسـون:
† تكرّم كنيستنا القديسين لا كآلهة، لكن كخدّام أمناء، كرجال أنقياء وأصدقاء لله. إنها تمدح الجهادات التي تحمّلوها والأعمال التي قاموا بها لمجد الله بعمل نعمته، بشكلٍ أن كل الشرف الذي تقدمه الكنيسة لهم يشير إلى الكائن الأعلى الذي رأى حياتهم على الأرض برضى. إن الكنيسة تكرّمهم بتذكرهم سنوياً باحتفالات عمومية ومن خلال بناء الكنائس على شرف اسمهم.

† إن رجال الله الأتقياء الذين أكبرهم الله على الأرض، تكرمهم كنيسة الله المقدسة منذ أن أنشأها المسيح المخلّص

التوبـة:
† إن خلاص الإنسان يقوم على عاملين: نعمة الله وإرادة الإنسان. وعلى الإثنين أن يعملا معاً إذا كان الهدف الوصول إلى الخلاص. التوبة هي سرٌ فيه مَن تاب عن خطاياه يعترف بها أمام أب روحي عينته الكنيسة وأعطته السلطان لغفران الخطايا، ومن هذا الأب الروحي يأخذ الحل من خطاياه ويتصالح مع الله الذي أخطأ إليه.

† إن التوبة تعني الندامة وتغيير الفكر. إن السمات المميِّزة للتوبة هي الندم، الدموع، مقت الخطيئة ومحبة البِر.


الفضيلـة:
† علينا أن نقوم بكل ما في وسعنا لاكتساب الفضيلة والحكمة الأخلاقية، لأن الجائزة جميلة والرجاء عظيم. إن درب الفضيلة هي الجهد والكدح، فالباب المؤدي إلى الحياة حرج والطريق ضيق وقليلون سوف يجدونه. بينما باب الرذيلة واسع والطريق رحب، لكنه يؤدي إلى الهلاك.

الرياضـة الروحيـة:
† الرياضة الروحية هي التدريب على التقوى وهي الأغلى ثمناً إذ إنها الوعد بالحياة الحالية والآتية. إن الجهود التي تُبذَل في سبيل التقوى تجلب السعادة الروحية. يقول ثيوفيلكتوس: “درّب نفسك على التقوى أي على الإيمان الطاهر والحياة الصحيحة. فالتدريب إذاً ضروري كما الجهود المستمرة. إذ إن مَن يتدرب يمارس إلى أن يغلب حتى ولو لم يكن هناك مباراة”. التدريب يعوّد الإنسان على أن يكون رقيقاً، معتدلاً، قادراً على التحكم بغضبه، مسيطراً على شهواته، محسناً، محباً لإخوته البشر، ممارساً للصلاح. التدريب هو النسك البار، الذي يجعل طريقة حياة الإنسان جديرة بالثناء.


الصـوم:
† الصوم هو وصية من الكنيسة ملزمةً الإنسان بحفظها في أيام محددة. ويعلم مخلصنا في ما يختص بالصوم: “إذا صمتم …” مما يعلّم يمكننا أن نتعلّم: (1) أن الصوم مرضٍ لله، (2) أن مَن يصوم لرفع قلبه وفكره نحو الله فسوف يكافئه الرب وهو أكثر المعطين كرماً. في العهد الجديد، يُنصَح بالصوم كوسيلة لتهيئة الذهن والقلب للعبادة الإلهية، للصلاة الطويلة، للارتفاع من الأرضيات، ولاكتساب الروح.

اليقظـة الداخليـة:
† اليقظة هي أول معلمي الحق وبالتالي هي ضرورية بشكل مطلق. اليقظة ترفع النفس إلى دراسة ذاتها ورغباتها، لتتعلّم صفاتها الحقيقية وترفض تلك غير المقدسة. اليقظة هي ملاك الذهن الحارس الذي يرشده دائماً قائلاً: كن يقظاً. اليقظة توعّي النفس وتقيمها من النوم. اليقظة تمتحن كل فكر وكل رغبة وكل ذكرى. تتولد الأفكار والرغبات والذكريات من أسباب مختلفة، وغالباً ما تأتي متخفية وبزي باهر، لكي تخدع الفكر غير المتيقظ وتدخل النفس لتسيطر عليها. وحدها اليقظة تستطيع إظهار أشكالها المخفية. غالباً ما يكون تخفيها الكاذب كاملاً إلى درجة يكون فيها تمييز طبيعتها الحقيقية صعباً جداً ويتطلب يقظة شديدة. على المرء أن يتذكّر كلمات الرب الخلاصية: “كونوا يقظين وصلوا كي لا تقعوا في تجربة”. إنّ المتيقظ لا يدخل في التجربة لأنه سهران ومنتبه.

الصـلاة:
† الصلاة الحقيقية لا تتحوّل، دائمة وبقلب منسحق وفكر يقظ. إن مركبة الصلاة هي في كل حين الاتضاع، والصلاة هي إظهار للاتضاع. لأننا حين نعي ضعفنا نستدعي قوة الله. الصلاة توحّد مع الله كونها تخاطب إلهي وشركة روحية مع الكائن الأعلى والأكثر جمالاً.

† الصلاة هي طرح الأمور الأرضية، صعود إلى السماء. في الصلاة نحن نلجأ إلى الله.

† إن الصلاة هي بالحقيقة درع سماوي، ووحدها القادرة على أن تحفظ بأمان الذين قدموا أنفسهم لله. الصلاة هي الدواء العام لتنقية نفوسنا من الأهواء، لمنع الخطيئة وعلاج أخطائنا. الصلاة هي كنز لا يفنى، ميناء لا يتكدر، أساس السكون وجذر وفرةٍ من البركات وأمها.

المناولـة المقدّسـة:
† إن سر المناولة المقدسة الذي تسلمناه من السيد هو أعلى الأسرار جميعاً. إنه أكثر معجزات قوة الله عجباً. إنه أرفع ما عبّرت عنه حكمة الله. إنه أغلى العطايا التي وزعها الله على البشر. لأن كل العجائب الأخرى تتم عن طريق تخطي بعض قوانين الطبيعة، أمّا سر المناولة الإلهية فيتخطى كل القوانين. إذاً، من الحق أن نسميّه وننظر إليه كمعجزة المعجزات وسر الأسرار.

† إذا أردت أن تكون مشاركاً في البركات التي تمنحها المناولة المقدسة، وإذا أردتَ خلاصك، كُنْ مسيحياً حقيقياً، تملّكْ خوف الله والإيمان بسر المناولة المقدسة، وأحبْ الله وقريبك.

المعجـزات:
† ليست المعجزات مستحيلة من وجهة النظر المنطقية، والعقل السليم لا ينكرها. ليس للقوانين الطبيعية أن تدّعي أنها الوحيدة، ولا هي مهددة بالسقوط بظهور قوانين أخرى التي هي أيضاً موصلة إلى تطور الخليقة وتقدمها… إن المعجزات هي نتائج محبة الله لخليقته.

في مديح السيدة العذراء – شعر للقديس إفرام السرياني

يا معشر الفتيات، إفرحن بالبتول الممتلئة عجباً…
البتول التي ولدت جباراً قيّد الشيطان وسجنه … لئلا يغرّر بعد اليوم بالفتيات

إن ذلك المتمرد الأثيم، كان قد غرّر بأمّكن حواء… فأكلت من الثمرة المهلكة
أما أختكن مريم فقد أجهزت على شجرة الموت… يوم ولدت ثمرة الحياة

حلّت النار في أحشائها… ضمّت الحبيب إلى صدرها
فما أرهب التحدث عن هذا السر العظيم

حملت مصوّر الأجنة في الأرحام… ولدت مبدع الكائنات…
سقت مغيث العوالم حليباً نقياً… فمن يجسر على التحدث عن هذا العجب

كانت مريم عجباً كلها… فنفسها حكيمة… وجسدها يرشح قداسة…
وأفكارها رائقة مثل ندى البكور… لأنها كانت تحمل الجمرة الإلهية…

كيف يزول الدهش من نفسها… والعجب من ذهنها… والرهبة من خاطرها
وهي تعلم حق العلم… أنها ولدت دون أن يمسها بشر…

تحمل بيديها رضيعاً… وفي جسدها الطاهر آية البكارة…
يفور الحليب في ثدييها ويثور… دون أن يضطرب قلبها البكر…

ففي كل يوم عجيبة جديدة
كانت مناجاة مريم حكيمة… فإذا اقترب السامعون منها…
ناغته كما لو كان طفلاً صغيراً…
وإذا ابتعدوا، سجدت له كما تسجد لذي العزة والجبروت

بين أحضانها رضيع جميل… وفي نفسها دهشة وعجب…
كانت تفخر بأنه ابنها… وهي تعلم بأنه ربها…
كانت تحمل ابنها وربها في وقت واحد

لاحظت مريم أنها تحمل صغيراً… وبتوليتها محفوظة…
فزوّدها هذا الأمر الجديد بقوة… فهمت معه بأن من تحمله إنما إله هو

كانت البتول العجيبة حريصة على إخفاء السر العجيب… فقد عرفت من يكون،
وابن من يكون…تلك الثمرة الحلوة التي كانت تحملها…لأنها كانت حكيمة في كل شيء

في أروقة الكهنة، أظهر الرب باباً للنبي مغلقاً… وقال له:
سيظل هذا الباب مغلقاً… لأن الله ولجه

في توبة أهل نينوى – للقديس يوحنا الذهبي الفم

حين أنظرُ تلكَ الأيام التي مرَّت بدونِ تعليم، وأنظر نفسيَ مضطرّاً إلى السّكوتِ بسبب المرض، أشعرُ بالضيقِ والانزعاج، كمثلِ رياضيٍّ على أتمِّ الاستعداد، يُحرمُ من الدّخول إلى الملعب ليشارك في المباريات.
كنت أراكم جائعين للغذاء العقلي، وأنا عاجزٌ عن العطاء.
كنت أرى الوقتَ وقتَ تجارةٍ، ونفسي غيرَ قادرةٍ أن تبرمَ معكم ولا صكاً واحداً.
كنت أرى الصَّيدَ وفيراً، والصَّيّادَ همَّتُه على الصَّيدِ ضعيفةٌ.
لكنني في معاناتي الشديدة لأجلَ هذا، كنت أعتبرُ أن أضيفَ على حالي الآلام فأستطيع أن أعاود الكنيسة وأشارككم القداس التالي، أفضلَ من ملازمتي الفراش فأنفصلُ عنكم ثانيةً ، منهكَ القوى ليومين أو ثلاثة. لهذا آتيكم اليوم، بنعمةِ الرَّب ومعرضاً عن الأحاديثِ اليوميّة، لكي أؤَدّي واجبي تجاهكم.
هلمّوا إذاً لنجذب قاربَنا في بحرِ توبةِ أهلِ نينوى.
لكلِّ فئةٍ من النّاسِ ما يفيدها من الكلام، أمّا علاج التوبة فأظنُّه مفيدٌ للجميع. وحيث ما من أحدٍ معتقٌ من الخطيئة، بالتّالي لا أحدٌ بغنى عن التّوبة. ولطالبيها، يبدو من الضروري ذكرُ مثالِ الّذينَ خلصوا بالتّوبة، لعلّه (المثال) يدخلُهم بنفس الوسيلة إلى الصّحّة.
لنرَ من شابهوا الوحوش يدركون رتبة الملائكة.
لنرَ الذين دمّروا المدينةَ بأعمالهم يعيدونَ بناءها بطريقةِ فلسفتهم (حياتهم).
لنرَ أعداءَ اللّه يصيرون أصدقاءَه، والّذين كان السَّيدُ متَّهِماً لهم قبلاً، يقتنونه فيما بعد محامياً عنهم.
لنرَ المحكومَ عليهم يسعون لدى القاضي بعد صدور القرار، فيُسقطون الحكم.
لنرَ اللّه كاذباً لأجلِ محبّتهِ للبشر.
سمعنا قبلاً كيف أنّه حالما نادى النَّبيُّ اضطربتِ المدينة. وكما يضطّرب البحرُ من ريحٍ عاتية، هكذا كانَ وقعُ سقوط صوتِ يونان، فسبّبَ لشعبِ نينوى جزعاً ورعدة.
سمعنا أنَّ المدينة لدى استقبالها النّبأ لم تسقط في اليأس، بل نشطت إلى التّوبة، وبينما لم يكن لها دالّةٌ للخلاص شرعت في عبادةِ اللّه ومصالحته. يا ترى ماذا فعلت من أجلِ المصالحة؟
قد قيلت في ذلك شذرات، أما أنا فعليَّ أن أعطيكم القولَ كلَّه: لأنَّهم “نادوا بالصّيام، ولبسوا المسحَ من صغيرهم إلى كبيرهم.”
يا للعجب الغريب، المخيف للإنسان، والذي تتوق إليه الملائكة‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!
تأملْ، لخاطري، هذه الرّبوات الكثيرة من أولئك الرّجال مع النساء والأولاد يلبسون المسوحَ حادّينَ لأجلِ الشَّيءِ نفسه. كلُّ المهن تتعطّل وكلُّ عملٍ بشري، لا أحدٌ في أيِّ مكان يقومُ ولو بعملٍ واحد. حزنُ الجميع مع ضجيجٍ وصراخ يرتفع إلى السَّماء.
تأمَّلْ زوال التّمايز بين الأسياد والعبيد، بين الرّؤساء والمرؤوسين. هوذا الملك حاضرٌ في وسطِ الجموع بمظهرٍ مماثلٍ لها يرتِّبُ الخدمةَ العباديّة للّه وكأنّها تنظيمٌ عسكري.
يقول الكتاب: “وصل الكلام للملك فنهضَ عن عرشه، خلع بزّته، التحفَ المسوحَ، وجلسَ على الرَّماد”. يا للملكِ الحكيم. الملك بنفسهِ أوّلَ من أعلنَ التوبة، وذلك ليجعلَ مدينته بحالةٍ أفضل. لأنّه من ذا الّذي يرى الملكَ نفسَه مجاهداً لأجلِ الخلاص ويتراخى من بعدُ؟‍
جراحاتُ التاج تشفيها المسوح، خطايا العرش يمسحها بجلوسه على الرَّماد، مرض الكبرياء يعالجه بتذلّلِ المظهر، وبالصِّيام يداوي جراحاتِ التَّنعّم.
ولدى سلوكه في ذلك عمليّاً كان ينهضُ الجميعَ بندائه، فيسلكوا النَّهجَ ذاته. لأنَّ الكتابَ يقول: “ونودِيَ من الملك: النّاس والبهائم والبقرُ والغنم لا تذوقنَّ شيئاً، لا ترعى، ولا تشربْ ماء.”
هذا تشريعٌ فريدٌ لملك. يوصي المرضى بالصِّيامِ كما لو كانَ طبيباً.لا بل إنَّ المشرِّعَ الّذي قضى حياته بالمتع يقلِّدُ التعاليمَ الرَّسوليّة حولَ الصِّيامِ الموقَّر، ويأمرُ أن تشاركَ النّاسَ في هذا الصيام الحيواناتُ العجم، حتى، بواسطةِ الطبيعةِ عادمةِ الخطيئة، يُميلَ اللَّهَ إلى مراحمٍ عظمى.
يقول الكتاب: “ولبسوا المسوحَ، البشرُ والبهائم”. يا للتّرتيبِ السّماوي! ياله من طابورٍ مرعبٍ للشيطان! كان الشّيطان يقف منتحباً لدى رؤيته كاملَ جيشِهِ يتحوَّلُ نحو اللّه ويحاربُ الشّياطين. في هذهِ المعركة أولادٌ ونساءٌ ورضَّعٌ مع الرّجالِ يحاربون، حتّى طبيعةُ البهائم صارت مشاركةً في صفوف الحرب. فرأى الشّيطان منظراً جديداً. فالحيوانات الأهلية تدفع عن الناسِ ضريبةَ البر، وتصومُ من أجلِ خلاصِ مالكيها “الناسَ والبهائم والبقرُ والغنم لا تذوقنَّ شيئاً ولا ترعى”. نحّى الملكُ شاراتِ السلطة جانباً، وأخذ دورَ الكهنةِ فانتصبَ متكلّماً متفلسفاً، ومؤدّباً أهلَ نينوى.
يقولُ لهم: يا أصدقائي، مخيفةٌ هي الأسواءُ المحيطةُ بنا.
بينما أخضعنا المسكونةَ كلَّها، كأشرارٍ نُسحَقُ بالحكمِ الإلهي.
بينما نحن متملّكين على جميعِ النّاس، كآخِرِ الجميع حُكِمَ علينا بالموتِ بطريقةٍ غريبة.
بينما طوَّبَنا الآخَرونَ جميعُهم، سنظهرُ أكثرَهم بؤساً صائرين للجميعِ أسطورةَ حياةٍ ورواية. فمجدنا السّابق لم يقدر أن يتجاهل سيّئاتنا.
يا أهلَ نينوى، ربحنا حروباً كثيرة فلنجاهدِ الآن بشجاعةٍ أكبر لأجلِ خلاصنا. من قبلُ فَعَلنا كلَّ شيء لنصيرَ أسياداً للآخرين، أمّا الآن فجهادنا هو ألاّ نَبيدَ مع نسائنا وأولادنا في طرفةِ عين.
لصدِّ حربٍ غريبة فلنحاربْ بطريقةٍ غريبة:
لنرشقِ السَّماءَ بالتّسابيح، لنقذفْها بالتراتيلِ بدلَ الرِّماح، لنرشقِ اللّهَ بمقلاعِ الصلاة، لنطفئْ غضبَه بدموعنا المستمرّة، لنمزّقْ فيلقَ أعمالنا الشّرّيرة، لِنَسُدْ على حصونِ الشَّر، ولنحاربْ بأسلحةِ الفضيلة: درعُ البِر لا يجتازه سهم، ترسُ الإيمانِ لا تكسره صاعقة، خوذةُ الرّجاءِ لا يطيقُ اللّه سحقها، لا يمزِّقُ الغضبُ العلويُّ قميصَ العفّة، ولا يقوى تهديدٌ بالخراب على هدمِ حائطِ الاعتراف. حكمُ الدّمار يتلاشى كالدّخان أمام توبةٍ جدِّيّة.
هكذا يا أصدقائي، إذا حاربنا بمثلِ هذه الأسلحة، كما غزونا السّماء، نغزو الأرض.
تشجّعوا يا أهلَ نينوى، تشجّعوا فمن يقاتلُنا ملكٌ محبٌّ للبشر: يطرحُ أعداءه غير آبهٍ بتوسّل، لكنّه متى تحوَّلَ غضبُهُ يصبحُ محسناً لأعدائه.
بمثلِ هذهِ الأقوال العزائيّة حفّزَ الملكُ الشَّعبَ إلى التّوبة، بينما نفّذَ الشَّعبُ ما أمرَ به ملكُهم باستعدادٍ تام، إذ يقول الكتاب “لبسوا المسوحَ، البشَرُ والبهائم، وصرخوا بشدّةٍ نحو اللَّه”. لم تكن جاهزيَّةُ الكلام مصحوبةً بفكرٍ بالهواء، لم يكن نطقُ اللّسان مترافقاً بذهنٍ سارح، ولَفظُ الصّوتِ ما كان يصاحبه عقلٌ جائل، بل الكلُّ معاً كان يعبد اللَّه.
أرخى اللّيلُ سدائله فزادَ الخوفَ، طردَ النّومَ، والأهمُّ أنّهُ علَّى التَّسبيح.
أمّا النهار، فبدوره، أظهرَ السَّماءَ كئيبةً تضربها بروقٌ لا تتوقف ورعود، الّذي كان يدفعُ الجميعَ في حالِ رعبٍ تفوقُ الحسبان فصرخوا صراخاً عظيماً.
الأرضُ تأرجحت فسبَّبَتْ للنَّاسِ اضطراباً شديداً. تراكضَ الأطفالُ جميعُهم إلى حُجُرِ أمّهاتهم خوفاً، وبكوا في أحضانهنَّ ما خلقَ لكلِّ من رآهم نحيباً يتعذّرُ وصفُه ونوح.
قطعانُ الأبقارِ والأغنام والحيوانات الأخرى، التي قُطِعتْ عن الماء والكلأ،كانت تحرِّكُ الحزنَ في القلوبِ الماسيّةِ بأصواتٍ مختلفةٍ أطلقتها.
وبينما التّهديد والخوف مهيمنان، لم يكن يحتمل (الملك) أن يفقدَ الرَّجاء الحسن، لأنَّه يقول: “فمن يعرف. ألعلَّ اللَّهَ يندمُ ويرجعُ عن سخطِ غضبهِ، فلا نهلك.”

صورة العالم المعاصر – الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

عبر العصور، حاول كثيرون فهم حالة العالم الذي يعيشون فيه من أجل مواجهة المشاكل التي تطرأ. إن لم يدرس المرء حالة العالم لا يكون قادراً على إيجاد مخارج من المأزق. اليوم نلاحظ أن عديدين يحاولون تحديد صورة العالم المعاصر، بينهم فلاسفة وعلماء اجتماع وعلماء نفس وسياسيون وإعلاميون وغيرهم. في كل الأحوال، يجب أن نلتفت إلى آراء اللاهوتيين وفوق الكل آراء أباء الكنيسة الخالدين.
معروف أن آباء الكنيسة يؤمنون بأن الطبيعة البشرية في حالة سقوط، ما يعني أنها محكومة باللذة الحسية والألم وهذا ما يشكل الخطيئة الأصلية (الجدية). إذاً، كما أظن، علينا أن نرى حالة العالم المعاصر من خلال العلاقة بين اللذة والألم ومن خلال تجاوزهما.
بعد بعض الملاحظات التمهيدية سوف أحاول التركيز على قديس عظيم من كنيستنا يستطيع فعلياً مساعدتنا في ما نواجه في أيامنا، لأنه معروف بعظم نفاذ بصيرته وقدرته الفكرية، إضافةً إلى خبرته الواسعة في الشؤون الإلهية. إنه القديس مكسيموس المعترف، الذي يمكن اعتباره بحق أباً معاصراً لأنه يجمع مواهب كثيرة: المعرفة العميقة للأمور البشرية والتيارات الفلسفية في عصره، وخبرة الله، وأسلوب رائع في الكتابة. وبالإجمال نستطيع القول، انه يجمع المعارف اللاهوتية والفلسفية والاجتماعية والنفسية والوجودية.

مواجهة الألفية الثالثة
إني أومن أننا نقف عند نقطة تحول مميزة في التاريخ. الكل يحكي عن الألفية الثالثة التي سوف يدخلها الجنس البشري بكثير من الآمال. على كلٍ نحن نستطيع أن نفهم الحاضر ونقدّر المستقبل إذا امتحنّا ما جرى في الماضي بتأنٍ. مع خوفي من تعميم الخاص، أود أن أؤكد بعض السمات المميِّزة للألفيتين السابقتين، أقلّه بالنسبة للكنيسة. فمن جهة، تتميز الألفية الأولى بالاضطهادات والهرطقات التي حدثت في الكنيسة وبالطبع أثرت في المجتمع. ومن جهة أخرى تتميز بشهادة الكنيسة وتحديد الإيمان في المجامع المسكونية حيث كان الآباء العظماء في الواجهة. إذاً في الألفية الأولى كان هناك نمو واضح لروح الشهادة، فقد ظهر في الكنيسة الشهداء الذي أعطوا شهادة حسنة عن الإيمان، كما تمت صياغة التعليم الأرثوذكسي عن المسيح الإله الحقيقي وعن الكنيسة. المجامع المسكونية حددت أرثوذكسياً كل ما يتعلق بالمسيح (الخريستولوجيا) والروح القدس والثالوث والإنسان والكنيسة. أيضاً في هذه الفترة ظهرت الرهبنة الأرثوذكسية كردة فعل على دهرنة حياة الكنيسة. معروف بالطبع أن الرهبنة هي خبرة الحياة النبوية الرسولية المشابهة الشهداء تُحيا في الكنيسة الأرثوذكسية.
الألفية الثانية تتسم بالتطور اللاهوتي للهدوئية الأرثوذكسية التي وُجدت قبلها. إذ بعد مواجهة الاضطهادات والهرطقات ورسم خطوط الإيمان الأرثوذكسي الموحى، حاربت الكنيسة الدهرية التي تمثلت بالابتعاد عن المواصفات اللاهوتية الأرثوذكسية، وبخسارة المتطلبات الأساسية للاهوت الأرثوذكسي. من الثابت أن الدهرية مرتبطة بتحول الانسان نحو البعد الأفقي من الحياة وإهماله البعد العامودي نحو الله، إضافة إلى السكولاستيكية(Note) والأخلاقية اللتين نمتا في الغرب. الحقيقة هي أن الكنيسة في الألف الثاني حددت، بشكا أكثر دقة ومنهجية، العقيدة الأرثوذكسية والحياة الروحية الصحيحة التي هي الهدوئية بكل ما تعني هذه الكلمة أرثوذكسياً. وقد فعلت الكنيسة هذا من خلال آبائها العظماء. فالصحيح هو اننا إن لم نعطِ الهدوئية الأرثوذكسية حقها من الأهمية، مشكوك في أننا نستطيع فهم تعليم الآباء عن المسيح (الخريستولوجيا) واللاهوت والتدبير الإلهي والخلاص.
في الألف الأول كان الدور المهم للآباء الرسوليين وبعدَهم الكبادوكيين ثم القديس مكسيموس المعترف فالقديس يوحنا الدمشقي والقديس فوتيوس الكبير. في الألف الثاني كان الدور المهم للقديس سمعان اللاهوتي الحديث فالقديس غريغوريوس بالاماس وكل الهدوئيين إلى نيقوديموس الآثوسي وغيره من الآباء النساك اللاحقين.
قد نحدد في الألف الثاني بعض المحطات الهدوئية التي كان لها دور في تحديد مناخ الكنيسة الأرثوذكسية وإثبات اختلافها عن التقليد الغربي. أحد هذه المحطات هي القديس سمعان اللاهوتي الحديث الذي عاش في أوائل الألف الثاني. محطة أخرى هي التيار الهدوئي الذي ظهر حوالي منتصف الألف الثاني وعبّر عنه القديس غريغوريوس بالاماس وضمّ آباء هدوئيين سابقين مثل غريغوريوس السينائي إضافة إلى غيرهم من اللاحقين. المحطة الثالثة هي تيار آباء الفيلوكاليا المسمين كوليفاد، أولهم القديس نيقوديموس الآثوسي. هذا التيار يمتد إلى أيامنا. فإذا لاحظنا أن الألف الثاني بدأ بحضور القديس سمعان اللاهوتي الحديث وينتهي بالبحث عن الحياة بحسب الفيلوكاليا، وهي مناسِبة جداً لعالمنا اليوم، نستنتج أن الهدوئية، أو ما يسمى بالحياة النسكية، هي ما يشكل السمة المميزة للألف الثاني عند اقترابه من نهايته.
في مواجهة الألف الثالث، نلفت النظر إلى أن السائد هو نزعتان. الأولى هي قوة السلطة المستندة إلى الجزء العقلاني من النفس الذي هو سريع التأثر. تتميز هذه النـزعة بالحياة الدهرية والاهتمام بالأمور العالمية والانصراف عن الأشياء الأخروية والإثارة باللذة والألم الحسيين. النـزعة الثانية هي نزعة الشهيد-الهدوئي الموجودة في الذين إما لديهم عطش كبير إلى الله أو هم خائبون من حياة سهلة ويبحثون عن شيء داخلي وجودي وكياني.
حتى ولو لاحظنا هذا البحث في أيامنا عن الهدوئية والفيلوكاليا، ينبغي التشديد على أن جو هذا الزمن يشير في جهة مختلفة. في نطاق الكنيسة، النـزعة المسيطرة هي إجمالاً تلك التي رسمها استفانوس النيقوميدي الذي اختلف مع القديس سمعان اللاهوتي الحديث. حتى في اللاهوت نلاحظ تحولاً جذرياً، فالجو المسيطر هو الذي رسمه برلعام السكولاستيكي الذي قاوم هدوئية القديس غريغوريوس بالاماس. في الرهبنة، النـزعة المسيطرة شكّلها أعداء الكوليفاد الذين قاوموا روح فيلوكاليا القديس نيقوديموس الآثوسي وغيره من أصحاب الفكر نفسه. إن روح جورج ياميستوس بليثون وبيساريون النيقاوي تطغى على روح القديس مرقس الأفسسي وجناديوس ساكولاريوس في العلاقات الاجتماعية والكنسية.
السعي وراء اللذة والمتعة يسيطر على زماننا في كل مستويات الحياة ولهذا هناك ألم عميق وأسى. ما نراه اليوم هو حكم اللذة الحسية والألم. إذاً المساهمة الرئيسية للكنيسة تكمن في مساعدة الناس على تخطي سلسلة ازدواجية اللذة الحسية والألم داخل حدود حياتهم الشخصية. ما يُسمّى بالمشاكل الاجتماعية سوف يُحل من خلال شفاء هذه المشكلة الأنثروبولوجية الأساسية.
التحليل التالي هو محاولة لدراسة مذهب المتعة المعاصر من خلال مقاربة التقليد الأرثوذكسي لازدواجية اللذة والألم.
أنا أؤمن أن لهذا الأمر نتائج مهمة على الحياة العصرية، إنه بالحقيقة أمر وجودي له أصداء جدية على المستويين الاجتماعي والفردي. إنه ما يحدد كل طريقة الإنسان المعاصر في الحياة.

مذهب المتعة (Hedonism)
إذا قمنا بامتحان دقيق للمجتمعات المعاصرة نرى أنه يخيم عليها مذهب منحرف يدعو إلى المتعة. الإنسان العصري يشجع هذا التيار بقوة ويختبره في حياته الشخصية، وبالطبع كل وسائل الإعلام الحديثة متورطة في خدمته وإطرائه: محطات التلفزيون، المجلات، الكتب، محطات الراديو، السينما، المسرح، الأغاني، الأدب، إلخ… كل الوسائل السمعية-البصرية تغذي نهم الإنسان وتعطشه إلى التمتع باللذة الحسية.
مذهب المتعة موجود منذ القديم وفلسفته معروفة جيداً. بحسب هذه المدرسة من التفكير، اللذة حسنة أما الحزن والألم فلا. مؤسس هذه المدرسة كان أريستيبس القوريني(435-355 ق.م.) . بسبب أصله سميت هذه المدرسة بالقورينية (Cyrenaic). بحسب أريستيبس، الماضي والحاضر ليسا في قبضة الإنسان وبالتالي الشيء الوحيد الذي تحت سيطرته هو اللذة الحاضرة. في الواقع هذا تجريبية غنوصية لأنه يعلّم أن فكر الإنسان لا يستطيع التوصل إلى اختبار القيم الروحية وهكذا هذه القيم لا تستطيع تنظيم الحياة البشرية. يقول أريستيبس أن اللذة بحد ذاتها مُفضلة وجيدة بغض النظر عن الأدوات والمصادر التي ولدتها. في كل الأحوال، على الإنسان أن يتمتع باللذة من دون أن تحكمه. أيضاً يقول: “أنا أملك، أنا لست مملوكاً”. اللذة تتقدم على القوانين الأخلاقية وعلى الأخيرة أن تتنحى إذا اعترضت الأولى.
تطور مذهب اللذة إلى نظام مع الأبيقورية التي اختبرته. أخلاقيات أبيقوروس تبدأ باللذة التي هي “بداية ونهاية العيش بسعادة… هي الخير الأول والطبيعي… لأن كل لذة هي حسنة… كما أن كل ألم مرذول”. طبعاً لم يعطِ أبيقوروس التقدمية للذات المادية والحسية لأنه وضع اللذة الروحية أولاً. مع أن اللذات الحسية تعطي المتعة إلى إنها مرتبطة بالألم. القيمة الكبرى هي للذات النفس. وفوق كل هذا فنظرية أبيقوروس حول المعرفة تجريبية ومادية.
بالتأكيد لقد وضع الإثنان، أريستيبس وأبيقوروس، مذهب المتعة داخل نظامهما الغنوصي المادي. فنظريتهما فلسفية مرتكزة إلى مبادئ غنوصية. هذا يُلاحظ لدى الفلاسفة اللاحقين الذين شكّل مذهب المتعة جزءً من نظامهم الفلسفي.
الاختلاف مع الحقيقة الراهنة لخبرة مذهب اللذة هو أولاً أن اللذة مفصولة عن الروحيات وهي فقط في مجال الحواس الجسدية. ثانياً ليس هذا المذهب اليوم نتيجة لأي نظرية غنوصية أو نظام فلسفي بل على العكس إنه ثمرة انغماس ذاتي بدون تفكير أو رؤى. إنه حالة ثانوية. فيما مذهب المتعة قضية وجودية، يعتبر الانسان العصري اللذة مجرد تدليل ذاتي وليست جزءً من المشاكل الوجودية. ولكن بالتأكيد، على مستوى أعمق، حتى التمتع المعاصر باللذة يشكّل بحثاً وجودياً، لكن الإنسان لا يحسّ به بهذا الشكل ولا يختبر اللذة على هذا الأساس.
يسيطر على المجتمعات المعاصرة مذهب المتعة والجري وراء اللذة بشكل متطرف وغير فلسفي. هنا نستعمل عبارة “مذهب المتعة” ليس بمعناها الفلسفي الأصيل إنما بمعناها المعاصر الشائع. يوجد اليوم مطاردة للمسرات. لهذا، في المجتمعات المعاصرة، يتلافى الناس الألم والنسك والتجرد بينما يطاردون الملذات بأي ثمن. أيضاً في هذه المجتمعات، تسيطر الحقوق الفردية. أؤمن أن الفرق بين الحياة الأرثوذكسية ونقيضها يكمن في هذه النقطة. الكنيسة الأرثوذكسية تتكلم دائماً عن الصليب والصلب وهذا شيء غير ممكن فهمه للعقلية البشرية.
في ما يلي سوف نقدم تعليم القديس مكسيموس المعترف عن اللذة والألم. سوف يظهر أن الآباء، في كل عملهم اللاهوتي، يتابعون تفكير الفلاسفة القدماء، كما يفعل القديس مكسيموس المعترف، مجيبيبن على أسئلة الفلاسفة على ضوء الوحي الإلهي ومن خلال اختباره.

اللذة والألم بحسب القديس مكسيموس المعترف
في مئوياته في اللاهوت، يشير القديس مكسيموس المعترف إلى رابطة ثنائية بين اللذة والألم، وهي موضوع مهم بحسب كل المعايير. هذا يعني أننا لا نستطيع مناقشة اللاهوت الأرثوذكسي إن فشلنا في مواجهة هذه النقطة الحاسمة. لأن السمو على اللذة والألم هو متطلب أساسي للاهوت الأرثوذكسي الصحيح. كما يقول القديس مكسيموس المعترف: “الارتفاع فوق اللذة والألم يثبت أن قلب الإنسان قد تنقى من الأهواء”.
كما أشرنا سابقاً، كل الحياة العصرية يحكمها اللذة والألم إذ يسيطر في عصرنا التمتع والابتهاج، بينما في الوقت نفسه يسود الأسى العميق والألم الداخلي. في الحقيقة، يحاول الإنسان المعاصر أن يهرب من الألم عن طريق إشباع اللذة الحسية. كل المشاكل المعاصرة، كالإيدز والمخدرات، على ارتباط هذا الأمر. لهذا أرى من الضرورة القصوى أن نرى هذا الرابط بين اللذة والألم كما فصّله القديس مكسيموس المعترف.

أ. أصل اللذة والألم
الله بالثالوث خلق العالم. أكثر المخلوقات كمالاً هو الإنسان لأنه قمة الخليقة. إنه العالم الصغير (microcosm) في العالم الكبير (macrocosm). في تحليله لموضوع خلق الإنسان وعلاقة هذا الخلق بولادة وأصل اللذة والألم، يقول القديس مكسيموس أن الله الكلمة الذي خلق طبيعة الإنسان، خلقه بدون لذة وألم. “لم يصنع الحواس عرضةً للذة والألم”. يشدد على هذه النقطة بقوله “اللذة والألم لم يُخلقا بنفس الوقت مع الجسد”.
في حين لم يكن في الإنسان لذة وألم قبل السقوط، فقد كان لديه في النوس مَلَكة ميل طبيعي نحو اللذة، ومن خلال هذا الاستعداد يستطيع التمتع بالله بشكل يفوق الوصف. لكن الإنسان أساء استعمال هذه الملكة الطبيعية ووجّه “التوق الطبيعي للنوس نحو الله” إلى الأشياء المحسوسة وبالتالي “بالحركة الأولى نحو الأشياء المحسوسة، حوّل الإنسان الأول هذا الشوق إلى حواسه، ومن خلالها راح يختبر هذه اللذة بعكس الطبيعة”. عبارات “بحسب الطبيعة” و”بعكس الطبيعة” تظهر بشكل كامل التغيّر الوجودي (ontological) الذي حدث في الإنسان، وتصوّر بوضوح حالته الساقطة.
هذا الأسلوب لعمل مَلَكات النفس لم يخترعه الإنسان من عنده إنما بتوجيه من الشيطان الذي كان مُحركاً بالحسد من الإنسان الذي أظهر الله نحوه اهتماماً وعطفاً خاصين. من المثير أن الشيطان لم يحسد الإنسان فقط بل الله أيضاً: “لأن الشيطان يحسدنا كما يحسد الله، أقنع الإنسان بالنفاق بأن الله يحسده (أي الإنسان) وهكذا جعله يخالف الوصية”.
بعد التحرك غير الطبيعي لقدرة النفس النوسية نحو الأشياء المحسوسة وولادة اللذة، الله “زرع الألم كنوع من القوة المؤدبة للنفس” وذلك حرصاً منه على خلاص الإنسان. هذا الألم هو كل عقدة الجسد المائت والسريع التأثر وقد ربطه الله، في محبته للإنسان، باللذة الحسية. إنه قانون الموت المرتبط بالطبيعة البشرية منذ وُجد. بهذه الطريقة كُبح “شوق النوس الجنوني” الذي يحرّض الميل غير الطبيعي للنفس نحو الأشياء المحسوسة.
هناك تعليم أفلاطوني يتكلّم عن حركة النفس الخالدة في عالم الأفكار الذي لم يُولد بعد، وعن ولادتها في جسد مائت هو بمثابة سجن لها. لا يوجد أي علاقة بين تحليل القديس مكسيموس المعترف بأكمله وهذا التعليم. هذا ببساطة لأن القديس مكسيموس المعترف، كونه عضواً كاملاً في التعليم الأرثوذكسي، لا يفرّق بين نفس خالدة بطبيعتها وجسد مائت بطبيعته، ولا يؤمن بعالم الأفكار الخالد الذي لم يُولَد بعد، وبشكل طبيعي لا يتبنّى النظرة الإثنينية إلى الإنسان التي بحسبها يكون الخلاص بتحرير الإنسان من سجن الروح الذي هو الجسد. في تعليم القديس مكسيموس إشارة واضحة إلى الحركة غير الطبيعية لمَلَكات النفس وإلى “شوق النوس المهووس” الذي يقود إلى حالات وأعمال ضد الطبيعة.
واضح إذاً أن الخطيئة الجديّة تتكوّن من “حركة النفس الأولى” نحو الأشياء المحسوسة وفي قانون الموت الذي وضعته محبة الله. إذاً اللذة والألم يكوّنان ما يسمّى بالخطيئة الأصلية. اللذة هي حركة النفس الأولية نحو الأشياء المحسوسة، بينما الألم هو كامل ناموس الموت المتجذّر في كيان الإنسان والذي يشكّل ناموس الجسد المائت.
يقدّم القديس مكسيموس المعترف بعض الملاحظات الرائعة. إنه يقول أن انتهاك الوصايا ابتكر اللذة لتعطيل الإرادة أي حرية الإنسان، وفرض الألم لتسبيب انحلال طبيعته. هذا يعني أن اللذة تسبب الخطيئة التي هي موت طوعي للنفس، بينما الألم عن طريق فصل الجسد عن النفس يسبب انحلال الجسد. بالواقع هذا كان عمل وهدف الشيطان، لكن الله سمح بالارتباط بين اللذة والألم، أي انه سمح للموت بالدخول إلى وجود الإنسان، من باب المحبة والإحسان، إذ أن الألم هو ضحد اللذة.إذاً “الله تدبيرياً أعطى الإنسان الألم الذي لم يختره مع الموت الناتج عنه، لكي يؤدبه على اللذة التي اختارها”.
في مواقع عديدة يشير القديس مكسيموس المعترف إلى “اللذة الطوعية” و”اللذة غير الواعية”، كما يشير إلى الألم “غير الطوعي” و”الإحساسي”. الألم يوازي نتائج اللذة، أي ينقص الألم، لكنه لا يبطله.
إذاً اللذة تسبق الألم، لأن كل ألم سببه اللذة ولهذا يسمّى ألماَ طبيعياً. بالنسبة لآدم وحواء، اللذة كانت بلا سبب أي لم يسبقها ألم، في حين أن الألم وهو نتيجة طبيعية للذة هو واجب ودين يدفعه كل البشر الذين لهم الطبيعة البشرية نفسها. هذا ما جرى لآدم وحواء. أما للمتحدرين منهما فالأمر يختلف قليلاً، خبرة الألم تقودهم إلى التمتع باللذة. بعد السقوط ودخول ناموس الخطيئة والموت إلى طبيعة الإنسان، صار هذا الأخير في حالة مأساوية. فبالرغم من أن الألم يبطل اللذة ويلغي حركتها الفاعلة، لا يستطيع الإنسان أن يبطل أو يبعد ناموس الموت الموجود في داخل كيانه، وهذا الناموس يجلب خبرة جديدة للذة. “الفلسفة من أجل الفضيلة” أي كل جهاد الإنسان النسكي يجلب الهدوء في إرادته وليس في طبيعته، لأن النسك لا يستطيع غلبة الموت الموجود كقانون قوي في كيان الإنسان. هنا تكمن مأساة الإنسان الذي قد يشفي اللذة ويكتسب انزاناً داخلياً عن طريق اللم الطوعي -أي النسك- وأحداث غير طوعية –حزن خارجي، موت…) لكنه غير قادر على تحرير نفسه من الألم الذي يحتمه ناموس الموت.

ب. هدف تجسد المسيح
حتى الآن، وضعنا كيف نشأ الارتباط بين اللذة والألم بعد السقوط. اللذة كانت نتيجة للحركة غير الواعية لمَلَكة النفس، ونتيجتها الطبيعية كانت مجيء الألم مع كل ناموس الموت. تركيبة اللذة والألم هذه أصبحت ناموساً للطبيعة البشرية. واضح أن الإنسان لا يستطيع التحرر من هذه الحالة التي أصبحت طبيعية في وقت يسلك حياة معاكسة للطبيعة. تجسد المسيح ساهم في تحرير الإنسان من هذا الارتباط بين اللذة والألم. يضع القديس مكسيموس المعترف بعض الملاحظات الرائعة على هذه النقطة أيضاً.
لقد كان مستحيلاً بالمطلق للطبيعة البشرية التي سقطت في اللذة الطوعية والألم غير الطوعي أن تعود إلى الحالة السابقة “لو لم يصبح الخالق إنساناً”. سر التجسد يكمن في حقيقة أن المسيح وُلد بشرياً، لكن بداية وسبب ولادته لم اللذة الحسية لأنه وُلد من الروح القدس ومن مريم العذراء، خارجاً عن طريقة البشر بالتوليد، وقبل طوعاً الألم والموت باختياره الحر. بالنسبة للإنسان، الألم أتى كنتيجة للخطيئة، لم يكن إرادياً. أما بالنسبة للمسيح فقد وُلد من غير لذة حسية وتقبّل الألم باختياره.
كل البشر المولودين بعد الخطيئة مولودون باللذة الحسية التي تسبق مولدهم، لأن الإنسان هو نتاج لذة أهله وبالطبع ليس من أحد حر بالطبيعة من الولادة المشبوبة التي تسببها اللذة. وهكذا أصل ولادة الإنسان “في الفساد المتأتي من اللذة” وسوف ينهي حياته “في الفساد الذي يأتي من الموت”. عليه إنه كان مستعبداً بشكل كلي للذة والألم “ولم يستطع أن يجد الطريق إلى الحرية”. “البشر معذبون باللذة غير العادلة والألم العادل، وبالطبع بنتيجتهما التي هي الموت”.
ولكي يعود الإنسان إلى حالته السابقة ويتأله، يجب اختراع ألم غير عادل وموت من دون سبب. يجب أن يكون الموت بلا سبب أي غير مسبب من اللذة، وغير عادل أي لا يأتي بعد حياة شهوانية. بهذه الطريقة يشفي الموت غير العادل اللذة غير العادلة التي سببت الموت العادل والألم العادل. بهذه الطريقة يتمتع الجنس البشري بالحرية مجدداً متحرراً من اللذة والألم. المسيح أصبح إنساناً كاملاً ذا نفس نوسية وجسد مائت، مثل جسدنا، ولكن بدون خطيئة. وُلد كإنسان من حبل بلا دنس وهكذا لم يكن لديه أي لذة حسية في كل الأحوال ولكنه طوعياً ارتضى الألم والموت وتألم بطريقة غير عادلة لمحبته للإنسان من أجل أن يبطل المبدأ الذي يسيطر على الطبيعة البشرية، مبدأ الولادة البشرية من لذة غير عادلة، ومن أجل إلغاء الموت كنهاية عادلة للطبيعة. وهكذا ولادة المسيح من حبل بلا دنس كإنسان وأخذه الطوعي لمواتية الطبيعة البشرية كما موته غير العادل، حررت الجنس البشري من اللذة الحسية والألم والموت.
ولادة المسيح كإنسان تمت بطريقة مغايرة لولادة البشر. بعد السقوط، صار مبدأ الولادة في الطبيعة البشرية في “تحرك اللذة بالبذرة من الوالد”. النتيجة المباشرة لهذه الولادة الحسية هي النهاية، أي ما يسمى “الموت المؤلم من خلال الفساد”. لكن المسيح لم يكن ممكناً أن يتسلط عليه الموت، لأنه لم يُولد بهذه الطريقة القائمة على الإثارة المتأتية من اللذة. بتجسده، منح المسيح للإنسان مبدأ مختلفاً للولادة، لذة الحياة الآتية عن طريق الألم. آدم بمخالفته أدخل طريقة مختلفة للولادة، أي ولادة أصلها من اللذة الحسية ونهايتها في الألم والحزن والموت. إذاً كل مَن يتحدر من آدم بحسب الجسد سيخضع لنهاية الموت العادل ولكن بألم. المسيح أعطى طريقة أخرى للولادة لأنه من خلال ولادته بدون زرع وموته الطوعي غير العادل، ألغى مبدأ الولادة بحسب آدم (اللذة الحسية) والنهاية التي أتى إليها آدم (الألم – الموت). بهذه الطريقة “حرر من هذه كل المولودين جديداً بالروح فيه”.
إن الطريقة التي بها أصبح المسيح متجسداً وشفى الطبيعة البشرية تظهر بشكل لا يقبل الجدل انه حكيم وعادل وقدير. إنه حكيم لأنه أصبح إنساناً حقيقياً بالطبيعة من دون أن يخضع لأي تغير. إنه عادل لأنه طوعياً اتخذ الجسد البشري المائت لمحبته للبشر وتعطفه عليهم. لهذا أيضاً لم يجعل خلاص الإنسان ملتوياً. إنه قدير لأنه خلق الحياة الأبدية والهدوء الثابت في الطبيعة عن طريق العذاب والموت وبهذا لم يظهر نفسه غير قادر على تحقيق شفاء الطبيعة البشرية.

ج. التبني الشخصي للخلاص
يجب على الإنسان أن يختبر شخصياً عمل المسيح وهدف تجسده. انتصار المسيح على الموت والألم يجب أن يصبحا العلاج الشخصي لكل كائن بشري. هذا يعني أن كل إنسان مرتبط بالمسيح يجب أن يتحرر من الرباط المأساوي بين اللذة والألم، وخاصةً أن يتخلص من ناموس الموت المتجذر في الطبيعة البشرية. يجب أن نرى بتفصيل أكثر كيف يحلل القديس مكسيموس المعترف عمل اللذة والألم في الإنسان بعد السقوط، وكيف يحفظ حريته وشفاءه. إنها نقطة مهمة لأنها تظهر حالة البشرية الحاضرة كما تظهر أيضاً سبل تحريرها من تسلط الموت.
يحلل القديس مكسيموس المعترف أن هيمنة اللذة والألم لم تكمن في قابلية الطبيعة للموت. فبما إن ولادتنا تتم بطريقة ساقطة فإن اللذة الحسية والألم متجذران في كياننا. قوة الخطيئة تكمن في قابلية الطبيعة للموت من خلال اللذة وتسلط الموت والألم. هذا لنقول أن الخطيئة سببها اللذة الحسية ونتاجها الألم والموت طبعاً. لكن خبرة الألم تحوّل الإنسان نحو الانغماس الشهواني كدواء مريح وهكذا يزيد التمتع الجديد في اللذة والألم.
جدير بنا أن نورد نص القديس مكسيموس المعترف كاملاً لأنه مقطع رائع:
“إذ أن سلطان اللذة والألم ينطبق بوضوح على ما هو قابل للموت في الطبيعة البشرية. نحن نبحث عن كيفية تخفيف عقوبة الألم من خلال اللذة، وهكذا في طبيعة الأشياء زيادةً للعقوبة. إذ في رغبتنا بالهرب من الألم ننشد ملاذاً في اللذة، وهكذا نحاول جلب الغوث لطبيعتنا المضغوطة كما هي في العذاب. ولكن من خلال محاولتنا بهذه الطريقة لثلم الألم باللذة، نضاعف مجموع ديوننا، لأننا لا نستطيع التمتع باللذة التي لا تقود إلى الألم والعذاب”.
في هذا المقطع للقديس مكسيموس المعترف، تظهر مأساة الطبيعة البشرية كاملة كما هي مختبرة في الأزمنة الحاضرة. ونستطيع التركيز على ثلاث مميزات.
أولاً: اللذة الحسية دائماً تجلب ألماً متطابقاً. ما جرى لآدم حيث جلبت اللذة الأولى الألم وخبرة الموت، يجري لكل خطيئة على المستوى الشخصي. في ارتكابه للخطيئة، يحس الإنسان باللذة وبعدها يختبر ألماً فظيعاً ليس بسبب الندامة فقط إنما أيضاً بسبب شبح الموت وظلام الجحيم. الكثير من مزامير داود يحلل هذه الحالة بالتفصيل: “فقد امتلأت من الشرور نفسي وحياتي من الجحيم دنت” (مز3:87).
ثانياً: خبرة الألم والموت تدفع الإنسان للسعي إلى الراحة والعزاء. وفي جهله كيفية استئصال اللذة التي هي المرض المسبِب للألم، ينتهي مجدداً في اللذة الحسية، منغمساً ليواسي طبيعته المتمرمرة. هكذا تقوده خبرة الألم إلى لذات مختلفة في الحياة، من الإشباع الجنسي إلى المخدرات، لأنه يعتقد مخطئاً أنه بهذا يتخلص من شبح الموت.
ثالثاً: الخبرة الجديدة للذة تجلب بالتأكيد ألماً جديداً، لأن الألم هو دائماً نتاج اللذة. هكذا تظهر حلقة مفرغة، فلا يقدر الإنسان أن يتحرر من تركيبة اللذة والألم الفظيعة.
التحرر من هذه المأساة يكمن في يسوع المسيح. كما قلنا سابقاً، المسيح عن طريق ولادته وموته منح الإنسان صيغة جديدة للولادة الروحية. بتجسده أعطى الإنسان نعمة فائقة الطبيعة، أعني التأله (Theosis)، وفي آلامه أعطى الهدوء وفي عذاباته أعطى الراحة وبموته وهب الحياة الأبدية للطبيعة البشرية.
هذا يظهر في القديسين. كل مَن يتحد مع المسيح ويولد روحياً يتحرر من اللذة الحسية التي أصلها في ناموس الخطيئة. في كل الأحوال، يسمح المسيح أن يقبل القديسون الموت، ليس لأن الموت هو نتاج خطيئتهم إنما ليدين الخطيئة. ليس لدى القديسين المتحدين بالمسيح لذة النسل الحسية المتحدرة من آدم، لكن عندهم الألم المتحدر من آدم. إن عندهم هذا الألم كطريقة لدحض الخطيئة. بما أن والدة موت القديس ليست الخطيئة الحسية، يصبح هذا الموت والد الحياة الأبدية. كما صارت حياة آدم المتلذذة أمّاً للموت والفساد، يصير موت المسيح لآدم أباً الحياة الأبدية لأنه متحرر من لذة آدم.
القديسون الذين وصلوا إلى التحرر من عذاب سلسلة اللذة-الألم، حققوا هذا لأنهم اتحدوا بالمسيح. الإتحاد بالمسيح يتحقق من خلال تركيبة من الحياة الأسرارية والنسكية. يشدد القديس مكسيموس المعترف على عيش الحياة النسكية لأن المناولة والاشتراك في النعمة الإلهية من خلال الأسرار ليسا بلا متطلبات. سوف نرى الآن القديس مكسيموس يتحدث عن هذه الطريق الخاصة التي بها اختبر القديسون الطريقة النسكية والحياة وكيف تخطوا اللذة والألم باتحادهم بالمسيح.
أولاً، إنه يشدد على أن تحمل العذاب الطوعي واحتمال الألم غير الطوعي ينـزع اللذة الحسية ويقطع زخمها. الآلام الطوعية هي التمارين الروحية كالصوم، السهرانيات، الحرمان، المجهود النسكي عامةً، حمل صليب طوعياً والجهاد لتحويل الأهواء. الآلام غير الطوعية هي كل الأحداث التي تجري من دون إرادة أو توقع كالمرض، الموت، الإغراءات والصعوبات. يأخذ الإنسان التجارب الطوعية بإرادته، ويحتمل غير الطوعية بالإيمان والرجاء بالله.
بالطبع، كما أشرنا سابقاً، يعلّم القديس مكسيموس أن اللذة الحسية والألم لا يبطلان كلياً بمجهود الإنسان النسكي. فأبرار العهد القديم أيضاً قاموا بهذا المجهود ومع ذلك لم يتمكنوا من تحرير أنفسهم من قيد اللذة والألم، وفوق كل شيء لم يتمكنوا من تحرير ذواتهم كيانياً من تسلط الموت. هذا التحرير للطبيعة البشرية تحقق بيسوع المسيح ويتم اختباره في المشاركة بالنعمة الإلهية في أسرار الكنيسة. ومع ذلك ينبغي على كل شخص أن يجاهد بيسوع المسيح ليتخطى اللذة والألم.
يقدم القديس مكسيموس المعترف معالجة مفصلة لهذه الأمور ويظهر كيفية تحقيق إبطال اللذة والألم في الحياة الشخصية.
أولاً، يقسم اللذة والألم إلى فئتين، لذة النفس ولذة الجسد، وأيضاً ألم النفس وألم الجسد. لذة الحواس تخلق ألماً في النفس وألم النفس يخلق ألماً في الحواس. اختبار الفضيلة يجلب اللذة والألم. أي أن الفضيلة يرافقها ألم الجسد لأن من خلال العيش بحسب الله يفقد الإنسان الحس الناعم المُرضي. أيضاً يرافقها ألم النفس لأنه يتمتع بالمفاهيم النقية متحرراً من كل الأمور الحسية. لهذا السبب، كل مَن يرغب بحياة المسيح التي في النعيم والتي سوف تُعطى كميراث من خلال قيامة الأموات، يشعر بالفرح والراحة في نفسه في حين يشعر بالألم في جسده، أعني يحس بالألم والحزن اللذين تسببهما التجربة.
فمع أنه يشعر بالألم في الجسد بسبب التجارب الطوعية والكرهية، الشخص الذي يحيا بالمسيح هو دائم الفرح بدون انقطاع، لأنه يعرف أنه بهذا يتحرر من ناموس الخطيئة والموت. الانعتاق من الألم ضروري لشفاء الإنسان، ولكن مع هذا، فالألم يجب أن يكون صحياً وليس غير عاقل.
لقد سبق وشددنا في هذا العرض على أن حياة الإنسان المعاصرة محكومة باللذة الحسية والألم، لأن هناك حلقة أثيمة مغروسة في الطبيعة البشرية بسبب سقطة آدم، ولكنها أيضاً انتقلت إلى كل إنسان. وحده المسيح كونه إلهاً تاماً وإنساناً تاماً، تخطى اللذة بمولده من غير زرع من الروح القدس والعذراء مريم، وفي الوقت نفسه غلب الموت والألم بقبوله الصليب المؤلم. لهذا السبب بالضبط المسيح هو الإنسان الكامل والمثال لكل المؤمنين. المسيح هو النموذج لخليقتنا والشافي في الوقت نفسه، لأنه هو مَن يحررنا من مأساة اللذة الحسية والألم. بهذا المنظار يُنظر إلى النسك بحسب المسيح على أنه متميز بوضوح عن أي نسك آخر من النموذج الشرقي، لأنه غير محكوم بالمجهود البشري إنما بقوة الله وتعاون الإنسان.

مساهمة النسك الأرثوذكسي العظيمة وقيمتها
أثبتنا في التحليل السابق أن اللذة الحسية تسبب مشاكل مروعة في كيان الإنسان، إذ أن كل بذور الألم والموت المأساوية مخبأة في حالة اللذة. عندما يحمل شخص ما صليب النسك في يسوع المسيح، يتحرر من تسلط اللذة الحسية. إذاً، وجود الألم في حياتنا مفيد عندما نضعه في مواجهة مع الإيمان والصبر بالله. هذا يعني أنه مطلوب جهد مكثف وجهاد مستمر ضد طبيعتنا البشرية الساقطة. نحن نحمل بذور المأساة في وجودنا. مشكلة الإنسان الرئيسية ليست الشر الاجتماعي إنما فساد الطبيعة البشرية. إذاً نحن نجاهد باستمرار لتحويل الطبيعة المائتة إلى إنسان بحسب المسيح.
هذا التحول يتحقق من خلال النسك الأرثوذكسي الذي يصبو إلى تخطي اللذة والألم. هذا النسك ليس طريقة مهجورة وبغير أساس، إنما هو العمل الأكثر عصرية وقابلية للتطبيق. النسك الأرثوذكسي وشفاء الإنسان مرتبطان بشدة. اليوم يسعى الناس إلى العلاج لأن مأساة اللذة الحسية والألم تتملكهم. في هذه النقطة أرى القيمة الأعظم للروحانية الأرثوذكسية التي تختلف بوضوح عن أي روحانية أخرى سواء من النموذج الغربي أو الشرقي.
إن العالم المعاصر مميز باختبار المأساة المرتبطة باللذة الحسية وتجربة الألم، وأن إنسان اليوم ينشد الانعتاق والشفاء ويجدها في الهدوئية الأرثوذكسية. هذه حقيقة يثبتها بوضوح عدد الناس المتحولين إلى اللاهوت الأرثوذكسي وصياغته الجديدة صادقين، في الشرق كما في الغرب. أكثر من ظاهرة تشهد على البحث الذي يقوم به إنسان اليوم من خلال تعليم الكنيسة النسكي الهدوئي: الاهتمام بأعمال آباء الكنيسة الهدوئيين، قراءة الفيلوكاليا التي أتمها بشكلها الأخير القديس نيقوديموس الآثوسي مع القديس مكاريوس نوتاراس أسقف كورينثوس، انتشار أعمال القديس سمعان اللاهوتي الحديث والقديس غريغوريوس بالاماس وقديسين كثيرين غيرهم، دراسة أعمال آباء القرن الرابع. إذاً يجب أن لا ننظر فقط إلى الشروط السلبية، كمأساة اللذة الحسية والألم، إنما أيضاً إلى البحث عن الشفاء وما يقدمه اللاهوت الأرثوذكسي.
لم يزل هناك أثر تقليدي هائل للحياة الأرثوذكسية في شعبنا. للأسف مع ذلك هذا يُستغل أحياناً من أشخاص غير مسؤولين وأنانيين. عند مراقبة الحياة الكنسية المعاصرة يشعر المرء بأن هناك مسيحيين كثيرين يتفاعلون ضد السكولاستيكية التي دخلت إلى مجال الأرثوذكس، بالرغم من عدم امتلاكهم لأي حجة لاهوتية مقنعة. وبالطريقة نفسها يتفاعلون ضد الفتكنة الظاهرة في الإدارة الكنسية، وضد الأخلاقية التي تم عرضها في مجال الحياة الروحية وضد النظرة المسكونية للأمور المتعلقة بحياة الكنيسة. هم لا يستطيعون دمج هذه الأمور مع الحياة الأرثوذكسية الحقيقية كما عاشها أسلافهم وقرأوا عنها في أعمال آباء الكنيسة. أغلب هؤلاء الناس منتمون إلى جماعة التقويم القديم. أن نقدم الحياة الأرثوذكسية بشكلها الأصيل هو أمر جوهري حتى ننسب أنتولوجيا صحيحة لردة فعل هؤلاء ونجنبهم الخروج عن الخط إلى التفاصيل الصغيرة. وهذا ضروري للحركة العظيمة التي نلاحظها في الغرب نحو اللاهوت الأرثوذكسي والحياة الكنسية الأرثوذكسية.
أعتقد أن هذا هو عمل آباء الكنيسة العظماء عبر العصور لأن لديهم تفسير لاهوتي لكل الأحداث الكنسية. لو لم يكن هناك القديس سمعان اللاهوتي الحديث في القرن الحادي عشر لربما كانت سيطرت آراء استفانوس أسقف نيقوميدية، التي كانت فكرية محضة، وأجرؤ على القول أنها كانت سكولاستيكية. لكن القديس سمعان اللاهوتي الحديث أظهر في أعماله أن أساس وهدف الحياة الأرثوذكسية هو تأله الإنسان الذي يتحقق بقوة الروح القدس ورؤية النور غير المخلوق.
لولا وجود القديس غريغوريوس بالاماس في القرن الرابع عشر لاعتُبرت الهدوئية انحرافاً هرطوقياً عن حياة الكنيسة الأصيلة بحسب الإنجيل. لكن القديس غريغوريوس بالاماس أظهر بكل مصداقية ووضوح كل لاهوت الهدوئية، ما هو الإنسان وكيف يتحقق اتحاده بالله، ما هو التأله والعلاقة بين الصلاة القلبية وكيان الإنسان وخلاصه.
وأيضاً لو لم تكن صورة القديس نيقوديموس الآثوسي مهيمنة على القرن الثامن عشر لاعتُبرت حركة رهبان أثوس هرطقة، فهم قاوموا التغييرات ودهرنة الحياة الأرثوذكسية وعبّروا عن ردة فعلهم برفضهم إقامة الذكرانيات يوم الأحد. في كل الأحوال أظهر القديس نيقوديموس بوضوح في كل كتاباته أن تحرك المدعويين كوليفاذيين (Kolyvades) كان الروحية الأصيلة للفيلوكاليا. هذه الروحية التي تشكل جوهر حياة الكنيسة الأرثوذكسية.
أعتقد أنه لو كان هناك أب عظيم في كنيستنا، مثل سمعان اللاهوتي الحديث أو غريغوريوس بالاماس ونيقوديموس الآثوسي، في مطلع هذا القرن عند نشوء قضية التقويم، لكان برهن أن ردة الفعل الشعبية على إدخال التقويم القديم كانت بالحقيقة ردة فعل على إدخال وجهات النظر الغريبة الآتية من الغرب، ردة فعل على دهرنة اللاهوت الأرثوذكسي. للأسف لم يُنظر إلى هذا الأمر من هذا المنظار وأخطأوا في حد اهتمام الناس بموضوع التقويم فقط. الخطأ نفسه كان ممكناً ارتكابه أيام القديس غريغوريوس بالاماس لو حُدد النقاش بطريقة الصلاة وحدها دون اعتبار لاهوتها. وهذا أيضاً ينطبق في عصر القديس نيقوديموس الآثوسي إذ أن الأمر كله حدد بالذكرانيات في الأحد وتم غض النظر عن كل المعنى الذي لمقاومة روح الدهرية في الكنيسة.
كل هذا الكلام قيل على ضوء حقيقة أن أثر الحياة والتصرف الأرثوذكسيين عميق في اليونان اليوم. علينا أن نعطي معنى لاهوتياً وقيمة لهذا الأثر لأن بهذه الطريقة فقط تبقى جذور الحياة الأرثوذكسية في شعبنا. وعلينا أن نفعل الشيء نفسه للمرتدين الكثيرين إلى الأرثوذكسية في الغرب. اليوم الناس في الغرب يحبون الأرثوذكسية وهم متحمسون لها لأنهم يقرأون كتابات الآباء النسكيين وينشدون السلام الداخلي والاتحاد مع الله. إنهم يبحثون عن هذا اللاهوت الذي بمقدوره أن يخبرهم كيفية التخلص من اللذة الحسية والألم.

خاتمة
حالة العالم الحاضرة يعبّر عنها الرسول بولس بقوة وتفصيل في رسالته الثانية إلى تيموثاوس. هناك حالتان واتجاهان من الناس. الذين يحيون خارج الله ينتمون إلى الأولى. يكتب الرسول بولس: “ولكن إعلم هذا أنه في الأيام الأخيرة ستأتي أزمنة صعبة. لأن الناس يكونون محبين لأنفسهم محبين للمال متعظمين مستكبرين مجدفين غير طائعين لوالديهم غير شاكرين دنسين؛ بلا حنو بلا رضى ثالبين عديمي النـزاهة شرسين غير محبين للصلاح خائنين مقتحمين متصلفين محبين للذات دون محبة لله. لهم صورة التقوى ولكنهم منكرون قوتها. فأعرض عن هؤلاء. فإنه من هؤلاء هم الذين يدخلون البيوت ويسبون نسيّات محملات خطايا منساقات بشهوات مختلفة. يتعلمن في كل حين ولا يستطعن أن يقبلن إلى معرفة الحق أبداً. وكما قاوم ينيس ويمبريس موسى كذلك هؤلاء أيضاً يقاومون الحق. أناس فاسدة أذهانهم ومن جهة الإيمان مرفوضون. لكنهم لا يتقدمون أكثر لأن حمقهم سيكون واضحاً للجميع كما كان حمق ذينك أيضاً” (2تيم1:3-9).
في المجموعة الثانية المتحدون مع المسيح، تلاميذ المسيح الذين يبحثون عن الحقيقة والحياة في المسيح، كما يعبّر الرسول نفسه: “وأما أنت فقد تبعت تعليمي وسيرتي وقصدي وإيماني وأناتي ومحبتي وصبري واضطهاداتي وآلامي مثل ما أصابني في انطاكية وإيقونية ولسترة. أية اضطهادات احتملت ومن الجميع أنقذني الرب. وجميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يُضطهدون” (2تيم 10:3-12).
أفراد المجموعة الأولى هم “الأشرار المزورين… مُضِلين ومُضَلين”(2تيم 13)، بينما أفراد المجموعة الثانية فهم أولئك الأصحاء الكاملون، وبتعبير الرسول: “لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهباً لكل عمل صالح” (2تيم 17).
إني أريد أن أؤمن أن تياراً قوياً من الناس الذين يحيون بروح التقليد الكنسي غير الفاسد، موجود اليوم أيضاً كما أن آخرين من الخائبين من مأساة مبدأ اللذة والألم، يبحثون عن طريق خارج هذا الجحيم المأساوي. يجب أن ننظر إلى الوجوه الإيجابية ونطعم اولئك الجائعين والعطشى إلى بر الله عندما تراجعنا حالات سلبية، بدلاً من الوقوف عاطلين وبدل البكاء على مأساة العالم العصري. بهذه الطريقة سوف نساهم في منح الكنيسة الأرثوذكسية حياة جديدة.

ترجمة الأب أنطوان ملكي

الأيقونات أم التماثيل؟ – الشماس اسبيرو جبور

الكنيسة الارثوذكسية تقوم على التقليد الرسولي المستمر منذ عهد الرسل حتى اليوم. وهو متمثل بالتعليم الرسولي الشفهي والكتابي (1 تسالونيكي 2: 15)،العهد الجديد نفسه هو قطعة من التقليد. والمجامع المسكونية جمعت عددا من الاباء تمثل تقليد الكنيسة الحي. فهناك عشرات من مجامع الهراطقة التي لفظتها الكنيسة. الاريوسيون عقدوا مجامع عديدة واصحاب الطبيعة الواحدة وايضا اصحاب المشيئة الواحدة.
ضغط الاباطرة على الاساقفة مرارا فخضعوا لهم. اقسنيطيوس ابن قسطنطين ارهق الكنيسة فتمرد عليه اثناسيوس الكبير وهيلاريون اسقف بواتيه.
فاسيليكوس الامبراطور المغتصب انتزع في القرن الخامس 700 توقيع من الاساقفة. حتى القديس اندراوس الدمشقي خضع للضغط وخضع للمشيئة الواحدة. ولكنه تاب وانشأ القانون الكبير اشهر التراتيل الكنسية.
المجامع المسكونية السبعة لها طبيعتها الخاصة. المجمع المسكوني لا يقرر العقيدة بل يعلنها ولا يصبح مسكونيا الا اذا اعترفت به الكنيسة. ولذلك المجمع المسكوني السابع اعترف بالمجامع السابقة. لقد رفضت الكنيسة العديد من المجامع لانها خالفت التقليد الكنيسة الروح القدس الساكن في الكنيسة الذي يحمي ايمانها من الزواغان والضلال.
بالنسبة للايقونات والتماثيل ليس في اقوال اللاهوتين اي ذكر للتماثيل. لقد انصب جميعا على الايقونات. وأحد الارثوذكسية هو احد تكريم الايقونات لا التماثيل. منذ باسيليوس الكبير حتى يوحنا الدمشقي وثيئوذوروس الستوديتي وفلاديمير لوسكي (دمشق ولاهوت الايقونة) لايوجد اي ذكر للتماثيل. كلنا انحصرنا بالايقونات وقلنا كلنا ان اكرام الايقونات ينصرف الى شخص المرسوم عليه لا للتماثيل والحجارة. الايقونة ابداع فني روحي لاهوتي. يوحنا الدمشقي المناضل الاكبر عن تكريم الايقونات. وكل اللاحقين نهلوا من تعليمه. والمجمع السابع المسكوني هو عمليا من بنات افكاره. النص اللاهوتي في المجمع المذكور بانشاء تلاميذه بطاركة الاسكندرية والانطاكية واورشليم. رفض النص رئيس المجمع البطريرك طاراسيوس واخذ بالنص البطاركة المذكورين لانه مشبع بتعليم استاذهم البعيد نسبيا. المجمع الهرطوقي المنعقد 750- 754 طعن في يوحنا الدمشقي. الحرب ضد الايقونات استمرت حوالي 100 عام. لم يذكر احد فيها ان التحطيم شمل التماثيل. انحصر التحطيم بالايقونات. بدأت الحرب في دمشق في عام 723 وانتقلت الى القسطنطينية في عام 726. رفعت الامبراطورة ثيودورا الايقونات في عام 843. كل شيء حتى ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا دار حول الايقونات لا حول التماثيل. ولذلك فالتقليد الكنيسة مستمر حتى يوم بدون تزعزع. سقط الكثيرون من الشهداء وبينهم ( رهبان كثيرون) في سبيل عقيدة تكريم الايقونات. نهب الحكام الهراطقة الكنائس والاديرة وثرواتها عبثا. لم ولن نركع باي مبتدع لا في القديم ولا في الحديث. ايماننا الارثوذكسي اقوى من وجودنا. وجودنا فداء ايماننا لا ايماننا فداء وجودنا. ان حفاظ على ايمان الكنيسة الارثوذكسية الجامعة الرسولية كلف الارثوذكس عبر التاريخ اكثر من 50 مليون شهيد. وما زلنا على استعداد للاستشهاد في سبيل هذا الايمان الالهي. الذي لم تستطع الزوابع ان تزعزعه طوال عشرين قرنا من الزمن. عاشت الارثوذكسية وعضدا اركان الى ابد الابدين.

عيد القديس جاورجيوس (2009)
الشماس اسبيرو جبور

الغني الجاهل – المطران بولس يازجي

لوقا 12، 16-21
الأحد التاسع من لوقا
“يا نفسُ استريحي وكلي واشربي وافرحي…”

لا يبدو هذا الغني، من الوهلة الأولى، جاهلاً، رغم ما نعته به الكتاب. فالرجل يملك خيراتٍ كثيرة ويحسنُ إدارتها. ولما أخصبت أرضه وجد حلولاً على الفور. إن إنساناً كهذا قد يكون المثل الأعلى للعديدين منّا في حسن جمع الخيرات ومضاعفتها… لكنّه في نظر الكتاب صار جاهلاً؛ فالسؤال المحيّر هو لماذا سُمّي جاهلاً؟

لقد دُعي هذا الغني جاهلاً لسببَين:

أوّلاً: أنّه لم يكن يعرف أبداً وعلى الإطلاق كيف تعيش نفسه. فوصفه لقوتِ نفسه يدلّ على غباوة. لقد خاطب ذاته قائلاً: يا نفسي كلي واشربي… لك خيراتٌ، وهذه ليست طعامَ النفس لأنّه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان! لم يدرك هذا الغني ما هو الطعام الحقيقيّ الذي كان عليه أن يشتريه بتلك الخيرات التي تراكمت لديه.

والسبب الثاني، أنّه بينما كان يحسن جمعَ خيراته وتخزينها لسنين عديدة، كان يجهل الأهمّ أي طريقةَ استخدامها. لقد أحسن بالتعب وأساء بالربح. أحسن بالعمل وأساء بالثمر.

وهل يمكن للخيرات الدنيويّة أن تكون مأكلاً ومشرباً وفرحاً للنفس؟ الجواب بالطبع نعم! وهذه هي غاية كلّ تلك الخيرات، ولكن كيف؟

عندما تخزّن الخيرات للذات تفسد. الذهبيّ الفمّ يشبّه الخيرات الدنيويّة بذلك “المنّ” الإلهيّ الذي كان الله يرسله كلّ يوم للشعب التائه في البرية، وكان كلّ إنسان يأكل منه لحاجته. ولما طمع البعضُ وأرادوا جمع كميات منه وتخزينَها وجدوا أنّها كانت تفسد على الفور. المال حين يجمّع ينتن وحين يبدّد ويستخدم بالشكل الحسن يُثمر.

يصير المال والغنى وكلّ الخيرات مأكلاً وفرحاً للنفس بشرطَين، أولاً تكون سبباً لبناء جسور من العلاقات الطيبة ولتمتين المحبّة مع الآخرين. المال أقوى سلاح للاتصال بالآخرين ولكن بمحبّة. الغني أقدر من الفقير على الحبّ لو عرف استخدام ماله. لا تحيا النفس من الخيرات، ولكن تحيا على العلاقات الخيِّرة.

وثانياً، عندما نستخدمها بشكر لله. عندما نتلقى خيرات وافرة علينا أن نشكر واهبها. أليستْ كلّ الخيرات دليلاً على العناية الإلهيّة؟ علينا دائماً أن نحوِّل الخيرات إلى قرابين شكر. لهذا كان الناس في العهد القديم يعبّرون عن شكرهم بتقديم الأبكار من الخيرات ومن الأولاد لله، واهبها؛ وكذلك العُشور من كلّ شيء. في سفر الرؤيا يُوبَّخ ملاكُ اللاذقية لأنَّه غَنِيَ فاستغنى. لا تعود الخيرات طعاماً للنفس عندما تجعلنا نستغني عن الله في خيراته عوض أن نشكُره عليها.

“الخير” في “الخيرات” هو تحويلها إلى قربان محبّة للقريب وتسبحة لله فتنعم النفس وتستريح.

آميــن

من كتاب سفر الكلمة- الجزء الثاني

للمطران بولس يازجي

عيد دخول السيدة إلى الهيكل – القديس غريغوريوس بالاماس

عيد دخول السيدة إلى الهيكل (21 ت2)
للقديس غريغوريوس بالاماس

باسم الآب والإبن والرّوح القدس الإله الواحد آمين

تدبير الله الكلمة في الجسد

الشجرة الحسنة إنما تعرف من ثمرها، فكيف لا تكون والدة الصلاح ومولدة الحسن الأزلي إذاً أرفع شأناً بصلاحها من كل ما في العالم ومما فوق العالم؟ ذلك لأن القوة التي صنعت كل شيء، أيقونة الصلاح الأزلية والكلمة الكائن قبل الأزل الفائق الجوهر والفائق الصلاحن قد شاء في محبته للبشر التي لا توصف ورأفة بنا أن يلبس صورتنا، ليعيد طبيعتنا التي نزلت إلى أعماق الجحيم ويجددها بعد أن عنقت، ويصعدها إلى علو ملكوته وألوهيته الذي يفوق السماوات. شاء أن يتحد إذاً بطبيعتنا بحسب الأقنوم وكان محتاجاً من ثم إلى جبلة جسدية وإلى بشرة جديدة تكون في الوقت عينه بشرتنا نحن لكي يجددنا، ولذلك كان محتاجاً إلى حبل شبيه بحبلنا، وإلى ولادة شبيهة بولادتنا، وإلى تغذية بعد الولادة وتصرف يتناسب وإيانان صائراً بالتالي على شبهنا لأجلنا.

وهكذا وجد له أمة ملائمة هي العذراء الدائمة البتولية مريم لتمنحه من نفسها طبيعة لم يلحق بها دنسن وهي التي نسبحها اليوم مقيمين تذكار دخولها العجيب إلى قدس الأقداس، إذ سبق الله فعينها من قبل الدهور لأجل خلاص جنسنا وإعادته، مختاراً إياها من بين جميع المختارين المشهود لهم بالتقوى والحكمة والأخلاق الحسنة قولاً وفعلاً.

كان دخول السيدة والدة الإله إلى الهيكل عن طريق الصلاة إذ حصل الوالدان على طلبهما وعاينا تحقيق الوعد، فأسرعا من ثم ليوفيا النذر كونهما صفيين لله. فبعد الفطام حالاً أتيا بالطفلة العذراء والدة الإله إلى هيكل الله حيث رئيس الكهنة، وكانت الطفلة متلئة نعمة منذ ذلك السن حتى إنها كانت تعي ما كان يجري أمام عينيها وتعبر قدر استطاعتها عن حرية انقيادها وعن تقدمها الطوعي إلى الله، كما لو كانت مأخوذة بالعشق الإلهي مشتهية هذا الدخول والسكنى في قدس الأقداس.

لقد فهم رئيس الكهنة أن الطفلة حاصلة على النعمة أكثر من الجميع فأقامها من ثم في المكان الذي هو أفضل من أي مكان آخر، مدخلاً إياها إلى قدس الأقداس ومعلّماً الكل توقير العذراء التي كانت تتغذى بقوتِ إلهي يحضرها إليها ملاك، والذي به كانت تنمو في جسدها على نحو أجزل طهراً ونقاء وسموا من القوات العادمي الأجساد. إذا كان الملائكة يخدمونها، هي التي لم تدخل الهيكل من تلقاء نفسها بل التي أجتذبها إليه الله نوعاً ما لتسكن معه سنوات عدة إلى ان انفتحت الأخدار السماوية وقدّمت للمؤمنين هيكلاً إلهياً بمولودها العجيب.

لذلك أودعت اليوم في الأقداس كذخيرة إلهية هذه الطفلة المختارة بين المختارين منذ الدهر، التي كان جسدها أكثر طهارة من الأرواح المطهرة بالفضيلة، حتى إنها أضحت لا رمزاً للأقوال الإلهية وحسب، بل ومسكناً أيضاً لأقنوم الكلمة الابن الوحيد نفسه الذي للآب غير المولود.

هذه الوديعة في حينها كزينة غنية تفوق العالم، ولذلك يمجد أمه قبل الولادة وبعد الولادة أيضاً.

وأما نحن فإذ نفهم معنى الخلاص الذي يتهيأ عن طريقها فنقدم لها الشكر والتسبيح كله.

هكذا حين سمعت المرأة المذكورة في الإنجيل الأقوال الخلاصية طوبت والدة الإله مؤدبة لها الشكر جهازاً وقائلة للرب: “طوبى للبطن الذي حملك وللثديين اللذين رضعتهما” (لوقا 27:11).

ونحن الحائرون على أقوال الحياة مكتوبة أمامنا، ومعها العجائب والآلام، وإقامة جنسنا من الأموات، وإصعادها إلى السماء، والحياة الأبدية الموعود بها، والخلاص المنتظر كيف لا نواصل التسبيح والتطويب الآن لمن ولدت معطي الخلاص ومانح الحياة، عند الحبل بها وعند ولادتها وعند دخولها إلى الأقداس؟

إذاً فلننقل ايها الإخوة أنفسنا نحن: أيضاً من الأرض إلى السماء، ومن الجسديات إلى الروحيات. لننقل شوقنا من العابرات إلى الباقيات، ولنزدر بالملذات الجسدية التي تطعن بالنفس وتعبر بسرعة. فلنشته إلهيات الروحية التي تبقى بلا فساد، ولنرفع ذهننا من الصخب مرتقين به إلى السماوات، إلى قدس الأقداس حيث تسكن والدة الإله.

هكذا سنقدم لها نشائدنا بدالة كبيرة، وهكذا سنصبح بشفاعاتها ورثاء للخيرات الباقية بنعمة الرب يسوع المسيح ومحبته للبشر، الذي ولد منها لأجلنا والذي به يليق المجد والإكرام والسجود مع أبيه الذي لا بدء له وروحه الكلي قدسه الصانع الحياة، الآن وكل آوان وإلى دهر الداهرين. آمين

آمـيــن.

البتولية (مريم البتول) – المطران بولس يازجي

تتغنّى ترانيمنا الكنسية دائماً ببتولية مريم العذراء، ويرى الرهبان والراهبات في شخصها القدوةَ والشفاعة والقائدة. هذا الإعجاب بالبتولية لا يرافقه أي احتقار نحو الزواج، في كنسيتنا الأرثوذكسية، على عكس الكثيرين وخاصة في الأديان القديمة. فنظرتنا تحفظ للبتولية مكانة مميزة وتحفظ للزواج أيضاً مكانته المقدسة.

عرفت الأديان القديمة بعض العذارى الآلهات اللواتي كان عليهن أن يحفظن بالبتولية صباهنّ وجمالهن! وهذا المفهوم هو غير مفهومه في الكتاب المقدس، الذي لا يعرف سبباً للبتولية إلاّ تخصيص المحبة الكلية لله وحده!

بعد مجيء يسوع وموته وقيامته انفتح تاريخ جديد في عالم البتولية. لقد اختار يسوع هذه الطريقة في الحياة ليكون في كل شيء لأبيه. ولو أن العهد القديم عرف بعض الحالات إلا أنها كانت نادرة تتوجت في شخص يوحنا المعمدان الذي تربّى عند “الأسانيين”، الذين كانوا يعرفون هذا النمط الرهباني المتبتّل للحياة. فإن البتولية هي عرس

عفافيّ فيه يحتل الله مكانة العريس لكل نفس بشرية تلك التي تغدو عروساً له. وهذا ما يصفه سفر الرؤيا: “تقول العروس والروح” ( تصرخ النفس بالروح القدس) “تعال يا رب تعال”، ويجيب “ها أنذا آتي سريعاً” (رؤيا 22، 20). وهذه الكلمات تشكل خاتمة الكتاب المقدس، وبالوقت ذاته تشكل نهاية مطاف حياة كل البشر!

تنطلق قدسية البتولية في المسيحية ليس من سبب شرعي يحرّم الجنس والزواج على أنهما صيغة غير طاهرة. وإن تأثرت بعض الكنائس الغربية بهذه النظرة الفلسفية والعالمية عن الجنس فإن كنسيتنا الشرقية حافظتْ على روح البتولية في جوهرها وحقيقتها سالمة. تنطلق البتولية من المفهوم الانثروبولوجي العميق للجنس ذاته. لا ترى المسيحية الجنس وظيفةً بيولوجية أو نزوة غير طاهرة، يتوجَّب على الأطهار استئصالُها! إن الجنس “دافع” وضعه الله في الحياة الإنسانية وله غاياته الروحية فهو ليس فقط وظيفةً بيولوجية. لا ينحصر معنى الجنس إذن في “النـزوة” للشهوة ولا حتى في “الطاقة” على الإنجاب. واليوم يمكن الاعتماد على طرق علمية في تكوين الكائن البشري دون العلاقات الجنسية المباشرة، لكنَّ هذا لا يلغي المعنى الإنساني للجنس في الحياة البشرية. إذن الجنس هو “دافع” باركه الله ووضعه في الإنسان من أجل “غاية” وهدف. كما هي كل أمور الحياة. والطعام مثلاً يشبهه. فليس الطعام وظيفة بيولوجية حصراً. لأنه لو افترضنا أنه يمكن التعويض عن الوجبات والموائد ببعض الحبوب أو المصل… (وهذا ما يحصل في حالات اضطرارية وطبيّة)، فهل تقوم حياة الإنسان دون “وجبة الطعام”، التي لها أبعاد روحية عميقة ومهمة؟ إن الكثير من العلاقات الإنسانية التي تخصّ جوهر حياة الإنسان تدور حول “طقس الموائد”. وإذا كنا لا نمدح هنا المبالغات فإننا نؤمن بضرورة هذا الطقس في اعتداله. وللجنس كذلك غايات روحية يجب أن يصل إليها هذا “الدافع” الأول.

فالبتولية ليست “حرماناً” أو “امتناعاً” عن الجنس كشيء غير طاهر، حاشى! وحتى لو لم تعرف ممارسته. البتولية اصطفاء للبعد الروحي من الجنس في صورته الكاملة. البتولية هي قفزة إلى العلاقة الروحية التي يجب أن يصل إليها الزواج عبر الدوافع الجنسية. إن الطهارة أو العفاف… وما شابهها من كلمات هي غاية الحياة الزوجية. لقد خلق الله في الإنسان هذه الدوافع والطاقات الجنسية لكي تكون رابطاً يبني علاقة قوية جداً، فيرتقي الجنس بالإنسان من الدافع إلى العلاقة. ولكي نقدّر نظرة الكتاب لهذه النظرة الروحية لغاية الجنس والزواج علينا أن نقارن تقييمه للعلاقات البشرية المختلفة. فإذا كانت العلاقة بين الأم وابنها هي العلاقة الأسمى، فإن العلاقة التي يبنيها الجنس في الزواج هي علاقة أهم وأقوى. لهذا يقول الكتاب “يترك الرجل أباه وأمه ويلزم امرأته…” أي يجعل الكتاب المقدس العلاقة التي يربطها هذا الدافع علاقة أهم من سائر العلاقات الطبيعية الأخرى، وهذه الأخيرة أيضاً مقدّسة.
لهذا إن أكثر مَن يظلم الجنس في حياته هو من يحصره في الدافع ويقتل العلاقة الروحية. وهذا ما نسميه “زنى”. وهكذا نفهم لماذا لا تقبل الكنيسة الممارسات الجنسية قبل الزواج بينما تباركها في الزواج. لأن الزنى هو الرضوخ للدافع دون بناء علاقة، بينما العفة هي الوصول إلى العلاقة باستخدام الدافع (كما في الزواج).

البتولية هي الوصول إلى العلاقة الروحية مع الآخر وجميع الناس باستباق واقع الدوافع. البتولية هي استباق إلى الجانب الروحي من الحياة بقفزة أسرع من مسيرة الدوافع. لذلك لا “يحرم” الراهب ذاته ولا “يحرّم” على الآخرين، كما يظن البعض. “يستبدل الراهب عشقاً بعشقٍ” يقول الأدب الرهباني؛ لذلك يملأوه العشق الإلهي فيستغني إذا أراد عن تعشّق ذلك الدافع الجنسي. لا يعيش المتبّتل في القهر والحرمان، على العكس إنه أكثر من يعطي للجنس حقه وكرامته، حين يحقق الجانب الروحي بنجاح في حياته دون أن يستخدم الدافع الطبيعي.

مريم البتول مثالُ المتبتلين وقائدتُهم. ولكن هي أيضاً أم ومثال جميعِ المسيحيين. “البتولية” هي غاية الزواج وطريقة الرهبنة. لذلك لا تحتقر الكنيسة الزواج أبداً ما دام له الغاية عينها التي للرهبنة. ولكن ما نلاحظه من تشجيع على البتولية يصل لحدّ التفضيل عند بولس الرسول “من استطاع فليكن مثلي (متبتلاً)” فهذا مرّده ليس سبباً شرعياً يختص بالطهارة أو النجاسة، لا سمح الله! إنما سببه هو تحرّر طريقة العيش البتولي الرهباني من أشكال دهرية ومادية كثيرة، تلك التي تفرضها المجتمعاتُ البشرية كلَّها دون استثناء على حياة الأفراد فيها. فالكنيسة تقدس الزواج كما البتولية، وتعطي بذلك للجنس حقه الإنساني الحقيقي. دون أن يشكك بذلك تفضيلهُا للبيئة الرهبانية على البيئة المدنية حين تكون غاية الحياة هي تحقيق العفة وممارسة الفضائل.

إذا ما كان الرهبان قد أخذوا مريم العذراء شفيعةً وقائدة، فإن جميع المتزوجين يحتاجون إلى هذا المثل وهذه الشفاعة بالمقدار ذاته إن لم يكن أكثر بسبب الظروف الأقسى.
لذلك نرّنم جميعنا في أبيات المديح الكثير الكثير من الكلمات التي تمدح الطهارة ولا تلغي الزواج، أو تميّز البتولية الرهبنة وتوجه الزواج. “افرحي يا والدة زارع الطهارة”. آمين.

رسالتك في الحياة – القديس يوحنا الذهبي الفم

أريد عملكم لا مديحكم

يبدو أن مقالي الأخير الطويل الذي ألقيته لإشعال غيرتكم تجاه هذه الاجتماعات لم يكن نافعًا، لأنه لا تزال كنيستنا مهجورة من أبنائها. لهذا فإنني أجد نفسي ملزمًا أن أتضايق وأتكدر، فأوبخ الحاضرين وأخطئ الذين تخلفوا عن الحضور. أولئك بسبب عدم قيامهم من كسلهم، وأنتم بسبب عدم تقديمكم يد المعونة في خلاص إخواتكم.

حقًا أن من يتطلع إلى تكدري بطريق خاطئ يدعونني سليطا. لكن هذا لا يمنعني من إثارة روحه لنفس الغرض (أي الاهتمام بخلاص إخوته)، لأنه لا شيء عندي أفضل من هذا النوع من (اللجاجة).

ليحدث ما يحدث، مادمتم في النهاية تخجلون وتعتنون بإخوتكم بسبب لجاجتي الدائمة.

لأنه ماذا تفيدني مديحكم ما لم أراكم تتقدمون في الفضيلة؟! وماذا يضرني في صمت السامعين (عن مدحي) إن كنت أري نحو تقدمكم؟!
فمدح المتكلم لا يكمن في كلمات ثناء السامعين، بل في التهاب غيرتهم نحو الصلاح. ولا يكمن في الصوت الذي يحدثونه أثناء سماعهم له، بل في الغيرة الباقية (العاملة). لأن كلمات الثناء الخارجة من الشفاه سرعان ما تنتشر فيالهواء وتتبدد. أما تقدم المستمعين في الفضيلة فيهب مكافأة أبدية غير فانية لكل من المتكلم والمطيعين له.

ثناء هتافكم يهب شهرة للمتكلم هنا. أما ورع نفوسكم فيزكيه بالأكثر أمام عرش النعمة. فمن كان محبًا للمعلم فليشتاق إلى نفع السامعين له، لا إلى مدحه بالكلام.

إن إهمالنا لإخوتنا ليس بالخطأ الهين، إنما يجلب علينا عقوبة عظيمة وتأديبًا بغير رحمة.

تاجروا في الوزنات

لقد وُبخ الرجل الذي دفن الوزنة، إذ لم يجاهد لأجل تغيير إنسان شرير… وبهذا صار هو شريرًا، لأنه لم يضاعف ما قد عهد إليه به، لهذا استوجب العقاب. فلا يكفي لخلاصنا أن نكون غيورين مشتاقين إلى سماع الكتب المقدسة، إنما يلزمنا مضاعفة الوديعة. فمع اهتمامنا بخلاصنا الخاص بنا نتعهد أيضًا بما هو لخير الآخرين.

لقد قال الرجل المذكور في المثل “هوذا الذي لك” (مت25: 25)، لكن هذا الدفاع لم يقبل، إذ قيل له “فكان ينبغي أن تضع فضتي عند الصيارفة“.

أرجوكم أن تلاحظوا كيف أن وصايا السيد سهلة، فالبشر يسألون المقرضين إيفاء الدين (ولا يبالون بشخص المقترض).. لكن الله لا يفعل هذا، إنما يأمرنا أن نأخذ الوديعة ولا يحاسبنا عليها بقصد استردادها… إنما يستجوبنابخصوصها دون أن يطلبها منا.

أي شيءٍ أسهل من هذا؟! ومع ذلك يلقب سيده الوديع الرحيم قاسيًا. لأن هذه هي عادة الإنسان الجاحد الكسلان يخفي خجله من أخطائه بنسبها إلى سيده. لهذا ألقى خارجًا في قيود الظلمة الخارجية.

فلكي لا نسقط تحت العقاب، يلزمنا أن نودع تعاليمنا لدى إخوتنا، سواء كانوا يقبلونها أو يرفضونها. فإنهم إن قبلوها ينتفعون ونحن نربح معهم. وإن رفضوها يسقطون تحت العقاب غير المحتمل دون أن يصيبنا نحن أي ضرر. إذ نكون قد صنعنا ما يجب علينا من جهة تقديم النصيحة. لكنني أخشى أن يبقوا على حالهم بسبب تراخيكم وإهمالكم.

لا تيأسوا من خلاص أحد

إن مداومة النصيحة والتعليم تجعل الإنسان مجتهدًا وتصيره إلى حال أفضل، وفي هذا أقتبس المثل العام الذي يؤكد هذه الحقيقة، وهو أن “قطرات الماء المتواترة تشقق الصخر”. أي شيء ألين من الماء؟! وأي شيءٍ أصلب منالصخر؟! ومع هذا موالاة العمل باستمرار يغلب الطبيعة. فإن كان هذا بالنسبة للطبيعة، أفليس بالأولى تغلب الطبيعة البشرية؟!…

أنتم نور العالم

كم أنا مغموم، إذ أرى في أيام الأعياد الجموع المحتشدة كالبحر المتسع الأرجاء، والآن لا أجد ولا القليل من الجموع لتجتمع ههنا.

أين ذهب أولئك الذين يزحموننا بوجودهم في أيام الأعياد؟!

إنني أتطلع إليهم متحسرًا عليهم، حزينًا من أجل تلك الجموع التي تهلك بعيدًا عن طريق الخلاص.

يا لها من خسارة عظيمة في الإخوة! إن قليلين هم الذين يهتمون بالأمور الخاصة بالخلاص.

يا له من جزء كبير من جسد الكنيسة يشبه الميت الذي بلا حراك!!

تقولون: وماذا يخصنا نحن في هذا؟

لديكم إمكانية عظمي بخصوص إخوتكم. فإنكم مسئولون إن كنتم لا تنصحوهم، وتصدون عنهم الشر، وتجذبونهم إلى هنا بقوة، وتسحبونهم من تراخيهم الشديد. لأنه ماذا يليق بالإنسان أن يكون نافعًا لنفسه وحده، بل ولكثيرين أيضًا. ولقد أوضح السيد المسيح ذلك عندما دعانا “ملحًا” (مت 5: 13)، و”خميرة” (مت 13: 33)، و “نورًا” (مت 5: 14)، لأن هذه الأشياء مفيدة للغير ونافعة لهم.

فالمصباح لا يضيء لذاته، بل للجالسين في الظلمة. وأنت مصباح، لا لتتمتع بالنور وحدك، إنما لترد إنسانًا ضل، لأنه أي نفع لمسيحي لا يفيد غيره؟! ولا يرد أحدًا إلي الفضيلة؟!

مرة أخرى، الملح لا يُصلح نفسه، بل يصلح اللحم لئلا يفسد ويهلك… هكذا جعل الله ملحًا روحيًا، لتربط الأعضاء الفاسدة أي الإخوة المتكاسلين المتراخين، وتشددهم وتنقذهم من الكسل كما من الفساد، وتربطهم مع بقية جسد الكنيسة.

وهذا هو السبب الذي لأجله دعانا الرب “خميرًا”، لأن الخميرة أيضًا لا تخمر ذاتها، لكن بالرغم من صغرها فإنها تخمر العجين كله مهما بلغ حجمه. هكذا افعلوا أنتم أيضًا. فإنكم وإن كنتم قليلين من جهة العدد، لكن كونوا كثيرين وأقوياء في الإيمان والغيرة نحو الله. وكما أن الخميرة ليست ضعيفة بالنسبة لصغرها، إذ لها قوة وإمكانية من جهة طبيعتها… هكذا يمكنكم إن أردتم أن تجتذبوا أعدادًا أكثر منكم ويكون لهم نفس المستوى من جهة الغيرة.

لكن قد يعتذرون بأن الوقت صيف، إذ أسمع أمثال هذه الكلمات بأن الحر زائد، وحرارة الشمس غير محتملة، ولا نقدر على الزحام (هذه أمثله من الحجج التي نسمعها من بعض المسيحيين).

صدقوني أني أخجل منهم. فإن مثل هذه الاعتبارات مملوءة تدليلاً، التي لا يليق أن يحتج بها حتى أصحاب الأجساد الرقيقة وذوي الطبيعة الضعيفة، فأنها لا تبررهم.

فإنهم إن قدموا مثل هذه الأعذار بغير خزي، فيلزمنا ألا نخجل من إجابتهم.

وماذا أقول للمتقدمين بمثل هذه الأعذار؟ إنني أريد أن أذكرهم بالثلاث فتية في أتون النار، الذين إذ أحاطتهم النيران من كل جانب، تغمر أفواههم وعيونهم وتنفسهم لم يكفوا عن التغني بالتسبحة السرية المقدسة لله.

وأظن أنه يليق بنا أن نضيف إليهم الأسود التي كانت في بابل ودانيال في الجب (دا 4: 24).

وليس هذا وحده، بل وفي الجب آخر كان النبي أرميا حيث كان الوحل قرابة رقبته (أر 38: 5)

أليس من المدهش حقًا أن هؤلاء القديسين الذين كانوا في أتون النار أو في جب أو بين الوحوش، وفي الوحل، وفي السجن، وتحت الضربات والجلدات والآلام غير المحتملة، لا يتذمرون بل يتغنون بالتسبيح المقدسة في حيوية وبغيرة متقدة بينما نحن الذين لم نقع تحتها – لا في كثير ولا في قليل – نهمل خلاصنا محتجين بسخونة الشمس وحرارة الجو قليلاً وبعض التعب، هاجرين اجتماعنا، مفسدين أنفسنا بذهابنا إلى اجتماعات مهلكة تمامًا؟!

فمن الواضح أذن أن هذه الأعذار غير المعقولة هي وليدة الكسل والتراخي، مفتقرة لنيران الروح القدس.

لتدعوا الجميع

إن ملاحظاتي هذه ليست موجهة إليهم بل بالأكثر إليكم يا من تتقدمون بهم، وتقيمونهم من كسلهم، وتأتون بهم إلى مائدة الخلاص هذه.

حقًا إن العبيد عندما يقومون ببعض الخدم العامة يستدعون زملاءهم العبيد، أما أنتم فعندما تذهبون لتجتمعوا في الخدمة الروحية تحرمون زملاءكم من بركاتها بسبب إهمالكم.

تقولون “وماذا نعمل إن كانوا لا يرغبون في المجيء؟“

اجعلوهم يرغبون بلجاجتكم الدائمة، فمتى رأوكم مصرون على هذا يرغبون هم أيضًا.

إنها مجرد أعذار تقدمونها. فكم من آباء يجلسون ههنا ولا يرافقهم أولادهم؟ هل من الصعب أيضًا أن تأتوا ببعض من أولادكم؟!

ليشجع كل واحد غيره، ويحثه على الحضور. فالأب يشجع ابنه، والابن أباه، والأزواج زوجاتهم، والزوجات أزواجهن، والسيد عبده، والصديق صديقه، وبالحري ليس فقط أصدقاءه بل وأعداءه أيضًا… داعيًا إياهم لينهوا من الكنز المقدم لخير الجميع. فإن رأى العدو اهتمامك بما هو لخيره فسينزع عنه بغضته لك.

لا تأتي فارغًا

إنني أقول أن الذين تخلوا عن هذا الاهتمام بالإخوة ينالون صفعة في أكثر أجزائهم حيوية، محتملين خسارة أبشع مما تحدث بأي سبب آخر، لأن من يحضرون معهم أحدًا يقتنون ربحًا أعظم مما يقتنى بأي شيء آخر، كما يعلن الكتاب المقدس… “لا يظهر أمامي فارغين” (خر 23: 5)، بمعنى ألا يدخلوا الهيكل بغير ذبائح. فإن كان لا يجوز دخولنا الهيكل بغير ذبائح، فكم بالحري يليق بنا ألا نأتي ونحن غير مصطحبين إخوتنا، لأن هذه التقدمة أفضل من تلك.

ليتنا نقتدي ببعض المخلوقات غير العاقلة، إذ تصطاد فريسة لممن هو من جنسها، فأي عذر لنا نحن الذي قد كرمنا بالعقل وبحكمة كهذه إن كنا لا نعمل مثلها؟

لقد نصحتكم في العظة السابقة وقلت لكم: “أذهبوا كل واحد إلى بيوت أقربائه، وانتظروهم حتى يخرجوا وامسكوهم واقتادوهم إلى بيت أمهم العام. امتثلوا بالمجانين الذين يقابل كلٍ منهم الآخر مبكرًا لكي يقتاده للمشاهد الشريرة.

وها أنا أكرر النداء، ولا أكف عنه حتى أجد بكم إلى العمل.

اجذبوهم بالعمل لا بالكلام

السماع لا يفيد شيئًا ما لم يصحبه التنفيذ، بل يجعل دينونتنا أشد.

أسمع ما يقوله السيد المسيح “لو لم أكن قد جئت وكلمتهم لم تكن لهم خطية. وأما الأنبياء فليس لهم عذر في خطيتهم” (يو 15: 22) ويقول الرسول “لأن ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرار عند الله” (رو 12: 13).

هذا قيل من أجل السامعين، ولكن أراد الرب أن يعلم المعلمين أنهم لا ينتفعون من تعليمهم شيئًا ما لم تنطبق تعاليمهم مع سلوكهم، وكلماتهم مع حياتهم… إذ يقول النبي “وللشرير قال الله مالك تحدث بفرائضي وتحمل عهدي على فمك وأنت قد أبغضت (التعليم)” (مز 49: 16-17) ويقول الرسول “وتثق إنك قائد للعميان ونور للذين في الظلمة ومهذب للأغبياء ومعلم للأطفال ولك صورة العلم والحق في الناموس. فأنت إذًا الذي تعلم غيرك ألست تعلم نفسك؟!” (رو 2: 19-21)

لهذا ليت شغفنا لا يكون متزايدًا إلى مجرد الاستماع، فإنه بالحق حسن جدًا أن نقضي وقتنا دائمًا في الاستماع للتعالم الإلهية، لكنها لا تفيدنا شيئًا إن لم ترتبط بالرغبة في الانتفاع منها.

من أجل هذا لا تجتمعوا هنا باطلاً. بل لا أكف عن أن أتوسل إليكم بكل غيرة كما كنت أفعل من قبل قائلاً: “تعالوا بإخوتكم إلى هنا. أرشدوا إلى هنا. أرشدوا الضالين. علموهم بالعمل لا بالكلام فقط“.

هذا هو التعليم ذو السلطان، الذي يأتي خلال سلوكنا وأعمالنا. فإنك و إن كنت لا تنطق بكلمة، لكنك بعد ما تخرج من هنا تعلن للبشر الذين تخلفوا عن الربح الذي اقتنيته ههنا وذلك بواسطة طلعتك ونظراتك وصوتك وكل تصرفاتك.وهذا كافٍ لإرشاد والنصح.

يلزمنا أن نخرج من هذا الموضع كما يليق بمكان مقدس، كأناس نازلين من السماء عينيها، وقورين وحكماء، ناطقين وصانعين كل شيءٍ بلياقة.

فعندما ترى الزوجة رجلها آتيًا من الاجتماع، والأب ابنه، والصديق صديقه، والعدو عدوه ، يرون فيهم أثار البركات التي تمتعوا بها. فيدركون إنكم قد صرتم ودعاء وأكثر حكمة وإتزانًا.

تأملوا أي امتيازات تتمتعون بها خلال الأسرار المقدسة؟! علموا الذين “هم من خارج” أنكم في صحبة طغمة السارافيم، محسوبين مع السمائيين، معدين في صفوف الملائكة، حيث تتحدثون مع الرب وتكونون في صحبة السيدالمسيح.

فإن تهيأت نفوسكم هكذا، فلا حاجة إلى ما ننطق به مع من تخلفوا عن الحضور، لأنهم يرون ما نلناه، ويلمسون خسارتهم، فيسرعون للحضور ليتمتعوا مثلنا.

إنهم يحثون بجمال نفوسكم المتلألئة، تلتهب قلوبهم بمظهرنا الصالح مهما كانوا أغبياء، لأنه إن كان جمال الجسد يغري ناظره، فكم بالحري يهز جمال النفس وتناسقها ناظرها، وتجذبه لتكون له نفس الغيرة؟!

إذًا فلنزين إنساننا الداخلي، ولنفكر فيما يقال ههنا عندما نخرج… لأنه إن كان المصارع يصارع حسبما تدرب عليه في مدارس المصارعة، إلا أننا نحن في تعاملنا مع العالم لم نستخدم ما نسمعه ههنا!!

اجذبوهم بالحب

تذكروا ما يقال لكم، حتى عندما تخرجون ويلقى الشيطان يديه عليكم عن طريق الغضب أو المجد الباطل أو أي شهوة أخرى، فإنه بتذكركم ما تعلمتموه هنا تقدرون أن تفلتوا من قبضته الشريرة بسهولة.

ألا ترون كيف أن المتمرنين حسنًا، بعد ممارستهم المصارعة زمنًا طويلاً وقد أعفوا منها بسبب كبر سنهم، يجلسون خارج الحلبة وينادون من يعلمونهم قائلين هكذا “أمسك يده، أسحب رجله، أضغط على ظهره، وما إلى غير ذلك منالتوجيهات“…

أليسوا بهذا يقدمون خدمة عظيمة لتلاميذهم؟! وأنتم أيضًا تطلعوا إلى مدربكم – بولس الطوباوي -الذي بعدما نال نصرات كثيرة، يجلس خارج الحدود – أي هذه الحياة الزمنية – ويصرخ إلينا برسائله. فإذ يرانا في غضبٍ أومستائين مما يلحقنا من الأضرار يقول: “فإن جاع عدوك فأطعمه، وإن عطش فأسقيه” (رو 12: 20)

وصية جميلة خاصة بالحكمة الروحية، نافعة لمنفذها وللمستفيدين بها! لكن بقية النص يثير حيرة عظيمة ويبدو كأنه غير متفق مع نية ناطق الكلمات السابقة… إذ يقول: “لأنك إن فعلت هذا تجمع جمر نار على رأسه“.

بهذه الكلمات الأخيرة يصيب الفاعل والمستفيد شرًا. الأخير لأنه توضع على رأسه جمر نار .. فما المنفعة له من الطعام والشراب إن كان يجمع على رأسه جمر نار؟!.. أما مقدم المنفعة فهو أيضًا يصيبه ضررًا بطريق آخر، لأنه أي فائدة يجتنيها من صنعه الخير لعدوه إن فعل هذا بقصد جمع جمر نار على رأسه؟! إذ لا يكون بهذا رحومًا ومترفقًا بل قاسيًا ومتوحشًا.

فما هو الحل؟

لقد كان هذا الرجل العظيم والحكيم (بولس) عالمًا تمامًا بهذه الحقيقة، وهي إن مصالحة العدو بسرعة أمر خطير وصعب، لا بحسب الطبيعة إنما بسبب تراخي الإنسان. وهو لا يأمرنا فقط أن نصطلح على عدونا بل وأن نطعمهأيضًا، الأمر الأكثر صعوبة لأنه إن كان البعض لا يقدر حتى على معاينة من يضايقونهم، فكيف يرغبون في تقديم الطعام لهم وهم جائعون؟!

ولماذا أقول أن النظر إليهم يثيرهم، بل مجرد ذكر اسمهم يعيد إلى ذاكرتهم جراحتها ويلهب نيران حنقهم.

لقد كان بولس عالمًا بهذا، وهو يريد إن ما كان قاسيا وصعبًا سهلاً وبسيطًا. يريد أن يقنع من لا يحتمل معاينة عدوه أن يقدم له خيرًا، لذلك أضاف قوله “يجمع جمر نار”، حتى يسرع محب الانتقام إلى صنع الخير لعدوه.

كما أن الصياد يحيط الصنارة بطُعم من كل جانب، فتسرع سمكة لتأكل منه كعادتها (في أكل السمك الصغير) للحال يأسرها الصياد ويمسكها بسهولة، هكذا يصنع بولس الذي يريد أن يقود الإنسان إلى تقديم لخير لمضايقيه، إذ لا يقدم صنارة الحكمة الروحية عارية، إنما يغطيها بمثل هذا الطعم أي “جمر النار” فيدعوا الإنسان المهان الراغب في الانتقام إلى تقديم الخير لمضايقه.

وإذ يأتي الإنسان بهذا الفعل يصطاده الرسول ولا يتركه يهرب.

فكأن الرسول يقول لمحب الانتقام “إن كنت لا تقدم الطعام للمخطئ إليك من باب الشفقة، فقدمه من أجل رغبتك في الانتقام”. والرسول يعلم إنه متى بدأ الشخص في هذا العمل فسيكون هذا بداية إنطلاق للمصالحة بينهما (ويختبرالشخص حلاوة فضيلة محبة الأعداء).

إنه بهذا يعين الإنسان الذي غضب، لكن لاحظ كيف يربط بين الإثنين.
أولاً: عن طريق صنع الخير (لأنه مهما كان الإنسان دنيئًا وبلا إحساس، فإنه بعدما يتقبل الطعام والشراب يصبح خادمًا وصديقًا لمن قدمهما إليه).
ثانيًا: عن طريق الخوف من الانتقام. لأن العبارة: “لأنك إن فعلت هذا تجمع جمر نار على رأسه” تبدو كأنها موجهه لمقدم الطعام، لكنها هي بالأكثر تخص مسبب المضايقة. فبخوفه من العقاب فيكف عن العداوة، لأنه يعلم إن أخذهالطعام والشراب يزيد جرمه إن بقي في العداوة. لهذا يصرف غضبه للحال مطفئًا جمر النار.

فالعقوبة المقترحة والانتقام المعلن يقنعان الطرفين: الذي أهين لكي يقدم الخير لمضايقه، ومسبب الغضب نصده ونجبره أن يصطلح مع من قدم له الطعام والشراب.

وهكذا يربط بولس الاثنين برباط مزدوج. الأول يعتمد على تقديم المنفعة لمضايقه، والثاني الخوف من العقاب. لأن الصعوبة تكمن في أن يبدأ أحدهما ويفتح باب المصالحة، وعندئذ يكون الباقي سهلاً وبسيطًا.

اهزم شرك لا أخاك

لهذا لم يقف بولس عند هذا الحد في نصحه، بل عندما يفرغ كلاهما من الغضب يقدم الوضع السليم قائلاً: “لا يغلبنك الشر”. وكأنه يقول “إن كنت تحمل غيظًا وتبحث عن الانتقام، فإنه حقًا يبدو كأنك تهزم عدوك. لكن في الحقيقة تكون أنت المغلوب بالشر أي بالغضب“.

فإن أردت الغلبة اصطلح ولا تهاجم خصمك. فإنها نصرة عظيمة أن تغلب الشر وتطرد الغضب والحنق، بصنع الخير أي الاحتمال.

إذًا هل أدركت حكمت المشرع؟! ولكي تتعلم أنه جاء بهذه الوصية هكذا بسبب ضعف الذين لا يقتنعون أن يصطلحوا… أسمع ما يقول السيد المسيح عندما شرع وصية في نفس الأمر دون أن يضع نفس الجزاء بل قال: “أحبوا أعدائكم… احسنوا إلى مبغضيكم” (مت 5: 22) أي قدموا لهم طعامًا وشرابًا… “لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات” (مت 5: 45) موضحًا لهم هذا الجزاء لأنه كان يحدث بطرس ويعقوب ويوحنا وبقية الرسل…

مثال عملي

لقد اقتبس الرسول نفس كلمات سليمان (أم 25: 21-22) ليقنع المستمع الذي بلغ درجة روحية عالية هكذا يراعى ما جاء في الناموس القديم كأمر نفذه أناس من رجال العهد القديم.

كثيرون نفذوا هذه الوصية من بينهم داود الذي نفذها في صورة سامية، إذ بالحقيقة لم يقدم لعدوه طعامًا وشرابًا فحسب، بل وأنقذه دفعات كثيرة من الموت. فعندما كان في جبعة وكان في إمكانه أن يقتل لم يفعل هذا مرة ومرتين… نعم بل ومرات كثيرة.

وبقدر ما كان شاول يكرهه ويضايقه، كان هو يقدم له خيرًا وصلاحًا كثيرًا. فبعدما أنتصر داود إنتصارًا باهرًا أمام داود…لم يطق شاول أن يذكر اسمه بل كان يدعوه باسم أبيه. فبعدما أعدت الوليمة ودبر قتله ونفذت الخطة قال شاول “لماذا لم يأتِ أبن يسى” (1صم 20: 27)، إذ لم يطق أن ينطق أسمه الحقيقي… كما أراد أن يحطم مركز هذا الرجل المرموق بذكر أصله.

يا له من فكر بائس ومحتقر، لأنه إن كان في الأب عيوب، فهذا لا يسئ إلى داود، لأن كل إنسان يسأل عن أعماله هو، وبها يمدح أو يذم.

لقد دعاه “ابن يسى” (للتحقير)، أما داود فعندما وجد شاول نائمًا في الكهف لم يدعه “ابن قيس” بل كرمه قائلا:ً “حاشا لي من قبل الرب أن أمد يدي إلى مسيح الرب” (1 صم 26: 11). هكذا كان داود في نقاوة متحررًا من الغضب أو الاستياء من الأضرار، تدعى هذا الذي أرتكب ضده شرورًا كثيرة، وكان متعطشًا لسفك دمه، ومحاولاً أن يهلكه “مسيح الرب“.

أنه لم يهتم ما يستحقه شاول بل فكر فيما يليق به هو أن يفعله حسبما تمليه عليه الحكمة.

أنه لم يتطلع إلى الظروف أنها تسهل عليه عملية قتل شاول بل كانت ملاحظته دقيقة من جهة الحكمة التي تكون له.

هل استطاعت نصيحة القائد له وحثه على ارتكاب الجريمة، وهل استطاع تذكره للماضي أن يعزيه على القتل؟!

لم يستطع شيء من هذا أن يثيره. لكن الفرصة المهيأة له للقتل بسهولة حولته عن إرتكاب الفعل، إذ فكر هكذا أن الله وضع شاول تحت يده ليختبر حكمته.

ربما تعجب من داود لأنه لم يفكر في أي شيء سابق، لكن الذي يدهشني أنا أنه لم يقسي يده على شاول خوفًا من الظروف المقبلة. لأنه يعلم تمامًا أنه إن فلت شاول من يديه فسيكون فيما بعد خصمًا له…لكنه أستحسن أن يعرضنفسه للخطر مسامحًا من أساء إليه على أن يضمن لنفسه أمانًا مستخدمًا العنف مع عدوه.

يا لعظمة هذا الرجل! ويا لسمو روحه! هذا الذي كان الناموس يطالبه “عين بعين وسن بسن” (تث 19: 22) فإنه لم يبلغ إلى هذه الدرجة فحسب بل نال درجة عالية من الحكمة.

ولم تقف حكمته في عدم قتل شاول الخصم العنيف، بل ولم ينطق بكلمة غير لائقة ضده، مع أنه لو تكلم ما كان شاول يسمعه. أما نحن فكثيرًا ما نتكلم بالشر حتى ضد أصدقائنا عندما يكونون غائبين.

يا لحنان روحه! إنه بحق قد تبرر كما جاء في القول: “أذكر يا رب داود وكل دعته (وداعته)” (مز 132: 1)

لنقتد به فلا ننطق بكلمة ضد عدونا ولا نصنع به شرًا بل نقدم له الخير قدر المستطاع، فإننا بهذا نصنع خيرًا مع أنفسنا أكثر مما نصنعه معهم. فقد أمرنا أن نغفر لأعدائنا فتغفر خطايانا (مت 6: 14)

ليتنا نشتاق بشغف أن نتصالح مع من يضايقوننا، سواء أكانوا يفعلون هذا بعدل أو بظلم. فإننا إن اصطلحنا هنا نخلص من الدينونة في العاaلم الآتي… ولكن إذا جاء الموت في الفترة التي فيها البغضة قائمة، وحمل معه العداوةفسينظر في القضية في الدهر الآتي.

كما أن كثيرين عندما يكونون في نزاع مع غيرهم، يتلاقون مع بعضهم البعض بروح الصداقة خارج المحكمة فيخلصون أنفسهم من الخسارة والخطر والمتاعب التي تلحق الطرفين، أما إذا تُرك الأمر أمام القاضي فسيلحق كلاهما خسارة مادية، كما قد يلحقهما عقوبة، وتبقى العداوة بينهما دائمة.

هكذا نحن أيضًا إذا بقينا في العداوة فسنرحل إلى المحكمة المهيبة في العالم الآتي وندفع حتمًا العقوبة حسب أمر الديان. ويخضع للعقوبة المحتملة كل من الذي غضب ظلمًا لأنه فعل هذا، والذي غضب بعد لأنه أبقى الحنق.

لهذا يلزمنا إذا عوملنا معاملة رديئة ظلمًا أن نغفر لمن يخطئ في حقنا.

لاحظوا كيف يحث المتألمين ظلمًا ويشجعهم للمصالحة مع من أساءوا إليهم “فإن قدمت قربانك على المذبح وهناك تذكرت إن لأخيك شيئًا عليك فأترك قربانك قدام المذبح وأذهب أولاً إصطلح مع أخيك وحينئذ تعال وقدم قربانك” (مت5: 23-24)

إنه لم يقل: “اجتمع معه وقدم قربانك” بل اصطلح وقدم قربانك.

انظر أيضًا كيف يدفعكم مرة أخرى للذهاب إلى مضايقتكم، بقوله “فإنه إن غفرتم للناس زلاته يغفر لكم أيضًا أبوكم السماوي” (مت 5: 14)، مقدمًا مكافأة عظيمة ليست بهينة.

تأملوا هذه الأمور جميعها، واحسبوا قدر المكافأة العظيمة، وتذكروا أن غسل الخطايا يتوقف على غفراننا للمسيئين إلينا…

ليت إله السلام والمحبة، الذي ينزع عن أرواحنا كل حنق ومرارة وغضب، يتنازل ويهبنا – بارتباطنا مع بعضنا البعض في وحدة تامة كما ترتبط الأعضاء مع بعضها البعض (أف 4: 16) – أن نقدم له باتفاقٍ واحدٍ وفم واحدٍ وروح واحدٍ تسبيح شكرنا الواجبة له. لأن له المجد والقوة إلى أبد الأبد. آمين

التخشع والدموع – القديس إفرام السوري

إن الشمس قد بلغت ساعة المساء ومن أجلك تتوقف إلى أن تبلغ المنزل! فإلى متى تحتمل العدو وتكمل مشيئته فإنه يتمنى ويحرص أن يأتي بك إلى النار.

إنه دائمًا يحارب الناس جميعًا بالشهوات الردية النجسة… ويمنح الذين يذعنون له اليأس، وقساوة القلب وجفاف الدموع لئلا يتخشع ذلك الخاطئ تخشعًا تامًا. فاهرب منه أيها الإنسان، وأرفض مشوراته اهرب من ذلك الغاش إنه قاتل الإنسان منذ البدء وإلى المنتهى.

اسمع أيها الحبيب الصوت القائل كل وقت “تعالوا إلىَّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم احملوا نيري عليكم وتعلموا مني أني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم” إنه يعطي الراحة والحياة فلمَ تتوانى أيها الإنسان؟ ولمَ تجوز يومًا فيومًا. تقدم ولا تجزع فإن السيد صالح ومتحنن. يشفي الجراحات ويهب الحياة دون حسد لأنه إله صالح يقبل بسهولة كافة الذين يخرون له ساجدين إذ هو الإله الأعظم الذي بسابق علمه بعرف سائر أفكارنا. وإذا تقدم إليه الإنسان يبرأ لأنه يعاين قلبه وكافة أعماله.

إنه إله صالح قبل أن تهطل الدموع يسكب كنوزه وقبل أن تتضرع إليه يصالحك، وقبل أن تبتهل إليه تنال الرحمة. لأن محبة الله هكذا تشتاق إلى كل من يقبل إليه. إذ لا يبطئ عن الاستماع ولا يطالبك بالزمان الذي قد مضى إنما يطلب أن يخضع له في تواضع بدموع إذ يغفر تمامًا كافة الإثم والخطية بل وكل الهفوات، ويأمر في الحال بإحضار الحلة الأولى ويجعل خاتمًا في يده اليمنى ويأمر الملائكة أن تسر معه برجوع هذا الخاطيء.

فإذ لا نزال في ذلك العالم نستطيع في كل وقت أن نستعطف السيد وسهل علينا أن نبتغي الغفران ولنا أن نقرع باب تحننه فنسكب العبرات ما دام لنا وقت تقبل فيه الدموع قبل أن ننصرف إلى ذلك الدهر الآتي حيث لا يقبل البكاء إذ لا تحسب الدموع هناك بقدر ما تكون الآن بمشيئتنا.

من يؤمن بابن الله تكون له حياة دائمة… إذ قال “من آمن بي كما قال الكتاب تجري من بطنه أنهار ماء حي.

الحطب الكثير ينمي اللهيب ومخافة الله تكثر المعرفة في قلب الإنسان والعمل يحقق العلم، استيقظ إذا كنت تزرع بذار سيدك لئلا يختلط به الزوان… ولنطلب من الرب أن يعطينا معرفة وفهمًا لنتيقظ في كل شيء.

الكور يختبر الفضة والذهب وينقيهما، وتقوى الرب تهذب الأفكار وتنقيها، مثل الصائغ الجالس في السنديان فهو يعمل أواني حسنة ونافعة كذلك مخافة الرب تجرد كل فكر خبيث من القلب وتنظفه وتبرز ألفاظًا بمعرفة. فلنعط مجدًا لمن منحنا مخافته في قلوبنا. بدء الحكمة مخافة الرب، والفهم الصالح لكل من يعمل. الحكيم يحفظ وصايا المسيح، ومن يسلك فيها لا يخزى إلى الأبد ومن يهملها فذلك جاهل ورجاؤه باطل. من يحفظها جيدًا فقد انتقل من الموت إلى الحياة وما يعاين ظلامًا للأبد وفي يوم وفاته يجد دالة ونعمة وملائكة ترشده… وأساسه على الصخرة التي لا تتزعزع ويصير وارثًا للحياة الخالدة مثل هذا مغبوط لأنه عرف أن يصنع مشيئة خالقه.

إذا ضرب البوق يستعد الجيش للحرب لكن في أوان الجهاد ليس الكل محاربين. لا تقل عن ذاتك أنك…، وبلا عيب قدام الله فالأشياء التي نسيتها هي ظاهرة قدام الله وليس المكان يجعل الإنسان تامًا بل الإفراز.

مخافة الرب ينبوع حياة، مخافة الرب تنقي العقل، مخافة الرب صيانة للنفس، مخافة الرب تعطي المتقي الرب نعمة في كل تصرفاته، مخافة الرب مديرة للنفس، خشية الرب تضيء النفس وتبعد كل ما هو خبيث، مخافة الرب تبعد الآلام وتنمي المحبة، مخافة الرب تقطع كل شهوة ردية.

خشية الرب مؤدبة للنفس إذ تبشرها بآمال صالحة، مخافة الرب طريق السلام، خشية الرب تملأ النفس من الروح القدس.

ليس في الناس أعظم قدرًا من المتقي الرب إنه مثل نور يرشد الكثيرين إلى الخلاص، يشابه مدينة حصينة فوق جبل، مغبوطة تلك النفس التي تخشى الرب لأنها تتقدم فتبصر أمامها القاضي العادل كل حين.

إن أخطأ أحد إلى الله وتراخى… فليبك باشتياق ولينتحب بلا تغويت مادام يوجد له زمانًا على الأرض. ..فيجلب بالدموع سرورًا إلى قلبه وليحم جسمه بالدموع والزفرات.

أتراكم يا إخوتي لكم خبرة الدموع؟ هل أضاء أحدكم بنعمة الدموع التي من أجل الله. تيقنوا يا إخوتي أنه ليس على الأرض أكثر حلاوة من الفرح والتخشع في تلك الساعة إذا صلى الإنسان وجلس الإله في قلبه دائمًا. واختبر هذا حين صلى بارتياح وشوق فارتفع من الأرض وصار بجملته خارج الجسد بل خارج هذا الدهر كله إذ يناجي الإلهي نفسه، ويستضيء بالمسيح، ويتقدس دائمًا بالروح القدس عجبًا يا إخوتي أن يخاطب إنسان ترابي دائمًا في صلاته الإله الذي لا يُرى! التخشع يا إخوتي يفيد في اغتفار الخطايا، ويستجذب الروح القدس، بالتخشع يا إخوتي يسكن فينا الابن الوحيد إذا أقبلنا إليه وإني خائف يا إخوتي أن أصف لكم اقتدار الدموع.

حنة النبية بالدموع أخذت من الله صموئيل النبي وكان فخرًا لقلبها، المرأة الخاطئة في مترل سمعان أخذت غفران خطاياها حين بكت وبلت قدميه المقدستين بدموعها. عظيمة هي قوة الدموع يا إخوتي التي من أجل الله فهي تقتدر كثيرًا. تجلو دائمًا النفس من الخطايا وتنظفها من الآثام، العبرات التي من أجل الله تمنح دالة لدى الإله القدوس، والأفكار الخبيثة ما تقدر قط أن تقترب من النفس الحاوية الله والتي تصلي وتبتهل إليه إذا هدفت النفس إلى الله تبصره دائمًا في صلاتها وتلهج فيه الليل والنهار.

التخشع هو كنز لا يسلب والنفس الحاوية له تفرح فرحًا لا ينطق به، ليس تخشع يومًا إنما التخشع الدائم الذي داخل النفس ليلا ونهارًا.

التخشع في النفس يا إخوتي هو كعين صافية تسقي غروسها المثمرة أي الفضائل التي تسقي دائمًا بالدموع والزفرات فتثمر ثمرًا صافيًا نافعًا أبدًا لنفسك.

اسق أيها الأخ غروسك بلا انقطاع مبته ً لا بدموع حتى تنمو وتثمر يومًا فيومًا، ولا تصر متشبهًا بي أنا المسترخي الخاطيء الذي أقول كل يوم ولا أعمل البتة… ولا تصر متوانيًا ومسترخيًا باختيارك فلا يكون لك خشوع ولا صلاة نقية… فإنني في خوف دائم من الدينونة وليس لي عذر عن جريمتي. فأطلب إليكم يا إخوتي القديسين الخائفين الله والذين تفعلون ما يرضيه أن تصلوا عني أنا الحقير لتدركني النعمة بصلواتكم وتخلص نفسي في تلك الساعة المخوفة التي فيها يجيء المسيح فيكافىء كل واحد نظير أعماله له المجد إلى أبد الدهور آمين.

تفهم يا أخي أنه من أجلك أقبل من السماء الإله القدوس العلى ليعليك من الأرض إلى السماء، مغبوط في ذلك اليوم الذي حرص هنا كي يوجد مستحقًا لتلك السعادة، وإذ أنه لا يمكن أن تباع الأدوية السماوية والقدسية لأنه ليس لها ثمن ولكنها بالدموع توهب للكل. ترى من لا يعجب ومن لا ينذهل، من لا يبارك كثرة تحننك أيها المخلص لنفوسنا لأنك ارتضيت أن تأخذ الدموع عوض أشفيتك. فيا لقوتك أيتها الدموع؟ إنك تدخلين إلى السماء مجاهرة كثيرة بلا مانع وتأخذين طلباتك من الإله القدوس.

الضحك يحذف تطويب النوح خارجًا، ينقض بناء الفضائل، يحزن الروح القدس، ما ينفع النفس بل يفسد الجسم، ليس فيه ذكر الموت ولا تفكر العذاب. الضحك والدالة مثل ريح السموم تفسد ثمار الراهب، ويحدرانه إلى أسفل. فأعطني يارب النوح والبكاء إذ بدون النوح لن يعرف الإنسان ذاته وليكن لنا النوح الذي لأجلك وليس لأجل الناس، لنكن مبتهجين بالروح القدس ومواهب الرب نائمين بعقولنا ضارعين إلى الله دائمًا لكي لا نعدم ملك السموات والخيرات التي أعدها للذين يحبونه.

النوح يبني ويحفظ النفس ويجعلها نقية طاهرة، النوح يولد العفة، يقطع الشهوات يقوم الفضائل. النوح يطوب من الرب لذا قال أحد التلاميذ ليتحول ضحككم إلى نوح وفرحكم إلى غم، اتضعوا قدام الرب فيرفعكم.

ماذا أصنع أنا الخاطئ إذ لم أنح ولم أبك على نفسي بتخشع، أتكلم وما اعمل، ويلي كيف أتهاون ويلي كيف أتوان في خلاصي؟ ويلي لأنني بمعرفة أخطئ ويلي إنني بلا عذر، ويلي فإنني بأقوالي يحسبني البعض من ذوي اليمين، وبأفعالي قد وقعت في اليسار.

لكن لك وحدك أيها الصالح أعترف بخطيتي إذ تعرف كل الأشياء وأنا صامت فليس شيئًا مكتومًا تجاهك. يارب قد أخطأت إليك ولست أهلاً أن أتفرس وأبصر علو السماء من قبل كثرة ظلامي، إنني من أجل لذة يسيرة استهنت بالنار أنا أشقى كل الناس.

ليتني أبكي على ذاتي إذ يوجد لي وقت أيضًا تقبل فيه الدموع. فيا ربي هب لي دموع فأبكي ليلا ونهارًا. أتوسل إليك أن تطهر وسخ قلبي. ويلي ماذا أصنع عند الظلمة القصوى حيث البكاء وصرير الأسنان، ويلي ماذا أعمل نحو الزمهرير والعذاب الذي لا ينقضي، والدود النفاث بالسم الذي لا ينام، ويلي يا نفسي قد أخطأت فتوبي لأن أيامك تعبر كالظل فبعد قليل تنصرفين من ههنا. ويلي يا نفسي إذ بأفعالك الدنسة قد أحزنت الملائكة القديسين الذين يحفظونك. فلا تمنح نفسك راحة ولا أجفانك نعاسًا ليعطيك الإله المتعطف معونة. يا إخوتي بعد وقت قصير لابد أن نعبر إلى أماكن مخيفة وليس أحد من ههنا يرافقنا لا والدين ولا إخوة ولا أصدقاء.

فلا تتوانى في الأعمال الصالحة التي سنجدها في وقتها، ولنستيقظ في هذا الدهر قبل أن تقبض علينا قوات الظلمة بعد الفراق أولئك الذين لا يرهبون ملكًا ولا يكرمون أميرًا ولا يبجلون صغيرًا أو كبيرًا سوى الذي بالأعمال الصالحة يولون منه منهزمين.

إن نفوس الصديقين بيد الرب ولن تمسهم آلام، ومجد الله يجللهم. حينئذ يصرخون فيستجيب لهم الرب فلا نتوانى يا إخوتي الأحباء فإذا حانت ساعة الفراق تذبل تلك اللذات، ويهلك التنعم، ويبيد الغنى وحب الرئاسة جميعها تنحل وتزول.

مجاري المياه لوقت الحريق، ومجاري الدموع في زمن التجربة الماء يخمد لهيب النار والدموع تطفيء شهوة الشر.

مغبوط هو المتقي الرب، مغبوط هو الإنسان الذي في داخله مخافة الله إنه يطوب من قبل الروح القدس جهارًا.

حقًا إن المتقي الرب سيكون خارج كل حيل العدو. يغلب بسهولة كافة مكائده الرديئة إذ لا يستأسره بشيء لأنه من أجل التقوى لا يقبل لذة الشهوة، لا يتتره هنا وهنا لأنه ينتظر سيده لئلا يأتي بغتة فيجده متوانيًا فيشقه نصفين فالمتقي الرب مستيقظ دائمًا، ولا يعطي ذاته نومًا إلا بمقدار لأنه يسهر في مجيء الرب المخوف وما يضطجع لأنه في كل وقت يهتم بقنيته الروحية، يحرص لئلا يغيظ سيده، وكل حين يختبر الأعمال المرضية للرب حتى إذا جاز به يمدحه بأنواع كثيرة، الذين يقتنون تقوى الله تصير لهم سببًا لخيرات جزيلة من ليست عنده مخافة الله سيكون سريع الانصياع لمكائد العدو، ويصير محزنًا للذات. يتباهى باللذات ويسر بالراحات ويهرب من الشقاء يرفض التواضع ويصافح الكبرياء فيجيء الرب ويرسله إلى الظلمة الأبدية.

تبصرت كل شيء فلم أجد ما أفضل من خشية الله فطوبى لمن أحبها. فقد أحبها يوسف البار فعقد له التاج على مصر. وأحبها موسى العظيم ففلق البحر بعصاه. وتعشقها أطفال حنانيا فأنقذهم من النار.إنهى لأشهى من الذهب وأحلى من الشهد. لقد أوغلت في طلب المال فإذ به يبقى في الدني، وتعشقت الجمال فإذ به يفنى في الهاوية، وتلمست الإخوة والأحباء فلم يجدوني نفعًا فها إني أساق إلى الدينونة حيث لا يخلص الأخ أخاه. فيا ربي نجني من جهنم فإن مجرد ذكره يزعجني.

أحد الدينونة – المطران بولس يازجي

أحد الدينونة (متى 25، 31-46)
مقالة للمطران بولس (حلب)

“حينئذٍ يقول الملك للذين عن يمينه: تعالوا يا مباركي أبي…، وللذين عن يساره: اذهبوا عني يا ملاعين”

يعطي يسوع في هذا النصّ الإنجيليّ صورة عمّا سيحدث يوم الدينونة الأخير. وكيف سيجلس هو على العرش “ويجمع إليه كلّ الأمم فيميز بعضهم عن بعض كما يميّز الراعي الخراف من الجداء”.

ثلاثة حقائق أساسيّة تخرج من هذا النصّ، وتستحق منا التأمّل بها عميقاً. الأولى هي حقيقة يوم الدينونة، والثانية شمولية ذلك اليوم ومسكونيته، وأخيراً إن المحبّة هي معيار الدينونة. دينونة الله هي مبدأ إنسانـيّ عامّ بحسب الضمير أوّلاً. فإنّ عدالة الله ومحبّته توعد بتصحيح الأمور المعوجة في هذه الحياة. وهو سيعوض للمظلوم وسوف يدين كلاً بحسب أعماله.

يوم الدينونة، واقع حقيقيّ وجزء من عقيدتنا أساسيّ. لقد كان مجيء المسيح الأول (ميلاده) هو منتهى الأيّام بالنسبة للعهد القديم، لأن الربّ حين يتجسّد سوف يدين العالم والأمم ويبسط ملكوت الله. وكتاب العهد الجديد يهيّئنا إلى مجيء الربّ الثاني ويضعنا في سهر وانتظار. ويكثر الربّ من الأمثلة والتعاليم التي تحثّنا على السهر لاستقبال ذلك اليوم الذي سيأتي بغتة، ويعطي بعض العلائم الدالة عليه.

سفر المزامير يستدعي الله بشوق ليتمّ العدل على الأرض ويبسط سيطرته على العالم ويدينه. إنّ غياب العدالة في هذه الحياة يجعل انتظار يوم الربّ شوقاً وصلاة حارة!

كتاب سفر الرؤيا هو الكتاب النبوي في العهد الجديد، الذي يتكلّم عمّا بعد زمن هذه الحياة وعن يوم الدينونة والغلبة الإلهيّة الأخيرة ومصير الناس. نعلن بوضوح في دستور الإيمان إيماننا بيوم الدينونة ونترجّى قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي.

الدينونة في المفهوم المسيحيّ ليست عقاباً ينـزله الله بمَن أساءوا إليه، بل إنّها اللحظة التي يُقيم فيها الله العدالة ويكشف عن الأعمال الحقيقيّة التي هي تدين كلّ إنسان. وتترافق تعاليم الكتاب عن هذه الدينونة بلوحات مرعبة وصور مهوّلة، وذلك رغبةً بالتشديد على السهر من جهة وعلى تصوير مقدار العذاب الذي سيلحق بالمهملين.

الخطأ الذي نقع فيه اليوم هو أنّنا نشعر بأنّ الربّ “أبطأ”. تمرّ الأجيال، وانقضت الألفية الأولى وبعدها الثانية. وها نحن ندخل الألفيّة الثالثة! لذلك يتولد عند المؤمن اليوم الشعور بأنّ السيّد يبطئ، إن لم يتولّد الشعور أن الإيمان بيوم الدينونة هو تعليم تربويّ وليس حقيقة تاريخيّة ستحصل!

درءاً لهذا الخطر أنبأ يسوع من أيّامه وأوصى “ألاّ ننعس قائلين قد أبطأ”! إنّ انقضاء زمن طويل دون حدوث المجيء الثاني يجب ألاّ يجعلنا نرتاح على أنّه سيبطئ؛ بل على العكس أن نزيد السهر لأنّ زمانأ طويلاً انقضى وبالتالي يقصر الزمان الباقي. نحن، خطأً، نعدّ الأيّام نحو يوم الربّ عدّاً تصاعديّاً، أي كلّما انقضى زمان أطول كلّما آمنّا أنّه سيطول أكثر، وكلّما مضى زمان نؤمن أنّه سيبطئ. بينما العدّ الحقيقيّ هو عدّ تناقصي. أي كلّما انقضى زمان أكبر هذا يعني أنّ الزمان قد قصر، كما يخبرنا سفر الرؤيا. فإبطاء الربّ يضعنا في اليقظة أكثر. “أبطأ” تعني لنا إذن “الانتظار” بلهفة ويقظة أكثر وليس “التأجيل”!

“اسهروا” هي الكلمة التي يجب أن تخرج إلى مسامعنا كلّما عبر زمان. وهذا ما تريده الكنيسة اليوم في هذا الأحد، حين نتذكّر يوم الدينونة الرهيب!

شامل هو حكم الربّ يوم يدين “الأمم”، كما يقول الربّ يسوع في النصّ الإنجيليّ الذي سمعناه. لأنّه سيجمع كلّ الأمم وليس أتباع دين دون آخر أو أبناء أمة دون سواها… الله هو أب الناس أجمعين بالرغم من اختلاف ألوانهم وأديانهم، وليس إله سواه. إنّه العادل الوحيد والأخير وهذا لا شك فيه، لكن السؤال هو هل عند الله محاباة للوجوه؟ وكيف سيدين من هم خارج ديننا (الأمم آنذاك أمام سامعي يسوع)؟ ما هو المعيار المشترك يا ترى الذي سيأخذ الربّ به دون أن يظلم أحداً بل ليقيم العدل؟

لا شيء مشترك في حياة كلّ البشر سوى “المحبّة”! يختلف الناس بالدين، ويختلفون بالأعراق والجغرافيا والظروف والحضارات واللغات… كلّ شيء بين الناس مختلف، الأمر الوحيد المشترك بين كلّ الناس هو إنسانيّتهم أي محبّتهم وعمل الخير. لذلك يوضح يسوع أنّ الدينونة ستقوم على أساس “الأعمال” وليس على اعتبار آخر حتّى ولا الدين! هكذا عندما يفرز الخراف عن الجداء ويفصلهم عن يمينه وعن يساره لا يسأل عن أي معيار غير الأعمال الحقيقيّة، وهذه المحبّة العمليّة. وعلى هذا الأساس فقط يمكن ليوم الدينونة أن يكون شمولياً.

عندما تكون المحبّة هي معيار الدينونة، هذا يعني الكثير وخاصّة عندما يوحّد الديان ذاته بذوي الحاجات، فكل ما فعلتموه بهؤلاء “الصغار” (الضعاف) تكونون قد فعلتموه “بي”! هنا يريد السيّد أن يوضح تماماً ما ردّده يوحنا الحبيب أنّه لا يمكننا أن نحبّ الله الذي لا نراه إذا كنا لا نحبّ القريب الذي نراه. الدين كعلاقة حبّ وعبادة لله لا تقوم مباشرة بين المخلوق والخالق! إنّما يثبت الإنسان محبّته لغير المخلوق حين يعتني بخليقته! إنّ محبتنا العمليّة للقريب هي التي تبني المحبّة مع الله، أو العكس إنّ إهمالنا للقريب هو الذي يحدّد دينونتنا. هذا هو خطر “التقوى” الخارجيّة، حين نكثر من “العبادات” نحو الخالق ونهمل خدمة الناس. هذا هو التدين الهابط.

تحديد المحبّة معياراً للدينونة يريد به يسوع أن يشدّد على حقيقة، أنّ عدالة الله ترى مسؤوليّة مشتركة بين البشر، وسوف تدين على أساس حياة الشركة وليس حياة الفرد. لا تقبل العدالة الإلهيّة جواباً كـ” أفأنا مسؤول عن أخي؟” نعم أنا مسؤول عن أخي إن كنت أؤمن بوجود الله ويوم الدينونة العادل. عدالة الله سوف تحكم في مدى نجاحنا بهذه المسؤوليّة وليس على أي مقياس آخر.

تأخذ محبّة القريب طابعاً دينياً وليس اجتماعياً. إن مسؤوليتنا نحو القريب ليست في حيّز “الإحسان” إنّما في صلب “الإيمان” وهي معياره. ليس الدين مسألة فرديّة بين فرد وإلهه. الإيمان المسيحيّ مسألة شركويّة. السؤال يوم الدينونة ليس عمّا فعلنا مع الله، فهذا لا معيار له إلاّ بعض المظاهر! السؤال سيكون ماذا طبّقنا من الدين مع الآخر. هذه الوصيّة الجديدة التي شدّد يسوع أنّه جاء بها ويوصينا أن نحياها ليعرف الناس أنّنا تلاميذه. وهي أن الدين هو وصايا نحو الآخر وما نريده مع الله نبرهنه من خلال القريب.

الشركة مع الآخر ليست درجة مثاليّة في الدين بل هي جوهره؛ وغيابها لا يعني نقصان فضيلة ما فيه بل يعني تماماً غيابه كليّاً.

نعم سَنُدان يوماً، فلنسهر! وسنُدان جميعنا فلا دين ولا عرق ولا أي انتماء إنّما فقط الأعمال! سنُسأل آنذاك حصراً عمّا إذا كنّا قد عملنا من أجل محو وجه الأمم عن وجه الأرض!

هكذا نتحضّر للصوم، أوّلاً بالسهر لأن الزمان قصير! وثانياً التركيز على أنّ غاية أيّة ممارسة كما هو الصوم القادم، هي فعل المحبّة أنّنا لا نعبد الله إلا بخدمة أولاده البشر، وأن لا تديّن دون تقدمة ولا دين ليس من أجل الآخر.
إن الدين ويوم الدين يزيدنا التزاماً ومسؤوليّة.
آميــن

GoCarch